عملياً، بدأت إسرائيل خطتها المتدرجة لإلغاء إتفاقية أوسلو التي وقعت في 13 أيلول/ سبتمبر عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، والتي تهدف إلى إنهاء عقود من الصراع عبر إقامة سلطة حكم ذاتي فلسطيني انتقالي في الضفة الغربية وغزة. الاتفاقية أتت في سياق السلام المتدرج الخطوات الذي ترعاه الولايات المتحدة بين العرب وإسرائيل، وكانت أولى خطواته الكبرى اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978 التي أشارت إلى السعي إلى اتفاقات سلام مماثلة مع الأردن، وإقامة حكم ذاتي للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
كان يراد لصورة مصافحة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك اسحاق رابين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات أن تكون رمزاً لنهاية صراع دموي نشأ بفعل احتلال فلسطين وتشريد شعبها عام 1948. لكن الاتفاقية تلقت رصاصتها الأولى بعد عامين عندما أطلق يهودي متطرف النار على رابين فأرداه قتيلاً، لتبدأ بعدها سلسلة من الهزات كان أبرزها اغتيال الزعيم الفلسطيني عرفات مسموماً عام 2004، بحسب الكثير من التقارير التي حملت إسرائيل مسؤولية اغتياله بعد حصاره طويلاً في مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله.
بدأت الخطة الإسرائيلية الهادفة إلى إلغاء الاتفاقية قانونياً بمشروع قانون قدمته كتلة حزب "القوة اليهودية" الذي يتزعمه وزير الأمن المتطرف إيتمار بن غفير. هذه خطوة أولى أجّل نتنياهو البحث فيها لكنه لم يرفضها، وهذا يعني انتظار توقيتٍ آخر ريثما تنتهي إسرائيل من حروبها على جبهات القتال العسكرية. تؤكد الوقائع على الأرض أن إسرائيل التي رفض يمينها المتطرف الاتفاقية منذ البداية، لم تلتزم تطبيقها مستغلةً عدم الوضوح في بعض بنودها، ولا سيما منها لجهة صلاحيات السلطة الفلسطينية والأمن الداخلي والوضع النهائي ووضع مدينة القدس وغيرها من القضايا الإشكالية الأخرى.
اعتمدت الحكومات الإسرائيلية، ولا سيما منها حكومات المتطرف بنيامين نتنياهو، بعد الانسحاب من قطاع غزة وتسليم الادارة المدنية للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية والقطاع، سياسة القضم المتدرج للأرض وعزل التجمعات الفلسطينية بعضها عن بعض بالمستوطنات والطرق الالتفافية الخاضعة لسيطرة الجيش، بالتزامن مع نهش صلاحيات السلطة الفلسطينية، خصوصاً بعد رحيل عرفات وتسلم محمود عباس دفة القيادة في رام الله. وفي ظل وضع عربي ممزق وخصوصاً بعد احتلال العراق عام 2003 ثم اندلاع ثورات الربيع العربي، أمعن اليمين الإسرائيلي في تمزيق الإتفاقية معتمداً سياسةً تقوم على خطين متوازيين: المزيد من العنف ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع وقمع الانتفاضات المتتالية عبر استخدام القوة المفرطة، ومن جهة ثانية بث بذور الشقاق والفتنة بين الفلسطينيين عبر "السماح" لحركة "حماس" بالسيطرة على قطاع غزة ما أفقد السلطة الفلسطينية الإمساك بورقة التفاوض كاملةً، ليقف نتنياهو وغيره من رؤساء الحكومات متفرجين على صراع "فتح"-"حماس" السياسي والدموي أحياناً.
مشروع بن ايتمار يدعو إلى إلغاء كل الاتفاقيات الموقعة بين إسرائيل ومنظمة التحرير ثم مع السلطة الفلسطينية، وكذلك كل التشريعات التنفيذية ما يعيد الصراع إلى مرحلة ما قبل 1993 سياسياً وأمنياً وعسكرياً، أي إلغاء السلطة الفلسطينية نهائياً وإعادة احتلال الضفة وقطاع غزة وإباحة الاستيطان قانوناً وليس بفرض أمر واقع مخالف للقانون كما يحصل حالياً. من البديهي أن يعني ذلك أيضاً أن مشروع الدولة الفلسطينية سحب من التداول في ظل الظروف الحالية للمنطقة والهجمة الاسرائيلية الممتدة من لبنان وفلسطين إلى إيران...
تفيد التجربة الطويلة مع الحكومات الإسرائيلية بأنها قد تتراجع خطوة في المفاوضات لتتقدم خطوتين على الأرض، وأنها منذ قرار تقسيم فلسطين عام 1947 تعتمد سياسة القضم، كلما سنحت الفرصة، فتضم عبر قوانين تسنّها أراضي تحتلها كما حصل مع الجولان السوري ويحصل حالياً مع أراضي الضفة الغربية ومع بعض غزة التي لا يزال مستقبلها مجهولاً. وإذا كان البعض يعتبر أن طرح مشروع قانون إلغاء الاتفاقية هو نوع من المزايدات الانتخابية مع قرب الانتخابات العامة في إسرائيل، فإن ذلك يجافي حقيقة أن المجتمع الإسرائيلي برمته ينحو نحو التطرف اليميني وأن كل الشعارات الغوغائية في بدايتها تتحقق مع الوقت، فكيف إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتبر نتنياهو صديقاً حميماً وسبق أن قدم إليه هدية لا تقدر بثمن عندما نقل سفارة بلاده إلى القدس مكرساً إياها "عاصمةً أبدية" لإسرائيل بحسب العقيدة الصهيونية، سواء كان الحاكم يمينياً متطرفاً أو يسارياً لا يقل عنفاً ودموية.
لن يستطيع العالم الغربي الذي كان بشكل أو بآخر راعياً للاتفاقية التي رأى فيها تعويضاً مقبولا للفلسطينيين عن دولة كاملة الأوصاف أن يمنع إسرائيل من إلغائها، فإجراءاته التي تقتصر على الإدانة والاستنكار وفرض بعض العقوبات الخجولة على المستوطنات غير الشرعية والمستوطنين المتطرفين لا تأثير فعالاً لها على القرار الإسرائيلي. وسواء ألغيت الاتفاقية رسمياً أو لم تلغ فإسرائيل جعلتها بحكم الملغاة، كما فعلت مع كل القرارات الدولية منذ 1947 حتى اليوم.
(النهار اللبنانية)

