في كَثيرٍ مِنَ التَّجارِبِ العَرَبِيَّة، يَتَحَوَّلُ الوُصولُ إلى السُّلْطَةِ إلى لَحْظَةِ احْتِكارٍ لِلْحَقيقَة. فَالطَّرَفُ المُنْتَصِرُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَمْتَلِكُ وَحْدَهُ مَشْروعَ الإِنْقاذ، وَأَنَّ مُعارِضيهِ لا يَخْتَلِفونَ مَعَهُ في الوَسائِل، بَلْ يَقِفونَ فِي مُواجَهَةِ الوَطَنِ ذاتِه. وَهَكَذا يُصْبِحُ الاخْتِلافُ السِّياسِيُّ تُهْمَة، وَتَتَحَوَّلُ المُعارَضَةُ إلى خَطَرٍ يَجِبُ التَّخَلُّصُ مِنْه، لا إلى جُزْءٍ طَبيعِيٍّ مِنْ أَيِّ مُجْتَمَعٍ حَيّ.
وَفي المُقابِل، لا تَبْدو بَعْضُ قُوى المُعارَضَةِ أَكْثَرَ اسْتِعْدادًا لِقَبولِ الشَّراكَة. فَهِيَ كَثيرًا ما تَتَعامَلُ مَعَ السُّلْطَةِ بِاعْتِبارِها فاقِدَةً لِأَيِّ شَرْعِيَّة، وَتَرْفُضُ الاعْتِرافَ بِإِمْكانِ الإِصْلاحِ التَّدْريجِيِّ أَوِ التَّسْوِياتِ السِّياسِيَّة. وَيُصْبِحُ الهَدَفُ إِسْقاطَ الطَّرَفِ الآخَرِ بِالْكامِل، لا الوُصولَ إلى صيغَةٍ تَحْفَظُ الدَّوْلَةَ وَتُتيحُ تَداوُلًا سِلْمِيًّا لِلْمَصالِحِ وَالسُّلْطَة.
الدول الأكثر استقرارًا تلك التي طوّرت قواعد لإدارة خلافاتها
بِهذِهِ العَقْلِيَّةِ تَنْشَأُ مُعادَلَةٌ صِفْرِيَّة؛ فَإِمَّا أَنْ أَرْبَحَ كُلَّ شَيْء، أَوْ أَخْسَرَ كُلَّ شَيْء. وَلا يَبْقى مَكانٌ لِلْحُلولِ الوُسْطِ أَوْ لِلتَّنازُلاتِ المُتَبادَلَة. وَمَعَ مُرورِ الوَقْت، تَتَحَوَّلُ مُؤَسَّساتُ الدَّوْلَةِ إلى ساحاتِ صِراع، وَتُصْبِحُ الهُوِيَّةُ الوَطَنِيَّةُ أَضْعَفَ مِنَ الهُوِيَّاتِ السِّياسِيَّةِ أَوِ الطَّائِفِيَّةِ أَوِ العِرْقِيَّةِ أَوِ المَناطِقِيَّة.
تُقَدِّمُ تَجارِبُ عَرَبِيَّةٌ عَديدَةٌ شَواهِدَ مُؤْلِمَةً عَلى ذَلِك. فَفي السّودان، تَحَوَّلَتِ المُنافَسَةُ داخِلَ مُؤَسَّساتِ القُوَّةِ إلى حَرْبٍ مُدَمِّرَةٍ دَفَعَتِ الدَّوْلَةُ وَالمُجْتَمَعُ ثَمَنًا باهِظًا لَها. وَفي العِراق، ما زالَتِ الانْقِساماتُ السِّياسِيَّةُ وَالطَّائِفِيَّة، إِضافَةً إلى تَعَدُّدِ مَراكِزِ القُوَّةِ وَالوَلاءات، تُعيقُ بِناءَ دَوْلَةٍ تَحْتَكِرُ القَرارَ وَالسِّلاح. وفي لُبْنان، أَدّى تَغْليبُ مَوازينِ القُوى الدّاخِلِيَّةِ وَالإِقْليمِيَّةِ على مَنْطِقِ الدَّوْلَةِ إلى إِضْعافِ مُؤَسَّساتِها وَإِطالَةِ أَمَدِ أَزْماتِها. أَمّا سورْيا، فَعلى الرَّغْمِ مِنَ التَّحَوُّلاتِ الأَخيرَة، فَإِنَّ اسْتِقْرارَها لَنْ يَكونَ سَهْلًا إِذا بَقِيَتْ قِطاعاتٌ مِنَ المُجْتَمَعِ تَشْعُرُ بِأَنَّها خارِجَ مُعادَلَةِ المُشارَكَة، أَوْ إِذا ظَلَّتْ بَعْضُ القُوى تَرى أَنَّ السِّلاحَ هُوَ الطَّريقُ الوَحيدُ لِتَحْقيقِ أَهْدافِها.
القاسِمُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ هذِهِ الحَالاتِ لَيْسَ تَشابُهَ الأَنْظِمَةِ أَوِ الظُّروف، بَلْ غِيابُ ثَقافَةِ تَقَبُّلِ الآخَر. فَالْخِلافُ السِّياسِيُّ يَتَحَوَّلُ سَريعًا إلى خُصومَةٍ أَخْلاقِيَّة، ثُمَّ إلى مُواجَهَةٍ وُجودِيَّة، وَكَأَنَّ الوَطَنَ لا يَتَّسِعُ إِلَّا لِرَأْيٍ واحِدٍ أَوْ قُوَّةٍ واحِدَة. وَعِنْدَما يَحْدُثُ ذَلِك، تُصْبِحُ مُؤَسَّساتُ الدَّوْلَةِ أَضْعَفَ مِنَ القُوى المُتَنافِسَةِ عَلَيْها، وَتَتَحَوَّلُ البِلادُ إلى ساحَةٍ يَسْتَنْزِفُ فيها الجَميعُ الجَميع.
وَلَيْسَ مِنْ قَبيلِ المُصادَفَةِ أَنَّ الدُّوَلَ الأَكْثَرَ اسْتِقْرارًا لَيْسَتْ تِلْكَ التي تَخْلو مِنَ الخِلافات، بَلْ تِلْكَ التي طَوَّرَتْ قَواعِدَ لِإِدارَتِها. فَالتَّعَدُّدِيَّةُ لا تَعْني الاتِّفاقَ الدَّائِم، وَإِنَّما تَعْني الاعْتِرافَ بِأَنَّ الخَصْمَ السِّياسِيَّ لَيْسَ عَدُوًّا لِلْوَطَن، وَأَنَّ التَّداوُلَ وَالتَّسْوِيَةَ وَالتَّنازُلَ المُتَبادَلَ لَيْسَتْ عَلاماتِ ضَعْف، بَلْ شُروطٌ لِبَقاءِ الدَّوْلَة.
الوطن أكبر من أي حزب وأوسع من أي طائفة وأبقى من أي سلطة
لَعَلَّ جَوْهَرَ المُشْكِلَةِ يَكْمُنُ في عَقْلِيَّةٍ يُمْكِنُ تَلْخيصُها بِعِبارَةٍ واحِدَة: أَنا عَلى حَقٍّ حَتّى النِّهايَة، وَأَنْتَ عَلى باطِلٍ حَتّى النِّهايَة. وَعِنْدَما تَتَحَوَّلُ هذِهِ القَناعَةُ إلى قاعِدَةٍ لِلْعَمَلِ السِّياسِيّ، يَغيبُ الحِوار، وَتَتَراجَعُ فُرَصُ التَّسْوِيَة، وَيُصْبِحُ الانْتِصارُ عَلى الخَصْمِ أَهَمَّ مِنْ حِمايَةِ الوَطَن. عِنْدَئِذٍ لا يَعودُ الخَرابُ نَتيجَةَ الحَرْبِ فَقَط، بَلْ نَتيجَةَ الأَفْكارِ التي سَبَقَتْها وَأَدارَتْها.
إِنَّ بِناءَ الدَّوْلَةِ يَبْدَأُ حينَ تُدْرِكُ القُوى السِّياسِيَّةُ أَنَّ الوَطَنَ أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ حِزْب، وَأَوْسَعُ مِنْ أَيِّ طائِفَة، وَأَبْقى مِنْ أَيِّ سُلْطَة. فَالاخْتِلافُ لا يُدَمِّرُ الأَوْطان، وَإِنَّما يُدَمِّرُها الإِصْرارُ عَلى أَنَّ الحَقيقَةَ لا يَمْلِكُها إِلَّا طَرَفٌ واحِد، وَأَنَّ الشَّراكَةَ هَزيمَةٌ وَلَيْسَتْ فَضيلَةً سِياسِيَّة. وَمِنْ دونِ الانْتِقالِ مِنْ ثَقافَةِ الإِقْصاءِ إلى ثَقافَةِ المُشارَكَة، سَيَظَلُّ بَعْضُ العَرَبِ يَهْدِمونَ أَوْطانَهُمْ بِأَيْديهِم، بَيْنَما يَظُنّونَ أَنَّهُمْ يُدافِعونَ عَنْها!.
(خاص عروبة 22)

