لقد شاهدنا في شهر يوليو/تموز الماضي أربع وقائع تؤكد ذلك، ونبدأ بأولاها وأكثرها دلالةً وفحشًا معًا، ففي حديث أجرته قناة "فوكس نيوز" الأميركية يوم 28 منه مع المجرم بنيامين نتنياهو.
المجرم يتحدّى كل دول العالم الموقّعة على اتفاقية روما
سأله المذيع: "ماذا لو أنّ طائرته (نتنياهو)، لسبب طارئ، اضطرّت للهبوط في إحدى الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، وقامت هذه الدولة بتنفيذ قرار اعتقاله لمحاكمته بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة في غزّة، هل يقلقك هذا الاحتمال؟!"
ردّ نتنياهو بوقاحة قائلًا: "نعم أفكر في هذا الأمر، لكن، كما تعلم، لدينا قوات خاصّة تستطيع التحرّك في كلّ مكان!"
علّق المذيع: "الجيش الإسرائيلي لديه سمعة جيدة في تنفيذ المهام الصعبة"
ابتسم نتنياهو وقال: "إذن فلنُعطه مهمة جديدة!".
المعنى هنا مفضوح جدًّا، فالمجرم يقول بصفاقة إنه يتحدّى كل دول العالم (150 دولة) الموقّعة على اتفاقية روما والأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، ويهدّدها لو أقدمت إحداها على اعتقاله تنفيذًا لقرار المحكمة، فإنّ قوات كيانه ستقوم، كأي عصابة، باختطافه من أراضيها وتحريره!
محاولة عقاب إسبانيا بالقرار الترامبي بدت خائبة تمامًا
أمّا الواقعة الثانية التي شهدها الشهر الماضي أيضًا، وتصبّ في السياق عينه، فقد حدثت في اليوم التاسع من الشهر المذكور عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واحدة من أفعاله المُفرطة في العدوانية والشذوذ، أنّه قطع كل علاقات الولايات المتحدة التجارية مع إسبانيا، وبدا القرار وكأنّه عقاب مزدوج لمدريد على شيئين اثنين متساويين تقريبًا، أولهما رفضها ضغوطه على الدول الأوروبية لرفع قيمة مساهماتها في ميزانية حلف النّاتو من 2% إلى 5% من إجمالي الدخل الوطني لكل دولة، وعقابها أيضًا على موقفها المتقدّم جدًّا والمتضامن مع قضية الشعب الفلسطيني وإدانة حكومتها الاشتراكية الصريحة لحرب الإبادة التي يشنّها الكيان الصهيوني في غزّة.
يبلغ حجم التبادل التجاري بين إسبانيا وأميركا نحو 74 مليار دولار، ويميل الميزان التجاري قليلًا لصالح واشنطن، لكنّ قرار ترامب لن يكون له تأثير يذكر في الاقتصاد الإسباني بسبب ضخامة هذا الأخير إذ يفوق إجمالي دخله السنوي ما يقارب تريليونَيْ دولار.
إذن محاولة عقاب إسبانيا بهذا القرار الترامبي بدت خائبةً تمامًا، إلا أنّ محاولات عقاب حكومة مدريد الاشتراكية وإحراجها وربّما إسقاطها لم تنته، وإنما جرى استهدافها مرةً أخرى يومي 29 و30 من الشهر الماضي، ففي هذين اليومين تدفّق عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين (نحو 60 ألفًا) باتجاه الحدود المغربية الإسبانية واقتحموا الجيب التّابع للأخيرة في مدينة سبتة الواقعة داخل الأراضي المغربية.
كلّ هذه الحشود غير المسبوقة كيف تحرّكت جحافلها عبر الأراضي المغربية بعد حملة تعبئة هائلة؟ هل تمّ كل هذا في غيبة أجهزة الأمن المغربية المعروفة بقوتها وحزمها؟ لا سيما أنّ اليوم الذي بلغت فيه هذه الحشود الذروة (يوم 30) كان يوافق عيد جلوس الملك والاحتفال بهذه المناسبة أقيم في المنتجع الملكي الصيفي الذي لا يبعد أكثر من 10 كيلومترات عن سبتة؟!
التفسير المنطقي الوحيد لحادثة سبتة هو أنّه تمّ ترتيبها والإعداد لها مسبقًا من قبل الكيان الصهيوني نكايةً في حكومة إسبانيا وعقابًا لها على مواقفها الداعمة لفلسطين، غير أنّ السحر انقلب على الساحر فاضطرّت حكومة المغرب لإصدار بيان متأخر أعلنت فيه "أنّها فوجئت" بهذا الذي جرى في سبتة واتهمت "أطرافًا خارجيةً" لم تسمّها، بالضلوع في الأمر!.
فوز ممداني صنع تيارًا جديدًا يشقّ النخبة الأميركية
أمّا أهم علامات بدء تغيّر موقف العالم تجاه الكيان الصهيوني وبدء انزياحه باضطراد نحو الاتجاه العكسي، فهو ما يحدث حاليًّا في قلب العالم الإمبريالي أي الولايات المتحدة الأميركية، فبعد الانتفاضة الطلابية واسعة النطاق المتعاطفة مع غزّة وفلسطين والتي اجتاحت أهم وأرقى الجامعات الأميركية، أتت صدمة فوز زهران ممداني العام الماضي الذي لم يُدارِ أبدًا رأيه في محرقة غزّة ووصفها بالإبادة الجماعية، بمنصب عمدة مدينة نيويورك أهم مدن أميركا، صانعًا بذلك تيّارًا جديدًا يشقّ النّخبة الأميركية.
وقبل أيام قليلة أضيف إلى كل هذه المؤشّرات البليغة نجاح الأميركي من أصل مصري عبد الرحمن السيد الذي، كممداني، أعلن تضامنه مع فلسطين ووصف ما فعلته تل أبيب في غزّة بجريمة الإبادة، ومع ذلك فاز في الانتخابات التمهيدية كمرشح لمنصب عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الديموقراطي في ولاية ميشيغان وأسقط منافسته الموالية لإسرائيل التي تمتّعت بدعم مالي هائل (70 مليون دولار) من أقوى جماعات الضغط الصهيونية في أميركا.
لقد تغيّر العالم فعلًا، والكيان الصهيوني ذاهب حتمًا إلى الجحيم... إن لم يكن غدًا فبعد غد.
(خاص عروبة 22)

