بصمات

الدَّوْلَةُ الحَديثةُ بَينَ المَجالِ العامِّ الوَطَنيِّ والمَجالاتِ الخاصَّةِ الفَرْعِيَّة!

تَتَشَكَّلُ الدَّوْلَةُ الحَديثَةُ وِفْقَ ثَلاثَةِ تَحَوُّلاتٍ نَوْعِيَّةٍ تاريخيَّةٍ تُؤَمِّنُ انْتِقالَ تِلْكَ الدَّوْلَةِ مِنْ مَرْحَلَةِ ما قَبْلَ الحَداثَةِ إلى الحالَةِ الحَداثِيَّة. أَوَّلُها يَتَعَلَّقُ بِالاسْتِقْلالِ الوَطَنيِّ وَتَوْثيقِ الرَّابِطَةِ الوَطَنِيَّةِ بَيْنَ كُلِّ المُواطِنينَ عَلى اخْتِلافِهِم، وَمِنْ ثُمَّ خَلْقِ التَّكافُلِ الوَطَنيِّ الأُفُقِيِّ العامِّ الَّذي مِنْ شَأْنِهِ اسْتيعابُ التَّكافُلاتِ الرَّأْسِيَّةِ المُخْتَلِفَة. وَثانيها يُعْنى بِبِناءِ القُوَّةِ المادِّيَّةِ الإِنْتاجِيَّةِ الَّتي تُوَفِّرُ الاعْتِمادَ على الذّاتِ وَالتَّنْمِيَةَ وَالتَّقَدُّم. أَمّا ثالِثُها فَيَنْشَغِلُ بِالبِناءِ المُؤَسَّسِيِّ لِلدَّوْلَةِ الحَديثَةِ الوَليدَة: جِهازٌ إِدارِيٌّ عَصْرِيّ، وَجَيْشٌ وَطَنيّ، وَمُؤَسَّساتٌ حَداثِيَّةٌ ثَقافِيَّةٌ وَتَعْليمِيَّة... إِلخ.

الدَّوْلَةُ الحَديثةُ بَينَ المَجالِ العامِّ الوَطَنيِّ والمَجالاتِ الخاصَّةِ الفَرْعِيَّة!

ارْتَبَطَتْ تَحَوُّلاتُ تَشَكُّلِ الدَّوْلَةِ الحَديثَةِ بِناظِمَيْنِ أَساسِيَّيْن؛ النّاظِمُ الأَوَّلُ هُوَ النَّصُّ المَرْجِعِيُّ الدُّسْتورِيُّ الَّذي يُحَدِّدُ مَبادِئَها وَتَوَجُّهاتِها، وَيُنَظِّمُ العَلاقَةَ بَيْنَ المُواطِنين، وَالدَّوْلَةِ في ضَوْءِ مَبادِئِ المُواطَنَة: العَدالَة، وَالمُساواة، وَتَكافُؤِ الفُرَص، وَالحُقوقِ وَالحُرِّيّاتِ العامَّة، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ أَيِّ اخْتِلافاتٍ إِثْنِيَّة / عِرْقِيَّة، أَوْ طَبَقِيَّة، أَوْ لُغَوِيَّة، أَوْ لَوْنِيَّة، أَوْ جِهَوِيَّة، أَوْ جيلِيَّة، أَوْ جِنْسِيَّة، أَوْ دينِيَّة / مَذْهَبِيَّة، أَوْ بِسَبَبِ المَكانَة.

مؤشّرات حيوية الدولة الحديثة تُقاس بقدرتها على تأمين الحضور الفاعل لمواطنيها في المجال العام

أَمّا النّاظِمُ الثّاني فَيَتَمَثَّلُ في المَجالِ العامِّ الوَطَنيِّ الجامِع، أَي ذَلِكَ الفَضاءِ السِّياسِيِّ وَالمَدَنِيِّ وَالثَّقافِيِّ / الإِعْلامِيِّ الَّذي يَتَواصَلُ فيه المُواطِنون - المُفْتَرَضُ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُتَماثِلين - وَيَتَفاعَلونَ بِعَقْلانِيَّةٍ مِنْ أَجْلِ الصّالِحِ العامّ. في هذا الإِطار، فَإِنَّ واحِدًا مِنْ مُؤَشِّراتِ حَيَوِيَّةِ الدَّوْلَةِ الحَديثَةِ تُقاسُ بِقُدْرَتِها على تَأْمينِ الحُضورِ الفاعِلِ لِمُواطِنيها، على اخْتِلافِهِم، في المَجالِ العام. بِمَعْنى آخَر، هُناكَ عَلاقَةٌ جَدَلِيَّةٌ بَيْنَ المُبادَراتِ المُواطَنِيَّةِ لِلانْخِراطِ النَّشِطِ في المَجالِ العامِّ الوَطَنيِّ بِفَضاءاتِهِ السِّياسِيَّةِ وَالمَدَنِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ / الإِعْلامِيَّةِ مِنْ جانِب، وَبَيْنَ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ الحَديثَةِ الدّاعِمَةِ لِلمَجالِ العامِّ مِنْ جانِبٍ آخَر.

وَيُعَدُّ تَشَكُّلُ الدَّوْلَةِ الحَديثَةِ بِتَحَوُّلاتِها الثَّلاثَةِ وَناظِمَيْها الأَساسِيَّيْنِ بِمَثابَةِ "تَأْسيسٍ جَديد"؛ حَسَبَ الفَيْلَسوفِ وَالعالِمِ السِّياسِيِّ وَالمُحَلِّلِ النَّفْسِيِّ اليُونانِيّ / الفَرَنْسِيِّ "كورنيليوس كاستوريادس" (1922ــ 1997). يَتَحَقَّقُ هذا التَّأْسيسُ مِنْ خِلالِ عَمَلِيَّةٍ نِضالِيَّةٍ يُشارِكُ فيها المُواطِنونَ جَميعًا عَلى اخْتِلافِهِمْ مِنْ أَجْلِ القَطْعِ الجَذْرِيِّ - قَدْرَ الإِمْكان - مَعَ الواقِعِ المُتَخَلِّف. وَمِنْ خِلالِ العَمَلِيَّةِ النِّضالِيَّةِ يَتَبَلْوَرُ "مُتَخَيَّلٌ وَطَنيٌّ جَمْعِيٌّ" مُبْتَكِرًا لِما يَجِبُ أَنْ تَكونَ عَلَيْهِ الدَّوْلَةُ الجَديدَة: قِيَمُها وَدُسْتورُها وَبُناها المُجْتَمَعِيَّةُ المُخْتَلِفَةُ وَمُؤَسَّساتُها وَمَشْروعُها التَّنْمَوِيّ. أَي أَنَّ جَدَلَ النِّضالِ المُواطَنِيِّ وَالمُخَيِّلَةِ الإِبْداعِيَّةِ هُوَ السَّبيلُ لِتَحْقيقِ الانْتِقالِ مِنْ زَمَنٍ قَديمٍ شائِخٍ إلى زَمَنٍ جَديدٍ فَتِيّ.

في هذا السِّياق، تُشيرُ الدِّراساتُ الَّتي عُنِيَتْ بِمَساراتِ الدَّوْلَةِ الحَديثَةِ في أَكْثَرَ مِنْ سِياقٍ إلى أَنَّ الأَزْماتِ المُتَعَدِّدَةَ وَالمُتَنَوِّعَةَ الَّتي تَعَرَّضَ لَها العالَم، في العُقودِ الأَخيرَة، كانَ لَها تَداعِياتٌ كَبيرةٌ عَلى الحَيَوِيَّةِ الحَداثِيَّةِ لِلكَثيرِ مِنْ دُوَلِ الجَنوبِ وَمِنْ ضِمْنِها الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ الثَّرْوِيَّةُ وَالبَشَرِيَّةُ عَلى السَّواء. مِنْ ضِمْنِ هذِهِ التَّداعِياتِ نَذْكُر: اتِّساعَ الفَجْوَةِ بَيْنَ النَّصِّ الدُّسْتُورِيِّ وَالواقِعِ مِنْ جانِبٍ أَوَّل، وَحِصارَ المَجالِ العامّ، بِدَرَجَةٍ أَوْ أُخْرى، مِنْ جانِبٍ ثانٍ، وَتَعَثُّرَ المَشْروعِ التَّنْمَوِيِّ مِنْ جانِبٍ ثالِث. وَقَدْ أَدَّتْ تِلْكَ التَّداعِياتُ إلى تَعَرُّضِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ الحَديثَة - بِتَجَلِّياتِها المُخْتَلِفَة - إلى انْتِكاسَةٍ تَتَمَثَّلُ في أَمْرَيْنِ كَما يَلي:

أَوَّلًا: ارْتِدادُ المُواطِنينَ إلى دَوائِرِ الانْتِماءِ الأَوَّلِيَّةِ.

ثانِيًا: اسْتِبْدالُ المَرْجِعِيَّةِ الدُّسْتورِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ بِمَرْجِعِيّاتٍ نُصوصِيَّةٍ فَرْعِيَّة.

وَعَلَيْهِ تَراجَعَتِ الدَّوْلَةُ كَإِطارٍ سِياسِيٍّ جامِعٍ لِلمُواطِنينَ لِصالِحِ الجَماعاتِ الأَوَّلِيَّة: الطّائِفِيَّة، وَالدّينِيَّة / المَذْهَبِيَّة، وَالإِثْنِيَّة... إِلخ. وَلَعَلَّ أَخْطَرَ ما يَعْكِسُهُ هذا التَّراجُعُ هُوَ تَراجُعُ المُواطَنَةِ فِكْرًا وَفِعْلًا، إِذْ يَحِلُّ الانْتِماءُ الفَرْعِيُّ مَحَلَّ الانْتِماءِ الوَطَنيّ، وَتَتَحَوَّلُ الدَّوْلَةُ إلى فَضاءٍ سِجالِيٍّ بَيْنَ الجَماعاتِ الفَرْعِيَّةِ إذْ تَحْكُمُها مَرْجِعِيّاتٌ تَفْتَقِدُ إلى التَّوافُقِ الَّذي كانَتْ تُوَفِّرُهُ الوَثيقَةُ الدُّسْتورِيَّةُ الَّتي تُعَبِّرُ عَنْ نِضالاتِ وَتَضْحِياتِ وَتَطَلُّعاتِ عُمومِ المُواطِنينَ على اخْتِلافِهِمْ - غَيْرِ المُتَماثِلين ـ بِطَبيعَةِ الحال ــ الَّذينَ كانوا يُناضِلونَ وَيُبْدِعونَ مَعًا مِنْ أَجْلِ الخَيْرِ العامِّ في إِطارِ المَجالِ العامِّ الجامِعِ لَهُمْ.

كَما تَخْلُصُ تِلْكَ الدِّراسات، مَعَ عَدَمِ تَوَقُّفِ الأَمْرِ عِنْدَ الانْتِكاسَةِ المُزْدَوَجَة؛ المُشارِ إِلَيْها، إلى أَنَّ المَجالَ العامَّ يُصابُ "بِالتَّعْطيلِ" كُلِّيًّا. وَفي المُقابِلِ يَتِمُّ "تَفْعيلُ" المَجالاتِ العامَّةِ الفَرْعِيَّةِ كَيْ تُصْبِحَ فَضاءً لِلفِعْلِ الاقْتِصادِيِّ وَالسِّياسِيِّ وَالاجْتِماعِيِّ وَالثَّقافِيِّ لأَعْضاءِ كُلِّ جَماعَةٍ عَلى حِدَة. وَمِنْ ثَمَّ تَشَكَّلَتْ في إِطارِ كُلِّ مَجالٍ عامٍّ فَرْعِيٍّ نُخَبٌ فَرْعِيَّةٌ، وَمُثَقَّفونَ "عُضْوِيّون"، إِذا ما اسْتَعَرْنا المَفْهومَ الغْرامْشِيّ (Antonio Gramsci)، مَنُوطٌ بِهِمْ إِنْتاجُ خِطابٍ "يُشَرْعِنُ" وُجودَ الجَماعَةِ الفَرْعِيَّةِ الَّتي يَنْتَمونَ إِلَيْها في مُواجَهَةِ الجَماعاتِ الفَرْعِيَّةِ الأُخْرى وَخِطاباتِها الَّتي تُشَرْعِنُ وُجودَها في ضَوْءِ خِطاباتِ نُخَبِها وَمُثَقَّفِيها العُضْوِيِّين. وَتَنْطَلِقُ هذِهِ الشَّرْعَنَةُ مِنْ نَسْجِ سَرْدِيّاتٍ تاريخِيَّة، وَذاكِراتٍ وَطَنِيَّة، وَ"مَظْلُومِيّاتٍ" خاصَّة.

نحن بحاجة إلى مراجعة شاملة تستدعي تشكُّل كتلة تاريخية تعمل على بناء سردية وطنية جامعة للمواطنين

وَالخُلاصَة، يَتَشَكَّلُ أَفْرادٌ لا بِاعْتِبارِهِمْ مُواطِنينَ يُناضِلونَ مِنْ أَجْلِ الصّالِحِ العامّ، بَلْ وُكَلاءَ عَنْ مَصالِحِ الجَماعاتِ الفَرْعِيَّةِ بَحْثًا عَنْ اقْتِناصِ أَقْصى امْتِيازاتٍ لِكُلِّ جَماعَةٍ عَلى حِدَة. وَهَذا يَنْتُجُ، تِلْقائِيًّا، عَنْ تَقْييدِ أَوْ تَضْيِيقِ أَوْ تَجْريفِ المَجالِ العامِّ الوَطَنيِّ الجامِع، تَشَظٍّ مُجْتَمَعِيٌّ وَتَحَلُّلٌ لِلحَرَكِيَّةِ المُواطَنِيَّةِ وَبِالأَخيرِ العَوْدَةُ إلى سِياقِ ما قَبْلَ الدَّوْلَةِ الحَديثَةِ حَيْثُ تَتَصَدَّرُ العَصَبِيّاتُ على الرّابِطَةِ الوَطَنِيَّة. وَعَلَيْهِ تَتَحَوَّلُ الدَّوْلَةُ، وَإِنْ حافَظَتْ عَلى صورَتِها الهَيْكَلِيَّة، إلى مُجَرَّدِ بُنْيَةٍ هَشَّةٍ تَضُمُّ جَماعاتٍ تَتَراوَحُ عَلاقاتُها بِبَعْضِها البَعْضِ ما بَيْن: "التَّجاوُرِ" وَ"السِّجالِ" وَ"الإِقْصاءِ النّاعِمِ وَالصَّلْب".

إِنَّ المُهِمَّةَ التّاريخِيَّةَ المُلِحَّةَ لِعِلاجِ التَّشَوُّهاتِ الَّتي لَحِقَتْ بِالدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ الحَديثَةِ مِنْ تَشَظِّي مُكَوِّناتِها وَمَوْتِ مَجالِها العامّ؛ تَبْدَأُ بِإِعادَةِ الاعْتِبارِ لِلنّاظِمَيْنِ الضّابِطَيْنِ الأَساسِيَّيْنِ لِلدَّوْلَةِ الحَديثَةِ مِنْ خِلال: تَجْديدِ رابِطَةِ المُواطَنَةِ بِتَفْعيلِ المَرْجِعِيَّةِ الدُّسْتورِيَّةِ وَجَعْلِ نُصوصِها حَقيقَةً وَواقِعًا بِما يَضْمَنُ المُساواةَ وَالعَدالَةَ لِلْجَميعِ عَلى اخْتِلافِهِم. وَيَبْدو لي أَنَّنا بِحاجَةٍ إلى مُراجَعَةٍ شامِلَةٍ لِلسِّياساتِ التَّعْليمِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ وَالإِعْلامِيَّة، وَلِلتَّوَجُّهاتِ الاقْتِصادِيَّةِ الَّتي تُعوقُ العَدالَةَ وَتُفاقِمُ اللّامُساواةَ وَالتَّهْميشَ الاقْتِصادِيّ. إِنَّها مُهِمَّةٌ تَسْتَدْعي تَشَكُّلَ كُتْلَةٍ تاريخِيَّةٍ تَعي التَّحَوُّلاتِ الكُبْرى الَّتي يَشْهَدُها العالَمُ وَتَعْمَلُ عَلى بِناءِ سَرْدِيَّةٍ وَطَنِيَّةٍ جامِعَةٍ لِلمُواطِنين.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن