بصمات

الجُغْرافْيا السِّياسِيَّةُ لِلرِّياضَةِ العَرَبِيَّة!

تُثيرُ كُرَةُ القَدَمِ في كَأْسِ العالَمِ 2026، هذا الجُنونَ كُلَّهُ مِنَ السِّحْر، وَالخَيال، وَالعَواطِفِ عِنْدَ المُشَجِّعينَ في أَنْحاءِ العالَم، مِمّا يُضيفُ اهْتِماماتٍ أُخْرى، كَجُزْءٍ يَدْخُلُ في صَميمِ الأَنْساقِ الأَنْثروبولوجِيَّةِ لِلشُّعوبِ المُمَثَّلَةِ بِـ48 مُنْتَخَبًا، وَتَسْعى الدُّوَلُ مِنْ خِلالِها إلى إِظْهارِ عَوالِمِ وَحْدَتِها وَتَماسُكِها تَحْتَ الصّورَةِ وَالضَّوْءِ وَالفَرَحِ في زَمَنِ الحُروبِ وَالخَيْباتِ وَالاضْطِرابِ السِّياسِيّ. هذا يَعْني أَنَّ الرِّياضَةَ صارَتْ ظاهِرَةً مُتَعَدِّدَةَ الأَبْعاد، وَتَتَجاوَزُ حُدودَ التَّرْفيهِ وَالمَلاعِبِ وَالمُنافَسات، لِتُشَكِّلَ تَأْثيراتٍ أَعْمَقَ في المَجالاتِ السِّياسِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ وَالاقْتِصادِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ في عَصْرِ العَوْلَمَة، وَبِوَصْفِها عَوامِلَ مُساعِدَةً على التَّأْثيرِ في الدَّوْلَةِ الحَديثَة، وَتَعْزيزِ مَكانَتِها على السّاحَةِ الدَّوْلِيَّةِ بِطرائقَ سِلْمِيَّة.

الجُغْرافْيا السِّياسِيَّةُ لِلرِّياضَةِ العَرَبِيَّة!

عِنْدَما تَصِلُ فِرَقٌ عَرَبِيَّةٌ وَأَفْريقِيَّةٌ إلى أَعْلى المُسْتَوَياتِ في البُطولاتِ التَّنافُسِيَّة، مع الدَّوْرِ المُتَنامي الذي أَصْبَحَتْ عَلَيْهِ الكُرَةُ في مِصْرَ وَالمَغْرِبِ وَالجَزائِرِ وَالسُّعودِيَّةِ وَالعِراقِ وَتونِسَ وَالأُرْدُن... أَوِ التَّفَوُّقِ الرِّياضِيِّ الأَفْريقِيّ، سَواءٌ عَبْرَ فِرَقٍ مُسْتَقِلَّة، أَوْ على صَعيدِ المُشارَكَةِ الواسِعَةِ في مُكَوِّناتِ الفِرَقِ الغَرْبِيَّة، يَحْدُثُ ذَلِكَ الأَثَرُ المُثيرُ لِلْغايَةِ الذي يَتَطَلَّبُ المَزيدَ مِنَ البَحْثِ الأَكاديمِيّ، لاسْتِكْشافِ الطّاقاتِ لَدى أَجْيالٍ شابَّةٍ تَتَّخِذُ مِنْ مَوْضوعِ الكُرَةِ لُغَةَ حَياةٍ جَديدَة، وَأَفْكارًا، وَتَجْهيزَ عَواطِفَ جامِعَةٍ لِلْجُغْرافْيا السِّياسِيَّةِ في المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ العَرَبِيّ، بَعيدًا عَنِ الحُدودِ المُصْطَنَعَة.

هذا تَخْصيصٌ في اسْتراتيجيّاتِ القُوَّةِ النّاعِمَة، كَأَنْ يُساهِمَ اللاعِبُ المِصْرِيُّ مُحَمَّد صَلاح مُنْفَرِدًا، بِإِعادَةِ تَشْكيلِ صورَةِ فَريقِ بِلادِهِ وَمَعَهُ مِصْر، وَيَنْقُلَها إلى مَصافِّ الكُرَةِ العالَمِيَّة، مِعْيارًا جَديدًا لِلْفَراعِنَةِ وَتَأَلُّقِهِم. وَكَذَلِكَ الحالُ مع "أُسودِ" المَغرِبِ العَرَبي، أَوْ "نَشامى" الأُرْدُن، وَمِثْلَهُمْ أَبْطالُ السُّعودِيَّة (بِالفَوْزِ على الأرجنتين في افْتِتاحِ كَأْسِ العالَمِ في قَطَر عام 2022) في تَأْثيرٍ اسْتراتيجِيٍّ مُتَزايِد. إِذْ أَضْحَتْ أَفْريقْيا وَآسْيا مُتَفَوِّقَتَيْنِ في الرِّياضَة (إِلى جانِبِ مُنْتَخَباتٍ مِنْ أَميرْكا الجَنوبِيَّةِ مِثْلَ الباراغواي)، ما يُعَزِّزُ الوَظائِفَ الاجْتِماعِيَّةَ لِلْكُرَةِ على صَعيدِ الصّورَةِ العامَّةِ الشَّعْبِيَّةِ وَالعاطِفِيَّةِ في المُشارَكَة، وَرَفْعِ الأَعْلام، وَإِسْماعِ النَّشيدِ الوَطَنِيّ، وَالبَثِّ التِّلْفِزْيونِيّ، وَجُمْهورِ وَسائِلِ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيّ.

من المهم بالنسبة للعالم العربي التركيز على مشروع كُروي قومي

أَحْدَثَتْ ظاهِرَةُ مُحَمَّد صَلاح خُطْوَةً لا تَخْطُرُ على البال، إِذْ أَثْبَتَتْ أَنَّ رِياضَةَ كُرَةِ القَدَمِ هِيَ دَوْمًا مَساحَةً لِلإِثارَة، لا سِيَّما في سِياقِ إِثْباتِ الذّاتِ العَرَبِيَّة، وَتَأَثُّرِ الهُوِيّاتِ الوَطَنِيَّةِ بِالعَوْلَمَة، فَعِنْدَما تَلْتَقي المَشاعِرُ الرِّياضِيَّةُ بِالمَشاعِرِ المُرْتَبِطَةِ بِالهُوِيَّة، تَتَوَحَّدُ الشُّعوبُ وَراءَ فِرَقِها الوَطَنِيَّةِ وَأَبْطالِها، وَتَتَلاشى الفَوارِقُ السِّياسِيَّةُ وَالدّينِيَّةُ وَالاجْتِماعِيَّة. لِذَلِك، مِنَ المُهِمِّ أَنْ يَبْحَثَ كُلُّ بَلَدٍ عَرَبِيٍّ عَنْ هذِهِ التَّوْسِعَةِ في العَناصِرِ التَّقْليدِيَّةِ الثَّلاثَةِ لِلدَّوْلَةِ الحَديثَة، عَبْرَ البِناءِ على المُسْتَوى المُؤَسَّسِيّ، وَالمَسائِلِ التَّنْظيمِيَّةِ وَاللّوجيسْتِيَّةِ لِلْفِرَقِ قَبْلَ الاسْتِعانَةِ بِنُجومٍ عالَمِيّين، لِتُبَرْهِنَ عَنْ قُدُراتِها الذّاتِيَّةِ على نَحْوٍ أَكاديمِيٍّ مَلْحوظ، وَلِتَكونَ فُرْصَةً لِتَعْزيزِ قُدُراتِها وَاكْتِشافِ المَواهِبِ الخَبيئَةِ في فِرَقِها الوَطَنِيَّة.

فِكْرَةُ أَنَّ كُرَةَ القَدَمِ تُشَكِّلُ رِهانًا سِياسِيًّا، فِكْرَةٌ بالِغَةُ الأَهَمِّيَّةِ في كُلِّ ما يُعَزِّزُ اكْتِسابَ مَكانَةٍ دَوْلِيَّة، وَتَغْذِيَةَ الشُّعورِ الوَطَنِيِّ بِالفَخْرِ وَالحَماسَة، أُسْوَةً بِسُكّانِ المُجْتَمَعِ الكُرَوِيِّ الشّامِل، وَهُمْ صاروا في الوَقْتِ نَفْسِهِ مِنْ هُنا، وَمِنْ هُناكَ، مِنْ مَناطِقَ وَأَحْياءٍ فَقيرَة. فَتُنْصِفُ الكُرَةُ الأَضْعَف، وَالمَناطِقَ الَّتي "تَأْتي مِنَ الخَلْف" وَتَحْتاجُ إِلى أَنْ تَتَجَدَّد، وَأَنْ تَخْرُجَ مِنْ شَوارِعِها المُغْلَقَة، وَمِنَ الاحْتِكاكاتِ المَحَلِّيَّةِ وَالطّائِفِيَّةِ وَالدّينِيَّةِ وَالإِثْنِيَّةِ إِلى مُجْتَمَعِ الكُرَةِ الغَرْبِيَّةِ وَأَكاديمِيّاتِها وَأَساتِذَتِها. فَلَمْ تَعُدِ الهُوِيّاتُ ثابِتَةً على المَلاعِب، فَالكُرَةُ تَسْمَحُ بِالتَّعَدُّدِيَّةِ وَالتَّقْريبِ بَيْنَ الشُّعوب. لَقَدْ جَعَلَتِ الكُرَةُ الهُوِيَّةَ مَرِنَة، قابِلَةً لِلشَّراكَة. وَهذا هُوَ جُنونُ اللُّعْبَة، حَيْثُ تَجاوَزَتْ عِنْدَ المُشَجِّعينَ وَالرِّياضِيّينَ وَالسِّياسِيّينَ مَسْأَلَةَ بَحْثِهِمْ عَنْ حُدودِهِم، إِلى عالَمٍ مِنَ التَّجانُس، الذي لا يُلْغي بِالضَّرورَةِ التَّنافُسَ وَالتَّحَيُّزَ الرِّياضِيَّ وَالمُبالَغَةَ في تَقْديرِ الذّاتِ في لُعْبَةِ الرِّبْحِ وَالخَسارَة، وَكَفِكْرَةٍ مُوَجَّهَةٍ لِإِثْباتِ الهُوِيَّةِ الوَطَنِيَّة، وَبِناءِ صورَةٍ مِثالِيَّةٍ على مُسْتَوى العالَمِ الخارِجِيّ.

لِذَلِكَ، مِنَ المُهِمِّ بِالنِّسْبَةِ لِلْعالَمِ العَرَبِيّ، التَّرْكيزُ على مَشْروعٍ كُرَوِيٍّ قَوْمِيّ، غَيْرَ أَنَّ الرِّياضَةَ مُصَمَّمَةٌ لِلتَّسْلِيَةِ وَالتَّرْفيه، حَيْثُ تَبْرُزُ لُعْبَةُ الهُوِيَّةِ الجَماعِيَّةِ في العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّة، فَتُصْبِحُ الكُرَةُ نَسيجًا مِنَ الحَياةِ الاجْتِماعِيَّة، وَنَموذَجًا مُغْرِيًا لِتَدْريسِ عِلْمِ الكُرَةِ وَبَرامِجَ عَديدَة. أَيْ ما يَقومُ على أَنْماطِ حَياةٍ تَسْتَمِرُّ في البيئَةِ وَالنَّظافَةِ وَالصِّحَّةِ العامَّةِ وَالغِذاء، وَالمَلْبَسِ وَالسَّهَرِ وَالتَّسْلِيَةِ وَالتَّلاقي، ما يَتَطَلَّبُ مَناهِجَ لِصِناعَةِ المَواهِب، وَمَدارِسَ وَأَكاديمِيّاتٍ في إِقامَةٍ طَويلَةٍ في الحَقْلِ الكُرَوِيّ، مُقارَنَةً بِالمَناهِجِ التَّعْليمِيَّةِ الأُخْرى. وَأَهَمُّ هذِهِ الإِجْراءاتِ نِظامُ النُّخْبَةِ الرِّياضِيَّة، وَالبُنى التَّحْتِيَّةُ المُتَطَوِّرَة، وَالميزانِيّاتُ الكُبْرى لِدَعْمِ الرِّياضَةِ المَحَلِّيَّة، وَيَنْطَلِقُ مِنْها لِصِياغَةِ مَشْروعٍ وَبِناءِ مُجْتَمَعٍ قَوْمِيٍّ خَيالِيّ، أَوْ قَوْمِيّاتٍ رِياضِيَّة، أَوِ الدّيموقْراطِيّاتِ الاجْتِماعِيَّةِ بَيْنَ الأَغْنِياءِ وَالفُقَراء، أَوْ ما تَسْمَحُ بِهِ الرِّياضَةُ كَأَداةٍ ديبْلوماسِيَّةٍ في حَلِّ النِّزاعاتِ الكُبْرى، وَبِناءِ السَّلامِ، نَموذَجًا لِدَوْرِ الرِّياضَةِ الفَعّالِ في رَفْعِ القُيودِ عَنِ الرِّياضِيّينَ الفِلَسْطِينِيّين، وَكَأَداةٍ سِحْرِيَّةٍ قادِرَةٍ وَحْدَها على رَفْعِ اسْمِ القَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّةِ في كُلِّ المُدُنِ وَعلى المُدَرَّجات.

دول أثبتت نجاحها في استثمار الرياضة بذكاء كقوّة ناعمة لتعزيز مكانتها الدولية

ما عادَتِ السَّيْطَرَةُ الأُورُوبِّيَّةُ على نَحْوٍ كُلِّيٍّ على سِجِلّاتِ الفَوْز، وَلا اسْتِمْرارُ الهَيْمَنَةِ على بَعْضِ الرِّياضات. فَالرِّياضَةُ وَالأَحْداثُ الرِّياضِيَّةُ أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِحْوَرِيًّا مِنَ الاقْتِصادِ السِّياسِيّ، وَتَوَسُّعَ عَلاقاتِ الإِنْتاجِ وَالاسْتِثْمارِ الرَّأْسمالِيِّ في سوقٍ مالِيَّةٍ كَبيرَةٍ بِمِلْياراتِ الدّولارات، ما يَحْتاجُ عَرَبِيًّا إِلى تَطْويرِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ لِلْمَلاعِبِ وَالمُنْشَآتِ الرِّياضِيَّة، إِضافَةً إِلى الارتِقاءِ بِمُسْتَوى الأُسُسِ القِيَمِيَّةِ الأَخْلاقِيَّةِ وَالدّيموقْراطِيَّةِ الاجْتِماعِيَّةِ الَّتي تَقومُ عَلَيْها. فَلا يَقْتَصِرُ الأَمْرُ على أَسْبابٍ دِعائِيَّةٍ وَتَحْقيقِ مَكاسِبَ سِياسِيَّةٍ وَمالِيَّة. وَهُناكَ مَجْموعَةٌ كَبيرَةٌ مِنْ نَماذِجِ الدُّوَلِ الَّتي أَثْبَتَتْ نَجاحَها في اسْتِثْمارِ الرِّياضَةِ بِذَكاءٍ كَقُوَّةٍ ناعِمَةٍ لِتَعْزيزِ مَكانَتِها الدَّوْلِيَّةِ عَنْ طَريقِ تَطْويرِ اسْتراتيجيّاتٍ رِياضِيَّةٍ مُبْتَكَرَةٍ وَفَعّالَة، واللَّحاقِ بِهذا التَّحَوُّلِ الكُرَوِيِّ الهائِلِ اقْتِصادِيًّا وَأَنْثروبولوجِيًّا وَديموغْرافِيًّا وَسِياسِيًّا!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن