هل هناك جديد يمكن أن يقال في ذكرى النكبة الكبرى التي حلت بفلسطين والأمة العربية، حينما تم إعلان قيام إسرائيل في 15 مايو 1948 وزرعها في منطقتنا العربية؟ وهل هذه هي النكبة الوحيدة في حياتنا كعرب أم أن هناك نكبات كبرى حلت بالعرب؟ منذ ذلك الوقت المشؤوم عام 1948 وكثيرون كتبوا وناقشوا ورصدوا وحللوا، وألفوا الكتب والموسوعات بزوايا نظر مختلفة، ثم أعادوا الكتابة والرصد والتحليل عقب كل صدام عربي إسرائيلي سواء فى 1956 و1967 و1973 أو اجتياح لبنان واحتلال بيروت أول عاصمة عربية عام 1982ثم حرب تموز ـ يوليو 2006 في جنوب لبنان، ثم الصدامات المستمرة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية، وصولا إلى العدوان السافر الغاشم على غزة ولبنان بعد 7 أكتوبر 2023، وانتهاء بالعدوان على المنطقة بأكملها وتدمير القدرات السورية ثم إيران في يونيو الماضي.
إسرائيل صارت ليس فقط بلطجي المنطقة، بل تتحدث وكأنها قوة عظمى دولية وليست إقليمية، وهو الأمر الذي قاله علنا رئيس وزارئها بنيامين نتنياهو، بعد أن تحدث عن قدرة كيانه على الوصول لكل مكان في المنطقة ثم أعاد رسم هذه المنطقة وصولا إلى إسرائيل الكبرى، وهي المرة الأولى التي يتحدث فيها مسؤول إسرائيلي رسمي بمثل هذا النوع من الكلام الفج والواضح والصريح. ليس جديدا أن نقول إن الغرب، خصوصا بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ساعد في زرع إسرائيل في منطقتنا لأسباب متعددة منها الخرافات التوراتية، ومنها التخلص من "صداع اليهود" في أوروبا، ومنها جعل هذا الكيان هو القاعدة المتقدمة للغرب في منطقتنا لكي يضمنوا استمرار تقسيم العرب والمسلمين وعدم توحدهم بقدر الإمكان. وعلينا ألا ننسى مقولة المستشار الألماني فريدريش ميرتس قبل شهور، حينما قال إن "إسرائيل تقوم بالمهمة الأكثر قذارة، نيابة عن الغرب".
كل ما سبق قيل وسيقال، وهو صحيح إلى حد كبير لكن ما أحاول لفت النظر إليه اليوم انطلاقا من المشهد الذي يعيشه العرب الآن، هو أنه ما كان يمكن لإسرائيل أن تحقق كل ما حققته، من دون الانقسام العربي غير المسبوق. في تفسير نكبة وهزيمة العرب في عام 1948 كان يقال دائما إن السر أن غالبية الدول العربية كانت محتلة، وضعيفة، وهو أمر صحيح، لكن ماذا عن عرب اليوم، أليسوا يملكون الثروات والإمكانيات، وحققوا الاستقلال وصارت هناك 21 دولة، لكل منها علم ونشيد، وبطولات صحيحة أو متخيلة؟!
النقطة التي آراها جوهرية أنه وباستثناء فترات قليلة جدا منذ عام 1948 حتى الآن، فإن العرب كانوا منقسمين طوال الوقت، وخلافاتهم بينهم أشد من خلافات بعضهم مع إسرائيل، ووصلنا إلى مرحلة تدعي فيها إسرائيل أنها سوف تتحالف مع عرب ضد عرب آخرين!! نعم إسرائيل كيان مصطنع ولا يمكن أن يستمر قويا من دون الحبل السري الأمريكي الغربي المتمثل في فتح خزائن المال ومخازن السلاح أمامها والدعم الدبلوماسي والإعلامي، بل والحرب المباشرة لصالحها كما هو حال أمريكا منذ أكتوبر 2023 حتى الآن.
النقطة الجوهرية هو أنه لا يوجد موقف عربي موحد، خصوصا بين الدول الكبرى والأكثر تأثيرا، وهذا أخطر مرض عربي حتى الآن. وعلينا أن نتذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلب من إسرائيل تهدئة عدوانها على غزة في أكتوبر الماضى، حينما ألمحت بعض الدول الخليجية أنها يمكن أن تتحالف مع قوى دولية وإقليمية أخرى مثل الصين وروسيا وباكستان، ولذلك فإن أحد أهداف الحرب الحالية هو إشعال صدام عربي إيراني لا يتوقف، ولا يستفيد منه إلا أعداء الطرفين. ويحسب لغالبية الدول الخليجية، خصوصا السعودية، أنها متنبهة لهذه المصيدة حتى الآن.
وصلنا إلى مرحلة صار كثيرون يقولون إنه لا يوجد ما يسمى بالموقف العربي، بل صار هناك تشكيك في جدوى استمرار جامعة الدول العربية، بل والهوية العربية نفسها. إسرائيل قامت بسبب ضعف العرب، واستمرت بسبب انقساماتهم وصراعاتهم العبثية، وسوف تتعملق ويترسخ وجودها إذا استمرت أحوالهم على ما هي عليه. وللأسف العرب مرشحون لأكثر من نكبة.
هزيمة 48 لم تكن النكبة الأقوى لأن ما نعيشه في العقود الأخيرة صار أخطر بكثير مما حدث وقتها. ومن لا يصدق عليه أن يلقي نظرة سريعة على أحوال هذه الأمة من المحيط إلى الخليج.
(الشروق المصرية)

