الأمن القومي العربي

لَيْسَت أزمَةَ الجامِعَة.. بَل أزمَةُ المَشروع!

تَنْصيبُ أَمينٍ عامٍّ جَديدٍ لِجامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مُناسَبَةٌ إِدارِيَّةٌ تَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَواتٍ عِدَّة، لَكِنَّ تَوْقيتَها هذِهِ الْمَرَّةَ يَجْعَلُها مُناسَبَةً لِطَرْحِ سُؤالٍ تَأَخَّرَ العَرَبُ طَويلًا في مُواجَهَتِه: هَلْ ما زالَ "بَيْتُ العَرَبِ" قادِرًا على أَداءِ الوَظيفَةِ التي أُنشِئَ مِنْ أَجْلِها، أَمْ أَنَّ التَّحَوُّلاتِ التي ضَرَبَتِ الإِقْليمَ تَجاوَزَتِ النَّموذَجَ الذي قامَتْ عَلَيْهِ الْجامِعَةُ مُنْذُ تَأْسيسِها؟.

لَيْسَت أزمَةَ الجامِعَة.. بَل أزمَةُ المَشروع!

يَقينًا لَيْسَتِ الْقَضِيَّةُ في الأَشْخاص. فَقَدْ تَعاقَبَ على الأَمانَةِ الْعامَّةِ ديبْلوماسِيّونَ وَسِياسِيّونَ اخْتَلَفَتْ خِبْراتُهُمْ وَأَساليبُ إِدارَتِهِم، بَيْنَما ظَلَّ الْمُنْحَنى الْعامُّ واحِدًا؛ حُضورٌ عَرَبِيٌّ يَتَراجَع، وَقُدْرَةٌ جَماعِيَّةٌ تَتَآكَل، وَمُؤَسَّسَةٌ تَبْدو أَقَلَّ تَأْثيرًا كُلَّما ازْدادَتْ أَزْماتُ الْمِنْطَقَةِ تَعْقيدًا.

عِنْدَما يَتَكَرَّرُ الْمَشْهَدُ بِهذا الْقَدْرِ مِنَ الثَّبات، يُصْبِحُ مِنَ الصَّعْبِ رَدُّ الأَزْمَةِ إِلى كَفاءَةِ الأُمَناءِ الْعامِّينَ أَوْ صَلاحِيّاتِهِم، وَيَغْدو مِنَ الضَّرورِيِّ الْبَحْثُ عَنْ جُذورِها في مَكانٍ آخَر. ذَلِكَ الْمَكانُ هُوَ الْبيئَةُ الِاسْتراتيجِيَّةُ التي يَعْمَلُ داخِلَها النِّظامُ العَرَبِيُّ كُلُّه، لا الْجامِعَةُ وَحْدَها.

غياب عربي عن عملية إعادة تشكيل الإقليم

مُنْذُ السّابِعِ مِنْ أُكْتوبَر/تِشْرينِ الأَوَّلِ 2023، لَمْ تَعْرِفِ الْمِنْطَقَةُ حَرْبًا واحِدَة، بَلْ دَخَلَتْ مَرْحَلَةَ انْتِقالٍ تاريخِيٍّ مُتَّصِل. بَدَأَتِ الْمُواجَهَةُ في غَزَّة، ثُمَّ امْتَدَّتْ إِلى لُبْنان، وَاتَّسَعَتْ إِلى الْبَحْرِ الأَحْمَرِ وَالْيَمَن، ثُمَّ إِلى سورْيا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ ذُرْوَتَها بِالْمُواجَهَةِ الْمُباشِرَةِ بَيْنَ إِسْرائيلَ وَإيران، ثُمَّ بِالْحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ على إيرانَ وَما تَبِعَها مِنِ اتِّساعِ دائِرَةِ الِاشْتِباكِ لِتُلامِسَ الْخَليجَ العَرَبِيَّ بِأَسْرِه.

لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَعارِكُ حَلَقاتٍ مُنْفَصِلَة، بَلْ مَراحِلَ مُتَتابِعَةً في حَرْبٍ واحِدَةٍ أَعادَتْ تَوْزيعَ مَوازينِ الْقُوَّة، وَاخْتَبَرَتِ التَّحالُفاتِ التَّقْليدِيَّة، وَدَفَعَتْ قُوًى إِقْليمِيَّةً وَدَوْلِيَّةً إِلى إِعادَةِ تَمَوْضُعِها، بَيْنَما كانَتِ الْوِلاياتُ الْمُتَّحِدَةُ تُعيدُ صِياغَةَ حُضورِها في الْمِنْطَقَةِ وِفْقَ أَوْلَوِيّاتٍ جَديدَة.

لَقَدْ تَغَيَّرَ الإِقْليمُ نَفْسُه. وَلَمْ تَعُدِ التَّهْديداتُ هِيَ ذاتَها، وَلا أَدَواتُ إِدارَتِها، وَلا حَتّى طَبيعَةُ الْفاعِلينَ فيها. فَلَمْ تَعُدِ الدَّوْلَةُ اللّاعِبَ الْوَحيد، وَلَمْ تَعُدِ الْحُدودُ الْجُغْرافِيَّةُ كافِيَةً لِاحْتِواءِ الأَخْطار، وَلَمْ يَعُدِ الأَمْنُ مَفْهومًا عَسْكَرِيًّا خالِصًا. فَالْمَمَرّاتُ الْبَحْرِيَّة، وَسَلاسِلُ الإِمْداد، وَالطّاقَة، وَالأَمْنُ السّيبْرانِيّ، وَالذَّكاءُ الِاصْطِناعِيّ، وَالْفاعِلونَ مِنْ غَيْرِ الدُّوَل، أَصْبَحَتْ جَميعُها جُزْءًا مِنْ مُعادَلَةِ الأَمْنِ الْقَوْمِيّ، بَلْ مِنْ مُعادَلَةِ بَقاءِ الدُّوَلِ نَفْسِها.

المشروع العربي الجديد يجب أن ينطلق من المصالح الاستراتيجية المشتركة

وَسْطَ هذا التَّحَوُّلِ الْعاصِف، بَدا النِّظامُ الْعَرَبِيُّ وَكَأَنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِأَدَواتٍ تَنْتَمي إِلى زَمَنٍ مَضى. فَلَمْ يَكُنِ الْغِيابُ الْعَرَبِيُّ مُجَرَّدَ غِيابٍ عَنْ مَوائِدِ التَّفاوُض، أَوْ عَجْزٍ عَنْ وَقْفِ الْحُروب، وَإِنَّما كانَ غِيابًا عَنْ عَمَلِيَّةِ إِعادَةِ تَشْكيلِ الإِقْليمِ نَفْسِها. كانَتِ الْمِنْطَقَةُ تُعادُ هَنْدَسَتُها سِياسِيًّا وَأَمْنِيًّا، بَيْنَما اكْتَفى النِّظامُ الْعَرَبِيّ، في مُعْظَمِه، بِالتَّفاعُلِ مَعَ النَّتائِجِ بَعْدَ وُقُوعِها، لا بِالْمُشارَكَةِ في صِناعَةِ مَساراتِها.

وَمِنْ هُنا، فَإِنَّ اخْتِزالَ الأَزْمَةِ في أَداءِ الْجامِعَةِ الْعَرَبِيَّةِ يَضَعُ النِّقاشَ في الْمَكانِ الْخَطَأ. فَالْجامِعَةُ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا غايَةً في ذاتِها، وَإِنَّما كانَتِ التَّعْبيرَ الْمُؤَسَّسِيَّ عَنْ مَشْروعٍ عَرَبِيٍّ نَشَأَ في سِياقٍ تاريخِيٍّ مُخْتَلِف، يَقومُ على تَصَوُّرٍ مُعَيَّنٍ لِلأَمْنِ الْجَماعِيّ، وَلِلْعَلاقاتِ بَيْنَ الدُّوَلِ الْعَرَبِيَّة، وَلِطَريقَةِ إِدارَةِ الْمَصالِحِ الْمُشْتَرَكَةِ في مُواجَهَةِ التَّحَدِّياتِ الْخارِجِيَّة.

كُلُّ مُؤَسَّسَةٍ تَحْمِلُ في داخِلِها تَصَوُّرًا مُعَيَّنًا لِلْعالَم. وَحينَ يَتَغَيَّرُ الْعالَم، وَلا يَتَغَيَّرُ هذا التَّصَوُّر، تَبْدَأُ الْمُؤَسَّسَةُ في فُقْدانِ فَعّالِيَّتِها، لَيْسَ لِأَنَّها أُسيءَ إِدارَتُها فَقَط، بَلْ لِأَنَّ وَظيفَتَها الأَصْلِيَّةَ لَمْ تَعُدْ تَسْتَجيبُ لِلْواقِعِ الْجَديد.

مِنْ هُنا، فَما يَحْتاجُ حَقيقَةً إِلى الْمُراجَعَةِ هُوَ مَشْروعُ الأَمْنِ الْعَرَبِيِّ الْجَماعِيِّ نَفْسُهُ الذي قامَتِ الْجامِعَةُ لِتَكونَ أَداتَهُ السِّياسِيَّةَ وَالْمُؤَسَّسِيَّة.

لا نِقاشَ في أَنَّ الْبيئَةَ التي نَشَأَ فيها الْمَشْروعُ الْقَديمُ لَمْ تَعُدْ مَوْجودَة. وَلَمْ يَعُدِ الْعَرَبُ يَخْتَلِفونَ فَقَطْ حَوْلَ وَسائِلِ مُواجَهَةِ الأَخْطار، بَلْ أَصْبَحوا يَخْتَلِفونَ حَوْلَ تَعْريفِ الْخَطَرِ نَفْسِه، وَحَوْلَ أَوْلَوِيّاتِ الأَمْن، وَحَوْلَ طَبيعَةِ الشَّراكَاتِ الإِقْليمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ التي تُحَقِّقُ مَصالِحَهُم. كَما أَنَّ التَّهْديداتِ لَمْ تَعُدْ تَقْتَصِرُ على الْجُيوشِ وَالْحُدود، وَإِنَّما أَصْبَحَتْ تَمْتَدُّ إِلى الِاقْتِصاد، وَالتِّكْنولوجْيا، وَالْغِذاء، وَالْمِياه، وَالطّاقَة، وَالْمَجالِ الرَّقْمِيّ، وَالْمَمَرّاتِ الْبَحْرِيَّة، وَهِيَ مَلَفّاتٌ لا تَسْتَطيعُ أَيُّ دَوْلَةٍ عَرَبِيَّة، مَهْما بَلَغَتْ قُدُراتُها، أَنْ تُؤَمِّنَها بِمُفْرَدِها.

العمل العربي في حاجة إلى آليات أكثر مرونة بدل أن يبقى رهينة لإجماع أثبتت التجربة أنه وصفة دائمة للجمود

الْمَنْطِقِيُّ أَنَّ الْمَشْروعَ الْعَرَبِيَّ الْجَديدَ لَنْ يَكونَ نُسْخَةً مِنْ نِظامٍ إِقْليمِيٍّ تَجاوَزَهُ الزَّمَن، وَإِنَّما إِطارًا أَكْثَرَ واقِعِيَّةً وَمُرونَة، يَنْطَلِقُ مِنَ الْمَصالِحِ الِاسْتراتيجِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ قَبْلَ الشِّعاراتِ الْعامَّة، وَيَعْتَرِفُ بِاخْتِلافِ أَوْلَوِيّاتِ الدُّوَلِ الْعَرَبِيَّة، مِنْ دونِ أَنْ يَجْعَلَ هذا الِاخْتِلافَ سَبَبًا لِتَعْطيلِ الْعَمَلِ الْجَماعِيّ.

الْعَرَبُ الْيَوْمَ في حاجَةٍ إِلى مَفْهومٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ لِلْأَمْنِ الْجَماعِيّ، لا يَقْتَصِرُ على الدِّفاعِ الْعَسْكَرِيّ، بَلْ يَشْمَلُ أَمْنَ الطّاقَة، وَالْمِياه، وَالْغِذاء، وَالتِّكْنولوجْيا، وَالأَمْنَ السّيبْرانِيّ، وَحِمايَةَ الْمَمَرّاتِ الْبَحْرِيَّة، وَسَلاسِلَ الْإِمْداد، وَبِناءَ قُدُراتٍ عِلْمِيَّةٍ وَصِناعِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ في الْمَجالاتِ التي لَمْ يَعُدِ التَّأَخُّرُ فيها مُجَرَّدَ فَجْوَةٍ تَنْمَوِيَّة، بَلْ أَصْبَحَ مَصْدَرًا مُباشِرًا لِلتَّهْديدِ الِاسْتراتيجِيّ.

وَهُمْ كَذلِكَ في حاجَةٍ إِلى آلِيّاتٍ أَكْثَرَ مُرونَةً تَسْمَحُ بِقِيامِ تَحالُفاتٍ وَظيفيةٍ بَيْنَ الدُّوَلِ الرّاغِبَةِ وَالْقادِرَةِ في كُلِّ مَلَفّ، بَدَلَ أَنْ يَبْقى الْعَمَلُ الْعَرَبِيُّ كُلُّهُ رَهينَةً لِإِجْماعٍ كامِلٍ أَثْبَتَتِ التَّجْرِبَةُ أَنَّهُ يَتَحَوَّل، في كَثيرٍ مِنَ الْأَحْيان، إِلى وَصْفَةٍ دائِمَةٍ لِلْجُمود.

إِذا غاب المشروع تحوّلت المؤسسة إلى إطار إداري يُدير التراجع بدل أن يقود المستقبل

وَالْعَمَلُ الْعَرَبِيُّ الْمُشْتَرَكُ يَنْبَغي أَنْ لا يُقاسَ بِعَدَدِ الْبَياناتِ الصّادِرَة، وَلا بِعَدَدِ الْقِمَمِ الْمُنْعَقِدَة، وَإِنَّما بِقُدْرَتِهِ على إِنْتاجِ مَصالِحَ مُشْتَرَكَةٍ وَسِياساتٍ قابِلَةٍ لِلتَّنْفيذ. فَالْمُؤَسَّساتُ لا تَصْنَعُ الْأَفْكار، بَلْ تُجَسِّدُها. وَإِذا غابَ الْمَشْروع، تَحَوَّلَتِ الْمُؤَسَّسَة، مَهْما كانَتْ عَراقَتُها، إِلى إِطارٍ إِدارِيٍّ يُديرُ التَّراجُعَ بَدَلَ أَنْ يَقُودَ الْمُسْتَقْبَل.

لِهذا، فَإِنَّ تَغْييرَ الْأُمَناءِ الْعامّين، أَوْ تَعْديلَ اللَّوائِح، أَوْ إِعادَةَ هَيْكَلَةِ الْأَمانَةِ الْعامَّة، لَنْ يَكونَ كافِيًا لِاسْتِعادَةِ الدَّوْرِ الْغائِب، ما لَمْ يَسْبِقْهُ اتِّفاقٌ على مَشْروعٍ عَرَبِيٍّ يُجيبُ عَنِ السُّؤالِ الذي تَفْرِضُهُ التَّحَوُّلاتُ الْكُبْرى: ما الْمَصالِحُ التي لا يَسْتَطيعُ الْعَرَبُ حِمايَتَها إِلّا مَعًا؟ وَما الْمَجالاتُ التي لَمْ يَعُدِ التَّعاوُنُ فيها تَرَفًا سِياسِيًّا، بَلْ ضَرورَةً وُجُودِيَّة؟.

عِنْدَئِذٍ فَقَط، تَسْتَعيدُ الْجامِعَةُ الْعَرَبِيَّةُ مَعْناها الْحَقيقِيّ، حينَ تُصْبِحُ التَّعبيرَ الْمُؤَسَّسِيَّ عَنْ مَشْروعٍ عَرَبِيٍّ جَديد. أَمّا إِذا ظَلَّ النِّقاشُ مَحْصورًا في حُدودِ الْمُؤَسَّسَة، فَسَيَبْقى تَغْييرُ الْأُمَناءِ الْعامّينَ أَشبَهَ بِتَبْديلِ رُبّانِ سَفينَة، بَيْنَما تَظَلُّ الْخَريطَةُ التي يَهْتَدي بِها الْجَميعُ تَنْتَمي إِلى زَمَنٍ مَضى!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن