الحَقيقَة، أَنَّ "الصِّراعَ التَّفاوُضِيَّ" بَيْنَ طَهْرانَ وواشِنْطُن لا يَعْكِسُ فَقَطْ خِلافًا حَوْلَ المِلَفِّ النَّوَوِيِّ والتَّعْويضاتِ ورَفْعِ الحَظْرِ عَنِ الأَمْوالِ الإِيرانِيَّة، إنَّما أَيْضًا حَوْلَ الصّورَةِ الَّتي تَرْغَبُ أَميرْكا في وَضْعِ إِيرانَ فيها بَعْدَ انْتِهاءِ الحَرْب، وتَجْعَلُها تَرْفُضُ التَّخَلِّيَ عَنْ وَرَقَةِ الأَمْوالِ المُجَمَّدَةِ لاسْتِمْرارِ الضَّغْطِ الاقْتِصادِيِّ على طَهْرانَ لِما بَعْدَ انْتِهاءِ الحَرْب.
صَحيحٌ أَنَّ واشِنْطُن قَدَّمَتْ بَعْضَ المَرونَةِ في آخِرِ نَصٍّ وقَبِلَت، خِلافًا لِنُصوصِها السّابِقَة، تَعْليقَ العُقوباتِ النَّفْطِيَّةِ على إيرانَ خِلالَ فَتْرَةِ التَّفاوُض، وهُوَ ما يَعْني عَمَلِيًّا إِعْفاءً أَوْ إِسْقاطًا مُؤََقَّتًا لَها، ولَكِنَّها طالَبَتْ طَهْرانَ بِتَسْليمِ 400 كيلوغرامٍ مِنَ اليورانيومِ عالي التَّخْصيبِ إلى واشِنْطُن، والسَّماحِ بِعَمَلِ مُنْشَأَةٍ نَوَوِيَّةٍ واحِدَةٍ فَقَطْ، وعَدَمِ دَفْعِ تَعْويضاتٍ أَوِ الإِفْراجِ عَنْ أَكْثَرَ مِن 25% مِنَ الأُصولِ المُجَمَّدَة، ورَبْطِ وَقْفِ الحَرْبِ بِالدُّخولِ في مُفاوَضاتٍ رَسْمِيَّة.
هذِهِ النِّقاطُ تَحَفَّظَتْ عَلَيْها إِيرانُ ورَدَّتْ بِخَمْسِ نِقاطٍ أَوْ خُطُواتٍ لِبِناءِ الثِّقَة، تَشْمَلُ إِنْهاءَ الحَرْبِ على جَميعِ الجَبَهات، خُصوصًا في لُبْنان، ورَفْعَ العُقوبات، والإِفْراجَ عَنِ الأَمْوالِ المُجَمَّدَة، وتَعْويضَ أَضْرارِ الحَرْب، والاعْتِرافَ بِحَقِّ السِّيادَةِ الإِيرانيَّةِ على مَضيقِ هُرْمُز أَوْ إِيجادَ صيغَةٍ لإِدارَةِ المَضيقِ عَبْرَ طَهْرانَ بَعْدَ انْتِهاءِ الحَرْب.
الصراع على رمزية "اليوم التالي" يمثّل عنصرًا أساسيًا وراء تعطّل نجاح المفاوضات ونتائجها
إِنَّ الإِصْرارَ الأَميرْكِيَّ على الحُصولِ على اليورانيومِ عالي التَّخْصيبِ هُوَ مُحاوَلَةٌ لِكَسْرِ الصّورَةِ الرَّمْزِيَّةِ الَّتي خَلَقَها النِّظامُ الإيرانِيُّ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ نِظامٌ قاوَمَ وحارَبَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ مِنْ أَجْلِ الاسْتِقْلالِ الوَطَنِيِّ وبِناءِ قُدُراتٍ نَوَوِيَّةٍ ومُسْتَقِلَّة، ودَخَلَ في حُروبٍ وتَعَرَّضَ لِهَجَماتٍ قاسِيَةٍ دَمَّرَتْ جانِبًا كَبيرًا مِنْ قُدُراتِهِ العَسْكَرِيَّةِ مِنْ أَجْلِ الحِفاظِ على مَشْروعِهِ النَّوَوِيّ، ثُمَّ يَأْتي بَعْدَ كُلِّ ذَلِكَ ويُسَلِّمُ اليورانيومَ عالي التَّخْصيبِ لِعَدُوِّهِ الَّذي بَنى خِطابَهُ السِّياسِيَّ والدِّعائِيَّ مُنْذُ الثَّوْرَةِ الإِيرانيَّة (1979) على مُحارَبَتِهِ والهُجومِ عَلَيْه، وهِيَ نُقْطَةٌ رَمْزِيَّةٌ في غايَةِ الأَهَمِّيَّةِ، ولِذا ما زالَتْ مَحَلَّ خِلافٍ بَيْنَ الجانِبَيْنِ وتَتَمَسَّكُ طَهْرانُ بِعَدَمِ تَسْليمِ اليورانيومِ إلى واشِنْطُنَ بِالذّات.
لَقَدْ حَمَلَتْ هذِهِ الحَرْبُ أَشْكالًا مُخْتَلِفَةً لِلصِّراعِ على اليَوْمِ التّالي تَخْتَلِفُ تَمامًا عَنِ الحُروبِ الَّتي رُفِعَتْ فيها "الرّايَةُ البَيْضاءُ" مِثْلَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَةِ وغَيْرِها، فَلَمْ تُرْسِلْ أَميرْكا قُوّاتٍ بَرِّيَّةً لِتَغْزُوَ إِيرانَ كَما فَعَلَتْ في أَفْغانِسْتانَ والعِراق، كَما لَمْ يُشارِكْ حُلَفاءُ أوروبِيّونَ مَعَ أَميرْكا في هذِهِ الحَرْبِ وسَبَقَ أَنْ حارَبوا مَعَها في حُروبٍ سابِقَةٍ، ولَمْ تَجِدْ إلّا "حَليفًا عَقائِدِيًّا" واحِدًا وهُوَ إِسْرائيلُ يُحارِبُ مَعَها. وفي الوَقْتِ نَفْسِه، لَمْ تَجِدْ إيرانُ إلّا "حُلَفاءَها العَقائِدِيّينَ" في لُبْنانَ والعِراقِ لِكَيْ يُحارِبوا بِدَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ مَعَها، وبَقِيَ حُلَفاؤُها "غَيْرُ العَقائِدِيِّينَ" في روسْيا والصّينِ يَدْعَمونَها خِلْسَةً مِنْ دونِ التَّوَرُّطِ المُباشِرِ في الحَرْب.
ولِأَنَّها لَنْ تَكونَ حَرْبًا عالَمِيَّةً ثالِثَة، ولَنْ تُهْزَمَ إيرانُ على طَريقَةِ ما جَرى مَعَ "طالِبان" وصَدّام حُسَيْن، فَإِنَّ الصِّراعَ على رَمْزِيَّةِ "اليَوْمِ التّالي" سَيَظَلُّ يُمَثِّلُ عُنْصُرًا أَساسِيًّا وَراءَ تَعَطُّلِ نَجاحِ المُفاوَضاتِ ونَتائِجِها.
اليوم التالي لهذه الحرب إما سينقل العالم إلى "شريعة الغاب" أو سنذهب إلى إصلاح جراحي للأمم المتحدة
إِنَّ تَسْوِياتِ اليَوْمِ التّالي لِنِهايَةِ الحَرْبِ لَنْ يَكونَ لَها عَلاقَةٌ تُذْكَرُ بِالمَنْظومَةِ القانونِيَّةِ الَّتي وَضَعَها العالَمُ بِقِيادَةِ أَميرْكا بَعْدَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَة، فَهِيَ حَرْبٌ خارِجَ إِطارِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ والشَّرْعِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ الَّتي باتَتْ أَشْبَهَ بِـ"حائِطِ مَبْكى"، ما يَعْني أَنَّها مِنَ النّاحِيَةِ النَّظَرِيَّةِ مِنَ الوارِدِ أَنْ تَنْقُلَ النِّظامَ الدَّوْلِيَّ إلى شَكْلٍ جَديدٍ كَما حَدَثَ حينَ انْتَقَلَ بَعْدَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَةِ مِنْ "عُصْبَةِ الأُمَمِ" إلى "الأُمَمِ المُتَّحِدَة"، وهُوَ سَيَعْني أَنَّ اليَوْمَ التّالي لِهذِهِ الحَرْبِ إِمّا سَيَنْقُلُ العالَمَ إلى "شَريعَةِ الغابِ" و"البَقاءِ لِلأَقْوى" أَوْ سَنَذْهَبُ إلى إِصْلاحٍ جِراحِيٍّ لِلأُمَمِ المُتَّحِدَةِ فَيَنْتَفِضُ المُدافِعونَ عَمّا تَبَقّى مِنْ مَبادِئِ القانونِ الدَّوْلِيِّ في وَجْهِ عَشْوائِيَّةِ ترامب واحْتِقارِهِ لِلْقانونِ والقَواعِدِ الدَّوْلِيَّة، وضِدَّ إِسْرائيلَ المُحَصَّنَةِ مِنَ الحِسابِ على جَرائِمِها، وهُوَ ما سَيُؤَدّي إلى تَوافُقٍ عالَمِيٍّ على مُحاسَبَةِ دُوَلٍ مِثْلَ إيرانَ أَوْ غَيْرِها تَتَدَخَّلُ في شُؤونِ الآخَرينَ بِالقُوَّة، لِأَنَّ القانونَ سَيُطَبَّقُ على الجَميع.
إِنَّ الصِّراعَ على "اليَوْمِ التّالي" سَيَبْقى مِفْتاحًا لِفَهْمِ تَداعِياتِ هذِهِ الحَرْبِ سَواءٌ ما يَتَعَلَّقُ بِلَقْطَةِ نِهايَةِ الحَرْب، وشَكْلِ كَلِمَةِ النِّهايَة، وتَأْثيرِها لَيْسَ فَقَطْ على إيرانَ وأَميرْكا وإِسْرائيلَ إِنَّما أَيْضًا على شَكْلِ النِّظامِ الدَّوْلِيِّ ومُسْتَقْبَلِه.
(خاص "عروبة 22")

