بصمات

العَرَب.. إِذْ يُجيدونَ الكُرَةَ ويَجْهَلونَ السِّياسَة!

إِذا ما نَحَّيْنا جانِبًا الاستِثناءَيْنِ الأَميركيَّ والصّينيّ، حَيْثُ لا يَحتَلُّ البَلَدانِ مَوقِعًا مُتَقَدِّمًا في هَيْكَلِ التَّنافُسِ الكُرَوِيّ؛ مَوقِعًا يَتَناسَبُ مع كَوْنِهِما القُطبَيْنِ البارِزَيْنِ في عالَمِ اليَوْم، لِظُروفٍ تَخُصُّ شَعبيَّةَ اللُّعبَةِ لَدَيْهِما، لَوَجَدْنا أَنَّ مَواقِعَ جُلِّ الدُّوَلِ على سُلَّمِ التَّنافُسِ الكُرَوِيِّ يَكادُ يَتَوازى مع تَصنيفِها على مُؤَشِّرِ التَّقَدُّمِ الحَضارِيّ، ودَرَجَةِ سَبْقِها الاقتِصادِيِّ والسِّياسِيّ. ومِنْ ثُمَّ يَنْبَعُ السُّؤالُ حَوْلَ مَوقِعِ العَرَبِ في المُونْديال، الَّذي نَظَّموهُ مَرَّةً واحِدَةً في قَطَر 2022، ولَمْ يُشارِكوا فيهِ إِلَّا بِعَدَدٍ قَليل، بَدَأَ بِدَوْلَةٍ واحِدَةٍ عامَ 1934، ولَمْ يَزِدْ عَنْ دَوْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ طيلَةَ القَرْنِ العِشْرين، وإِنْ تَطَوَّرَ الأَمْرُ كَثيرًا في رُبْعِ القَرْنِ الماضي، بِفَضْلِ التَّوَسُّعِ الكَبيرِ في عَدَدِ المُشارِكينَ مِنْ 12 إِلى 48 دَوْلَة، ومِنْ ثُمَّ زِيادَةِ نَصيبِ القارَّتَيْنِ الأَفْريقِيَّةِ والآسِيَوِيَّة، وضِمْنَهُما الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ التي وَصَلَ عَدَدُها في البُطولَةِ الحالِيَّةِ إِلى 8: مِصْرُ وتُونِسُ والجَزائِرُ والمَغرِبُ والسُّعودِيَّةُ وقَطَرُ والأُردُنّ والعِراق.

العَرَب.. إِذْ يُجيدونَ الكُرَةَ ويَجْهَلونَ السِّياسَة!

الأَهَمُّ أَنَّ بَعْضَ الدُّوَلِ أَخَذَتْ تُحَقِّقُ إِنجازاتٍ تُذْكَر، وعلى رَأْسِها جَميعًا تَأتي المَغرِبُ التي نَجَحَتْ لِمَرَّتَيْنِ في تَجاوُزِ عَتَبَةِ الدَّوْرِ الأَوَّل، ومُناطَحَةِ كِبارِ البُطولَة، خُصوصًا في المَرَّةِ الثّانِيَةِ والأَبْرَزِ في مُونْديالِ قَطَر، عِندَما وَصَلَتْ إِلى الدَّوْرِ قَبْلَ النِّهائِيّ، وحَصَلَتْ على المَرْكَزِ الرّابِع، فيما يُمكِنُ وَصْفُهُ بِمُعْجِزَةٍ كُرَوِيَّة، تَكادُ أَنْ تُكَرِّرَها في بُطولَةِ هَذا العام، حَيْثُ وَصَلَتْ عِندَ كِتابَةِ هَذا المَقالِ إِلى دَوْرِ الثَّمانِيَة، ولا يَزالُ مِنَ الحُلْمِ بَقِيَّة.

أَمَّا السُّعودِيَّةُ فَتَمَكَّنَتْ مِنَ الصُّعودِ إِلى الدَّوْرِ الثّاني عامَ 1994، وأَخيرًا مِصْرُ التي اسْتَطاعَتْ، بَعْدَ ثَلاثِ مُشارَكاتٍ مُحْبِطَة، الصُّعودَ إِلى الدَّوْرِ الثّالِثِ في البُطولَةِ الحالِيَّة، وهُوَ دَوْرُ السِّتَّةِ عَشَر. ناهيكَ عَنْ تُونِسَ التي حَقَّقَتْ نَتائِجَ جَيِّدَةً في مُونْديالِ الأَرْجَنْتينِ عامَ 1978، والجَزائِرِ في مُونديالِ إِسْبانيا 1982، حَيْثُ كانَتْ قَريبَةً مِنَ الصُّعودِ إِلى الدَّوْرِ الثّاني لَوْلا تَواطُؤُ أَلْمانيا والنَّمْسا ضِدَّها، ولَعِبُ مُباراتِهِما المُشْتَرَكَةِ دُونَما جِدِّيَّة، ضَمانًا لِتَعادُلٍ صَعِدَ بِهِما مَعًا على حِسابِ البَلَدِ العَرَبِيّ، في واقِعَةٍ باتَ يُضْرَبُ بِها المَثَلُ على عَدَمِ النَّزاهَةِ الكُرَوِيَّة.

العرب يعجزون عن حشد وتوظيف قدراتهم لصالح أهدافهم القومية أو حتى الوطنية

هَكَذا يَتَبَيَّنُ لَنا أَنَّ بَعْضَ العَرَب، على الأَقَلّ، يُجيدونَ مُمارَسَةَ الكُرَة، ومُنازَلَةَ أَقْوِياءِ اللُّعبَة، عَبْرَ التَّوظيفِ الجَيِّدِ لِقُدُراتِهِمُ البَدَنِيَّةِ والفَنِّيَّة. فَإِذا كانَ مِنَ الصَّعْبِ عَلَيْهِمُ السَّيْطَرَةُ على الفِرَقِ القَوِيَّةِ في نِصْفِ مَلْعَبِهِم، اكْتَفَوْا بِتَحْصينِ دِفاعاتِهِم، والمُبادَرَةِ بِشَنِّ هَجَماتٍ مُرْتَدَّةٍ بَيْنَ الحينِ والآخَر، يَتَحَرَّكونَ خِلالَها في المَساحاتِ الخالِيَةِ خَلْفَ خُطوطِ مُنافِسِيهِم، على نَحْوٍ مَكَّنَ بَعْضَهُمْ مِنْ إِحْرازِ أَهْدافٍ عِدَّةٍ وتَحْقيقِ نَتائِجَ جَيِّدَة. لكِنَّ العَرَب، كُلَّهُمْ هَذِهِ المَرَّة، يَفْتَقِدونَ إِلى تِلْكَ المَهارَةِ في عالَمِ السِّياسَة، ولِذا يَعْجِزونَ عَنْ حَشْدِ وتَوْظيفِ قُدُراتِهِمْ لِصالِحِ أَهْدافِهِمُ القَوْمِيَّةِ أَوْ حَتّى الوَطَنِيَّة، الأَمْرُ الَّذي يَسْمَحُ لِأَعْدائِهِمْ بِالتَّسَلُّلِ إِلى داخِلِ مَناطِقِهِم، واللَّعِبِ خَلْفَ خُطوطِهِم، بِالقَدْرِ الَّذي يُفَرِّقُ شَمْلَهُمْ ويُمَزِّقُ مُجْتَمَعاتِهِم، ويَجْعَلُ مِنْ أَراضيهِمْ ساحاتٍ لِلْحُروبِ والصِّراعاتِ الدَّوْلِيَّة.

وعلى عَكْسِ التَّقارُبِ المُتَزايِدِ بَيْنَ المُسْتَوَياتِ الفَنِّيَّةِ لِفِرَقِنا الكُرَوِيَّةِ وبَيْنَ المُسْتَوى العالَمِيِّ لِلْمُنْتَخَباتِ الأُوروبِّيَّةِ واللَّاتينِيَّة، فَإِنَّ الفارِقَ في المَهارَةِ السِّياسِيَّةِ بَيْنَ دُوَلِنا وأَقْطابِ العالَم، لا يَضيقُ بَلْ يَتَّسِع، ومِنْ ثُمَّ تَتَراجَعُ قُدْرَتُنا على المُناوَرَةِ في ساحاتِ الصِّراعِ الدَّوْلِي، ونَعْجِزُ عَنْ اسْتِثْمارِ ما لَدَيْنا مِنْ أَوْراقٍ سِياسِيَّةٍ واقْتِصادِيَّةٍ عَديدَة، ونَكادُ نَخْسَرُ حُروبَنا مَعَ أَضْعَفِ خُصومِنا، وأَفْقَرِهِمْ في المَساحَةِ والبَشَرِ والثَّرَواتِ الطَّبيعِيَّة، ناهيكَ عَنْ أَغْنى المُنافِسينَ وأَقْوى الدُّوَلِ على تِلْكَ الأَصْعِدَةِ كُلِّها، حَتّى بَتْنا لا نُفَكِّرُ قَطُّ في مُقارَعَةِ هَؤُلاء، ولا مُناوَرَتِهِم، إنَّما نَخْسَرُ صِراعاتِنا قَبْلَ أَنْ نَشْرَعَ في خَوْضِها، فيما يُشْبِهُ الاسْتِسْلامَ الَّذي لا تَعْرِفُهُ فِرَقُنا الكُرَوِيَّة!.

دولنا تقع أسيرة رؤية دونية للعالم

وفيما بَرَزَ لَدَيْنا مُدَرِّبونَ وَطَنِيّونَ مُتَمَيِّزونَ كَالْمَغْرِبِيَّيْنِ وَليد الرَّكْراكي، ومُحَمَّد وَهْبي، فَضْلًا عَنِ المِصْرِيِّ حُسام حَسَن، نَجَحوا في مُقارَعَةِ المُدَرِّبينَ الأَجانِبِ تَكْتيكِيًّا لِفِرَقٍ مِثْلِ بَلْجيكا وأُسْترالْيا والبَرازيلِ وكَنَدا، نَكادُ لا نَجِدُ سِياسِيّينَ عَرَبًا مُعاصِرينَ امْتَلَكوا مِنَ المَهاراتِ السِّياسِيَّةِ والدّيبلوماسِيَّةِ قَدْرًا يَمْنَحُهُمْ صيتًا عالَمِيًّا.

ومِنْ ثُمَّ نَدَّعي بِأَنَّ مُجْتَمَعاتِنا العَرَبِيَّةَ لا تَفْتَقِرُ إِلى القُدُراتِ الذِّهْنِيَّةِ التي تُؤَهِّلُها لِمُنافَسَةِ الآخَرين، إِذا ما أُعْطِيَتِ الفُرْصَةُ الكامِلَةُ كَالتي تُتيحُها المُنافَساتُ الرِّياضِيَّة، وخُصوصًا كُرَةُ القَدَم. على عَكْسِ دُوَلِنا، التي تَقَعُ أَسيرَةَ رُؤْيَةٍ دونِيَّةٍ لِلْعالَم، وتَعوزُها الرَّغْبَةُ أَوِ القُدْرَةُ على مُنافَسَةِ الآخَرينَ الفاعِلينَ فيه، ومِنْ ثُمَّ يَتَبَدّى عَجْزُها السّاحِقُ عَنْ حَشْدِ طاقاتِ مُجْتَمَعاتِها لِخَوْضِ تِلْكَ المُنافَسَة، وهُوَ ما نُرْجِعُهُ إِلى فَجْوَةِ الثِّقَةِ النّاجِمَةِ عَنْ أَزْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ السِّياسِيَّة، والتي تَنْعَكِسُ في غِيابِ مَفْهومِ الحُرِّيَّة، تِلْكَ الطّاقَةِ الأَثيرَةِ المُحَفِّزَةِ لِلْإِبْداع، إِذْ تَحْجُبُها عَنِ المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ كُهوفُ السِّياسَةِ وقُيودُ السُّلْطَة، وتُتيحُها لِلّاعِبينَ العَرَب، تِلْكَ السّاحِرَةُ المُسْتَديرَة، المُسَمّاةُ كُرَةَ القَدَم، بِساحاتِها الخَضْراءِ وفَضاءاتِها الحُرَّة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن