بصمات

الوحدَةُ وَالِانقِسامُ في لبنان!

في كُلِّ أَزْمَةٍ يَمُرُّ بِها لُبْنان، تَرْتَفِعُ الأَصْواتُ التي تَتَحَدَّثُ عَنِ الفيدِرالِيَّة، التي تَبْدو في بَعْضِ التَّحْليلاتِ كَأَنَّها دَعْوَةٌ إلى الطَّلاقِ وَالتَّقْسيمِ تَطْرَحُ مَصيرَ لُبْنانَ كَدَوْلَةٍ على المحَكّ. وَإِذا كانَتِ الدَّعَواتُ الصَّريحَةُ مَحْدودَة، فَإِنَّ الدَّعَواتِ المُوارِبَةَ يُمْكِنُ رَصْدُها لَدى العَديدِ مِنَ السِّياسِيّينَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُقَدِّمونَ أَنْفُسَهُمْ رِجالَ فِكْرٍ وَبَحْثٍ وَاخْتِصاص.

الوحدَةُ وَالِانقِسامُ في لبنان!

لا شَكَّ بِأَنَّ تَداعِياتِ العُدْوانِ الأَخيرِ على لُبْنانَ قَدْ أَدَّتْ إلى مَزيدٍ مِنَ الشَّرْخِ بَيْنَ اللُّبْنانِيّينَ في تَحْديدِ المَسْؤولِيَّةِ عَمّا تَعَرَّضَ لَهُ الجَنوبُ مِنْ تَدْميرٍ جَعَلَ أَجْزاءً مِنْهُ أَشْبَهَ بِما تَعَرَّضَتْ لَهُ غَزَّةُ مِنَ العُدْوانِ وَالتَّدْميرِ المُمَنْهَج. يُضافُ إلى ذَلِك، أَنَّ تَناقُضًا قَدْ نَشَأَ بَيْنَ مَنْ يَدْعو إلى المُضِيِّ في مُفاوَضات، إِذْ إِنَّ المُفاوَضاتِ عادَةً مَا تَجْري بَيْنَ الخُصومِ وَالأَعْداء، وَبَيْنَ مَنْ يَرْفُضُ ذَلِكَ انْطِلاقًا مِنْ مَبادِئِ رَفْضِ السَّلامِ مع العَدُوِّ وَرَفْضِ التَّطْبيع، وَخُصوصًا في ظِلِّ اخْتِلالِ مَوازينِ القُوى.

الدعوة إلى الفيدرالية هي دعوة أشبه بالمتاهات

لَيْسَ الِانْتِصارُ لِوِجْهَةِ نَظَرٍ على أُخْرى هُوَ هَدَفُ هَذا المَقال، وَلَكِنَّ الهَدَفَ رَصْدُ التَّباعُدِ الحاصِلِ بَيْنَ اللُّبْنانِيّينَ تِبْعًا لِانْتِماءاتِهِمُ الطّائِفِيَّة. وَلَيْسَ سِرًّا أَنَّ تَأْييدَ التَّفاوُضِ المُباشِرِ يَحْظى بِالتَّأْييدِ الواسِعِ لَدى الطّائِفَةِ المارونِيَّة، كَأَنَّ النّاطِقينَ بِاسْمِ أَحْزابِها يَقولون: إِمّا التَّفاوُضُ وَإِمّا الطَّريقُ المَسْدودُ أَمامَ الدَّوْلَةِ التي تَمْلِكُ وَحْدَها القَرارَ بِشَأْنِ مَسائِلِ الحَرْبِ وَالسَّلام. في المُقابِل، فَإِنَّ "الثُّنائِيَّ الشّيعِيَّ" يَقولُ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُباشِر: إِمّا السِّلاحُ وَإِمّا تَعْديلُ الطّائِف، عِلمًا بِأَنَّ الطّائِفَةَ الشّيعِيَّةَ أَكْثَرُ المُتَضَرِّرينَ مِنْ أَيِّ طَرْحٍ فيدِرالِيّ، فَإِنَّ حَيْثِيَّةَ الطّائِفَةِ الشّيعِيَّةِ لا مَعْنى لَها وَلا فاعِلِيَّةَ أَوْ قُدْرَةَ خارِجَ الدَّوْلَة. أَمّا الطّائِفَةُ السُّنِّيَّةُ التي رَفَعَ "تَيّارُ المُسْتَقْبَل" الأَكْثَرُ شَعْبِيَّةً في الطّائِفَةِ شِعَارَ: "لُبْنانُ أَوَّلًا"، فَهِيَ في المَبْدَأ وَالِاعْتِقادِ مع الوَحْدَةِ ضِدَّ الِانْقِسام، وَمع مَبْدَأ الدَّوْلَةِ ضِدَّ المِيليشْيات.

مِنْ هُنا، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ إلى الفيدِرالِيَّةِ التي هِيَ أَشْبَهُ بِالتَّقْسيمِ وَالتَّبايُنِ بَيْنَ مُكَوِّناتِ لُبْنانَ الدَّوْلَة، وَالتي تُضْمِرُ القَوْل: لِيَتَدَبَّرْ كُلُّ طَرَفٍ شُؤونَهُ وَمَصيرَه، فَهِيَ دَعْوَةٌ، إِذا مَا انْتَقَلَتْ مِنْ مُسْتَوى الأَفْكارِ إلى مُسْتَوى الواقِعِ التَّطْبيقِيّ، وَتِبْعًا لِلخَرائِطِ التي تَقْتَرِحُها، أَشْبَهُ بالمُتاهات. ذَلِكَ أَنَّ نَموذَجَ المُتَصَرِّفيةِ التي أُقيمَتْ عامَ 1861، وَاسْتَمَرَّتْ حَتّى عامِ 1918، وَشَمِلَتْ أَقْضِيَةَ الشّوفِ وَعالِيَهْ وَكِسْرَوانَ وَالمَتْنِ وَجُبَيْلَ وَالبَتْرونَ وَالكورَةَ وَبْشَرّي الزّاوِيَة، لَمْ تَعُدْ نَموذَجًا قابِلًا لِلتَّطْبيق، فَالثُّنائِيَّةُ الدُّرْزِيَّةُ - المارونِيَّةُ عَفا عَلَيْها الزَّمَن، إِضافَةً إلى أَنَّ نِسَبًا مُرْتَفِعَةً مِنَ المَسيحِيّين، تَسْتَقِرُّ مُنْذُ أَزْمانٍ بَعيدَةٍ في شَمالِ لُبْنانَ وَجَنوبِهِ وَبِقاعِهِ فَضْلًا عَنِ العاصِمَةِ بَيْرُوت. وَالزَّمَنُ الذي أُقيمَتْ فيهِ المُتَصَرِّفية، بِدَفْعٍ مِنَ الدَّوَلةِ الأوروبِّيَّة، لَمْ يَكُنْ يَهْدِفُ إلى إِقامَةِ كِيانٍ مارونِيّ، أَوْ كِيانٍ مَسيحِيّ، وَلَمْ يَأْخُذْ في الِاعْتِبارِ المَسِيحِيّينَ الذينَ يَعيشونَ في المَناطِقِ المُجاوِرَةِ لِلمُتَصَرِّفيةِ وَالذينَ كانوا ضِمْنَ إِدارَةِ "وِلايَةِ سورية" التي أُنْشِئَتْ عامَ 1864، أَوْ "وِلايَةِ بَيْروتَ" التي أُنْشِئَتْ عامَ 1888، وَضَمَّتْ شَمالًا أَقْضِيَةَ طَرابُلُسَ وَاللّاذِقِيَّة، وَجَنوبًا صَيْدا وَصورَ وَعَكّا.

وَفي جَميعِ الأَحْوال، فَإِنَّ العَوامِلَ التي تَحولُ دونَ إِقامَةِ فيدِرالِيَّةٍ أَشْبَهَ بِالتَّقْسيمِ وَالتَّباعُدِ بَيْنَ المُكَوِّناتِ اللُّبْنانِيَّة، يُمْكِنُ تَلخيصُها على النَّحْوِ التّالي:

- إِنَّ الفيدِرالِيَّةَ التي تَتَجاوَزُ الجَوانِبَ الإِدارِيَّة، وَالتي نَصَّ عَلَيْها اتِّفاقُ الطّائِف، بِاسْمِ اللّامَرْكَزِيَّةِ المُوَسَّعَة، لا تَحْظى بِتَأْييدٍ أَوْ قَبولٍ مِنْ سائِرِ المُكَوِّناتِ الأُخْرى، مِثْلِ الدُّروزِ وَالشّيعَةِ وَالسُّنَّة، أَيْ الطَّوائِفِ الإِسْلامِيَّة، وَالأَهَمُّ أَنَّها لا تَحْظى بِتَأْييدِ مَوارِنَةٍ مُتَجَذِّرينَ في الشَّمالِ وَالجَنوب، إِضافَةً إلى الأَغْلَبِيَّةِ في الطَّوائِفِ المَسيحِيَّةِ الأُخْرى مِنْ أَرْثوذُكْسَ وَأَرْمَن.

أي مشاريع سياسية لا يمكن المضي فيها إذا لم تحظ بدعم وتأْييد من الدول الكبرى

- لَيْسَ هُناكَ أَيُّ خُطَطٍ أَوْ تَوَجُّهاتٍ مِنْ جانِبِ الدُّوَلِ الكُبْرى الأوروبِّيَّةِ كَفَرَنْسا أَوِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ لِدَعْمِ أَيِّ اتِّجاهٍ يَنْحو نَحْوَ التَّقْسيمِ وَالفيدِرالِيَّة. بَل على العَكْسِ مِنْ ذَلِك، فَإِنَّ التَّوَجُّهاتِ السِّياسِيَّةَ الفَرَنْسِيَّةَ هِيَ بِاتِّجاهِ دَعْمِ دُوَلٍ قادِرَةٍ على إِقامَةِ شَراكاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ في المِنْطَقَة، وَخُصوصًا بَيْنَ العِراقِ وَسورْيا، وَالتي يُمْكِنُ أَنْ تَشْمَلَ لُبْنان. وَتَأْهيلُ مَطارِ رينيهْ مُعَوَّضٍ وَوَضْعُهُ في الخِدْمَةِ يَصُبُّ في هَذا الِاتِّجاه، مع الإِشارَةِ إلى أَنَّ أَيَّ مَشاريعَ سِياسِيَّةٍ لا يُمْكِنُ المُضِيُّ فيها إِذا لَمْ تَحْظَ بِدَعْمٍ وَتَأْييدٍ مِنَ الدُّوَلِ الكُبْرى، وَخُصوصًا الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ الأَميرْكِيَّة.

- الأَهَمُّ مِمّا تَقَدَّم، العامِلُ الذي لا يُشارُ إِلَيْهِ عادَةً وَلا يُؤْخَذُ بِعَيْنِ الِاعْتِبار، وَهُوَ أَنَّ الفيدِرالِيَّةَ بِكُلِّ أَشْكالِها لا بُدَّ لِإِقامَتِها مِنْ دَرَجَةٍ عالِيَةٍ مِنَ الوَعْيِ وَالتَّنْظيمِ المُجْتَمَعِيِّ وَالِانْتِماءِ وَالوَلاءِ الوَطَنِيّ. وَأَنَّ مُجْتَمَعًا لا يَزالُ مَحْكومًا وَمَرْهونًا لِزَعاماتِ الطَّوائِفِ وَالعَشائِرِ وَالعائِلات، تُنذِرُ إِقامَةُ الفيدِرالِيَّةِ فيهِ بِحُروبٍ داخِلِيَّةٍ بَيْنَ أَبْناءِ الطّائِفَةِ الواحِدَةِ على الزَّعامَة!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن