صحافة

أي مستقبل للتعاون بين ضفتي المتوسط؟

ناصيف حتي

المشاركة
أي مستقبل للتعاون بين ضفتي المتوسط؟

عوامل الجغرافيا والتاريخ ومعهما الاقتصاد والسياسة أحدثت مع الزمان ترابطا وثيقا من حيث درجة التأثير المتبادل، ولو بدرجات مختلفة وفي أمور مختلفة بين ضفتي المتوسط في عمقهما العربي والأوروبي. وأخذ هذا التعاون طابعا مؤسسيا متعدد الأطراف وفي صيغ مختلفة في الكثير من الحالات. يدفعنا الحديث عن حاضر هذه العلاقات إلى ادراج الملاحظات التالية:

أولًا: إن عملية البناء الأوروبي التي كانت تاريخيا النموذج الذي يقتدي به على الصعيد العالمي في الحديث عن بناء أطر تعاون مؤسساتية إقليمية بين الدول، صارت اليوم تواجه العديد من التحديات. نشهد ذلك اليوم في مجالات الدفاع أو الأمن الأوروبي المشترك وكذلك في السياسة، مع غياب سياسة مشتركة فاعلة تجاه القضايا الرئيسية التي تواجهها الجماعة الأوروبية وكذلك في الاقتصاد مع التراجع الكبير في القدرة التنافسية في الصناعة وتراجع مكانة هذه الأخيرة في الاقتصادات الأوروبية لمصلحة الصين الشعبية بشكل خاص إلى جانب "الغرق" في أزمة الطاقة مع انعكاساتها السلبية على أوروبا دولا ومجتمعات.

ثانيًا: التحولات التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط: الإقليم المحاصر في مثلث من الأزمات الساخنة والحروب من منطقة الخليج إلى البحر الأحمر إلى شرق المتوسط. أزمات وحروب مترابطة بأشكال متعددة يؤثر أو يتأثر احتواؤها بعضها بالبعض الآخر رغم مسبباتها الأساسية المختلفة والخاصة بها، وذلك بسبب التضامن السياسي والاستراتيجي والعقائدي بين بعض أطرافها، دولا وجماعات. السؤال المطروح حاليا يتعلق "باليوم التالي" وتحديدا بطبيعة النظام الإقليمي الذي سينشأ من حيث بنية القوة وأنماط السياسات والتحالفات التي ستتبلور. فهل سنتجه نحو الاستقرار أو نحو نظام فوضى لا يخضع للقواعد التقليدية المعروفة للعلاقات بين الدول بل يقوم على استمرار التدخل في شؤون الآخر باسم استراتيجيات كبرى أو هويات عابرة للحدود.

ثالثًا: هنالك تراجع هائل للدور الأوروبي التقليدي في شرق وجنوب المتوسط وتحديدا للتدخل بغية التأثير الفعلي والفعال في احتواء وإدارة وتسوية الاختلافات والنزاعات التي لها دائما تداعياتها على الضفة الغربية للمتوسط ولو فى أوقات ودرجات مختلفة، إذا لم يتم احتوائها. وفي هذا السياق نشهد ازدياد الخلافات الأمريكية الأوروبية في "البيت الأطلسي" تحت تأثير السياسات الأحادية الأمريكية وعدم تجاوب أوروبا مع ذلك بشكل عام. وتظهر الاختلافات بشكل متزايد في خط الصراعات الدولية الممتد من إيران إلى أوكرانيا، بسبب اختلاف الأولويات بشكل خاص أحيانا أو بسبب طبيعة الدور المطلوب من الحليف في كل من هذه الحالات.

رابعًا: يأتي "ميثاق المتوسط" الذي أصدره الاتحاد الأوروبي في أكتوبر من العام الماضي، في الذكرى الثلاثين لولادة الشراكة الأورومتوسطية المعروفة "بمسار برشلونة" كحامل لرؤية واستراتيجية للتعاون ليس فقط مع الدول الأعضاء في الشراكة المتوسطية بل أيضا مع دول الخليج العربية ودول جنوب الصحراء في إفريقيا وأيضا دول غرب البلقان. رؤية واستراتيجية تحاول الاستفادة من دروس الأمس لتطوير رؤية أكثر عملية وواقعية وتدريجية في مقاربتها للشراكة المتوسعة من جديد، أمامها دون شك الكثير من التحديات حتى يمكن تحويلها من أفكار ومقترحات إلى سياسات عملية.

خامسًا: إن هذه الرؤية الأوروبية تقوم على توسيع عدد أعضاء "النادى التعاوني". التعاون الموسع في الجغرافيا الذي يؤكد على أهمية اللجوء للصيغ المرنة لتحقيق أهدافه من حيث التركيز على المواطن والتعليم النوعي والتثقيف وعلى الوسائل الجديدة في تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري وأخيرا التعاون فى مجال مكافحة الهجرة والإرهاب ضمن أمور أخرى. تعاون يستدعى كما نذكر دائما بضرورة إيلاء أهمية من طرف الشريك الأوروبي لضرورة المساهمة والمساعدة في معالجة المسببات "الطاردة" للبشر، وبالتالي الدافعة للهجرة غير القانونية. يتطلب ذلك الإسهام والتعاون بشكل كبير مع بعض "دول الجنوب" في المساعدة على معالجة المسببات البنيوية من بيئية واقتصادية وغيرها الطاردة للناس. ونذكر دائمًا أن على الدول الأوروبية المساعدة في "تصدير" جزء أساسي من الحلول لهذه الدول التي تعاني من أزمات هيكلية في مجالات النمو لتلافي "استيراد" بعض هذه المشاكل بصيغ مختلفة.

إن تعاونا ناجحا في هذا المجال يستدعى أن يقوم على مفهومين أساسيين: التعاون المتعدد السرعات (من حيث وجود دول قادرة أكثر من غيرها في المجموعة في الذهاب بعيدا أو بشكل أسرع من أخرى في التعاون) والتعاون القائم على ما يعرف "بالهندسة المتغيرة" من حيث وجود قطاعات في دول معينة قادرة أكثر من غيرها في دول أخرى في المضي في مسار أسرع للتعاون الإقليمي.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن