كثر النقاش في مراكز الفكر الأمريكي، وكتاب وأكاديميين بارزين مثل هارشماير وولت وبيب، وروبرت كيغان أحد أبرز أعمدة "المحافظون الجدد" والمؤسس والمنظر المشارك لمشروع القرن الجديد وأحد أبرز دعاة بقاء القوة الأمريكية المهيمنة، وأحد عرابي الحرب على العراق وقوة الإمبراطورية الأمريكية. ومقال كيغان في مجلة "ذي اتلاتنك" - كش ملك Iran (Check-Mate ) - بين ترامب وإيران - يذكر فيه أنه لا يمكن لإدارة ترامب أن تتراجع عن الحرب أو تسيطر على التداعيات. وتأثيرها على سمعة ومكانة والثقة بالولايات المتحدة الأمريكية عالميا.
أثار مقال كيغان ضجة وتعليقات واسعة والكثير من النقاش والجدل. وخاصة من إدارة ترامب والجماعة الداعمة له-لجرأته وحسمه أن الولايات المتحدة خسرت الحرب. وذلك برغم شن الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على مدى 37 يوماً، وبقوة مدمّرة، لكن المحصلة لم تنجحا بإسقاط النظام الإيراني، ولم تنتزعا تنازلاً حقيقياً. ويحاجج أن الحل الوحيد المتوفر الذي يراه ويتبناه كيغان، والذي لا يتوقع أن تلجأ إليه إدارة ترامب هو شن غزو بري. والملفت تقاطع ذلك الطرح مع مطالب نتنياهو وتحريضه في مقابلته مع شبكة سي بي أس نيوز-للاستحواذ على كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60% والموجود تحت أنقاض المنشآت النووية الإيرانية. قصفتها ودمرتها إدارة ترامب في حرب 12 يوما في يونيو الماضي. ويهدد الرئيس ترامب من الصين بإعادة قصفها إذا لم تسلمها إيران.
برغم أن هدف الحرب المشتركة الحقيقي كان إسقاط وتغيير النظام. لكن بعد فشل الخطة، فرضت إدارة ترامب حصارا بحريا خانقا، وحاصرت البحرية الأمريكية مضيق هرمز، والموانئ الإيرانية منذ أكثر من شهر، لخنق الاقتصاد الإيراني، ومنع تصدير النفط والغاز الإيراني ومنع عودة السفن وناقلات النفط الفارغة لتملأ النفط الإيراني الذي لم تعد قدرة التخزين الإيراني كافية لاستيعاب انتاج إيران اليومي من النفط. وذلك بهدف الضغط على إيران لتقدم تنازلات في المفاوضات المتعثرة بوساطة باكستان وبدعم خليجي. وفي ظل ذلك يستمر الحرس الثوري الإيراني بالتحكم بمضيق هرمز-وتدعي أن المضيق غير مغلق. ولكن لن تسمح لسفن الأعداء من عبور مضيق هرمز.
وكأن الضغط الاقتصادي سيحقق ما فشل القصف في تحقيقه. يرى كيغان أن إدارة ترامب باتت عالقة بين خطر التصعيد الذي ستسبب بتدمير منشآت الطاقة من نفط وغاز في دول مجلس التعاون الخليجي، وبتداعيات خطيرة على أمن ووفرة الطاقة على المستوى الدولي. ويرافق ذلك تراجع المكانة والثقة بالسياسة الأمريكية المرتجلة، وتكريس خسارة الولايات المتحدة استراتيجياً. وتراجع الثقة والرهان على الحليف الأمريكي الذي تسبب بكل التداعيات التي نعيشها اليوم في المنطقة، بشن "حرب اختيار" وغير ضرورية، ودون التشاور وإطلاع الحلفاء في الخليج وحتى الحلفاء الأوروبيين المقربين. والذين عبروا عن استيائهم عندما طلب ترامب دعمهم لإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز.
تهور إدارة الرئيس ترامب بشن حربين دون الأخذ في الحسبان أن إيران لن تثق بفخ التفاوض-كررته إدارة ترامب وإسرائيل بشن حربين في ثمانية أشهر. وأن تداعيات الحرب تجاوزت منطقة الخليج العربي، لتصل تداعياتها للحلفاء في آسيا وأوروبا. وتساؤل الحلفاء والخصوم عن قدرة أمريكا على خوض صراع طويل وتحقيق انتصارات. ويرون حدود تراجع القوة الأمريكية المهيمنة. وفشل تحقيق الأهداف، وتراجع مخزوناتها العسكرية وإرادتها السياسية.
صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في قمة البركس في نيودلهي الجمعة الماضي-أن ما تسعى إليه إيران هو "معادلة رابح- رابح". وذلك بعد يوم من زيارة الرئيس ترامب إلى الصين وسيطرة موضوع إيران ومضيق هرمز ومشاركة الصين بما تملكه من علاقة مميزة مع إيران لعقلنة الموقف الإيراني بفتح مضيق هرمز-حيث اتفقت الصين وإدارة ترامب على الحاجة لحرية الملاحة في مضيق هرمز، ورفض فرض رسوم عبور للسفن في مضيق هرمز. ورفضت الصين التوقف عن شراء النفط الإيراني الذي يشكل 80% من صادرات إيران النفطية.
وكان ملفتا في زيارة الرئيس ترامب للصين بروز وندية تعامل الرئيس الصيني تشي بالمفاوضات وعدم تقديم تنازلات. واضعا الخطوط الحمراء حول تايوان والنظام السياسي ووقف المحاضرات والتنمر الأمريكي-الغربي، ورفض محاضرات على الصين، وعدم تقديم التزامات قاطعة حول إيران، في رسائل صينية واضحة. وفرض حقيقة استراتيجية جديدة، تؤكدها تقارير الاستخبارات والدفاع الأمريكية بأن الصين الدولة الوحيدة القادرة على منافسة وتحدي مكانة وزعامة الولايات المتحدة في جميع المجالات الاقتصادية والصناعية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والابتكارات وبراءة الاختراعات وحتى في الفضاء. لذلك لم تعد الصين منافسا يمكن احتواؤه… بل باتت قوة صاعدة مؤثرة بقدرات تنافسية تشكل أكبر تحدٍ للهيمنة الأمريكية اليوم.
لذلك حذر الرئيس الصيني تشي بإسقاط ذكي ومعبر-الرئيس ترامب الزائر من الوقوع في فخ ثيوسيديدس مستنداً إلى نظرية المؤرخ اليوناني ، أثناء الحرب البيلوبونيسية. بالامتناع عن مقاومة القوة المهيمنة حينها (إسبرطة) ترمز اليوم إلى الولايات المتحدة الأمريكية-والقوة الصاعدة-ترمز اليوم إلى القوة الصاعدة (الصين).
أكد ثيوسيديدس "كان صعود أثينا والخوف الذي زرعه ذلك في إسبرطة هو ما جعل الحرب حتمية". حيث أثار صعود أثينا الاقتصادي والبحري والعسكري السريع مخاوف إسبرطة المهيمنة في اليونان.. ودفع ذلك إسبرطة خشية خسارة هيمنتها لشن حرب. وهذا ما لمح وأشار إليه الرئيس الصين تشي أمام ترامب. ناصحاً بالتعاون وتجنب التصعيد. يؤكد غراهام اليسون أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفرد أن "فخ ثيوسيديدس" ليس قدراً محتوماً. محذراً أن سوء إدارة التنافس يقود لحرب، مستشهداً بدراسة مقارنة تحول 12 صراعاً من 16 صراعاً خلال 500 عام إلى حروب!! هل ننجح بتجنب الانزلاق لحرب؟
(القدس العربي)

