يَبْقى أَيْضًا يَقينُنا بِأَنَّ هذَا الغَرْبَ نَفْسَه، المُتَقَدِّمَ المُزْدَهِر، لا يَفْتَأُ يَعْتَمِدُ في كَثيرٍ مِنْ إِنْتاجِهِ المَعْرِفِيِّ على عُقولٍ عَرَبِيَّة! نَشَأَتْ هُنا بَيْنَ ظَهْرانَيْنا، ثُمَّ هاجَرَتْ إِلَيْه، وَأَضْحَتْ تُساهِمُ في إِنْتاجِ مُبْتَكَراتِهِ وَإِبْداعاتِهِ التَّقَدُّمِيَّةِ في العِلْمِ وَالفِكْرِ وَالثَّقافَة.
لَمْ تَجِدِ العُقولُ العَرَبِيَّةُ "المُسْتَنْزَفَةُ" غَرْبِيًّا، في أَرْضِنا البيئَةَ الخَصْبَةَ لِلْإِنْتاجِ المَعْرِفِيّ، فَتَغَرَّبَت، وَتَبَنَّتْها أَنْظِمَةُ المَعْرِفَةِ المُتَطَوِّرَةُ في أوروبّا، وَالوِلاياتِ المُتَّحِدَة، وَكَنَدا، وَغَيْرِها. فَانْتَعَشَتْ روحُها هُناك، وَتَجَدَّدَتْ دِماؤُها، وَنَمَتْ قُدُراتُها، وَأَذْكَتْ إِمْكانيَّاتِها العِلْمِيَّةَ وَالبَحْثِيَّةَ وَالخِدْمِيَّة، وَأَصْبَحَتْ تَسْقي شَجَرَةَ المَعْرِفَةِ العالَمِيَّةَ بِسَخاء، فَأَثْرَتِ اقْتِصاداتِ البُلْدانِ الغَرْبِيَّةِ أَيَّما إِثْراء.
الغرب ينقل إلى دياره كثيرًا من قدراتنا العقلية المتميّزة
لا نُرِيدُ أَنْ نَتَحَدَّثَ هُنا عَنِ الخَسائِرِ العَرَبِيَّةِ التي رُبَّما لا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ مَعْنَوِيٍّ أَوْ حَضارِيٍّ قِيَمِيٍّ في هذا الصَّدَد، وَلَكِنْ تَكْفي الإِشارَةُ إلى بَعْضِ الخَسائِرِ المادِّيَّةِ بِالخُصوص؛ إِذْ تُشيرُ تَقْديراتٌ تَنْمَوِيَّةٌ عَنْ "جامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة" وَ"مُؤَسَّسَةِ الفِكْرِ العَرَبِيِّ" إلى أَنَّ خَسائِرَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ في هِجْرَةِ عُقولِها إلى البُلْدانِ الغَرْبِيَّة، تُكَلِّفُها ما مُتَوَسِّطُهُ 1.5 إلى 2 مِلْيارِ دولارٍ سَنَوِيًّا، وَأَنَّ إِجْمالِيَّ التَّقْديراتِ حَتّى هذِهِ السَّنَةِ (2026) حَوالَيْ 250 مِلْيارَ دولار، بَعْدَ أَنْ كانَ يُراوِحُ في حُدودِ 200 مِلْيارِ دولارٍ لِسَنَواتٍ عِدَّةٍ مُنْذُ سَنَةِ 2006.
مُعْظَمُ الكَفاءاتِ العَرَبِيَّةِ المُهاجِرَةِ تَتَرَكَّزُ في المَجالاتِ الطِّبِّيَّة: 50% مِنَ الإِجْمالِيّ، تَليها الهَنْدَسِيَّةُ 23% مِنَ الخِبْراتِ العَرَبِيَّةِ المُهاجِرَة. وَمُعْظَمُها يوجَدُ في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَبَريطانْيا وَكَنَدا، بِما يُمَثِّلُ حَوالَيْ 75% مِنْ إِجْمالِيِّ كَفاءاتِنا العَرَبِيَّةِ المُغْتَرِبَة.
مِنْ ثَمَّ، في الوَقْتِ الذي نُحاوِلُ أَنْ نَنْقُلَ فيهِ قَدْرًا مِنَ المَعْرِفَةِ الغَرْبِيَّةِ إلى مُجْتَمَعاتِنا العَرَبِيَّة، يَنْقُلُ هذَا الغَرْبُ نَفْسُهُ إلى دِيارِهِ كَثيرًا مِنْ قُدُراتِنا العَقْلِيَّةِ المُتَمَيِّزَة. فَإِذا كُنّا نَحْنُ نَنْقُلُ مِنْهُمُ المُنْتَجاتِ الصِّناعِيَّةَ الآلِيَّةَ الجاهِزَةَ لِلِاسْتِهْلاك، فَهُمْ يَنْقُلونَ مِنّا "مَشاريعَ عُقولٍ مُفَكِّرَة"، آلاتِ إِنْتاجٍ طَبيعِيَّةٍ لِلْعِلْمِ وَالتِّقْنِيَّة، جاهِزَةً لِلتَّأَقْلُمِ مع أَنْظِمَةِ الغَرْبِ الإِنْتاجِيَّة، فَتَتَكَيَّفُ سَريعًا، وَتُؤَدّي مَهامَّها الابْتِكارِيَّةَ وَالإِبْداعِيَّة.
واضِحٌ جِدًّا أَنَّ مَسْأَلَةَ "تَخَلُّفِنا" لا تَتَعَلَّق، في واقِعِ الأَمْر، بِإِمْكانِيَّةِ العَقْلِ العَرَبِيِّ في حَدِّ ذاتِهِ "بِيولوجِيًّا"، أَوْ "مادِّيًّا" بَحْتًا، بِقَدْرِ ما هِيَ تَرْتَبِطُ بِالمُعْطَياتِ النَّفْسِيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ في بُلْدانِنا العَرَبِيَّةِ المُتَأَزِّمَة؛ المُناخِ العامِّ لِلْعِلْمِ وَالفِكْرِ وَالتَّفْكيرِ وَالبَحْثِ التَّجْريبِيّ، المُرْتَبِطِ وَثيقًا بِحُرِّيَّةِ العَقْلِ وَالرَّأْيِ وَالاخْتِيارِ وَالقَرار.
لا شَكَّ أَنَّ هذا يُراكِمُ التَّساؤُلاتِ الجَوْهَرِيَّةَ في المَوْضوع: لِماذا، مَثَلًا، تَظْهَرُ "الفَجْوَةُ المَعْرِفِيَّةُ" بِشَكْلِها الطّاغي بَيْنَنا وَبَيْنَ هذا العالَمِ الغَرْبِيِّ المُتَطَوِّر؟ هَلِ الغَرْب، كَما نَراهُ اليَوْم، هُوَ فِعْلًا النَّموذَجُ الوَحيدُ لِلتَّقَدُّمِ الحَضارِيّ؟ بِمَعْنى هَلِ الحَضارَةُ الغَرْبِيَّةُ الحالِيَّةُ هِيَ فَقَط، مِعْيارُ التَّقَدُّمِ وَالرُّقِيِّ الإِنْسانِيّ؟.
ضرورة خلق مشروع حضاري معرفي يعتمد في ركائزه على بنى تعليم عربي حقيقي بمعايير عالمية
إلى مَتى سَنَظَلُّ هَكَذا، يا تُرى، في حالَةِ التَّلَقّي وَالاتِّباع؟ بَدَلًا مِنَ الإِنْتاجِ وَالإِبْداع؟ وَهَلْ يُمْكِنُ رَدْمُ هَذِهِ "الفَجْوَةِ المَعْرِفِيَّةِ" المُخيفَة، عِلَّةَ انْتِمائِنا لِلْوَراء، وَانْغِلاقِنا في حالَةٍ مِنَ السَّلْبِ وَالاسْتِلْابِ الثَّقافِيّ، لا يُمْكِنُ إِخْفاؤُها في مُجْتَمَعاتِنا العَرَبِيَّةِ، مِنْ دونِ اسْتِثْناء؟!.
لَعَلَّ مِثْلَ هَذِهِ التَّساؤُلات، بِإِيماءاتِها المُجَرَّدَة، تَضَعُنا أَمامَ تَأَمُّلاتٍ فاحِصَةٍ لِمَسيرَةِ الحَضاراتِ الإِنْسانِيَّةِ بِعامَّة؛ فَنَرى في كُلٍّ مِنْها "طَفْرَةً حَضارِيَّةً" دَفَعَتْها لِلِارْتِقاءِ وَالبَقاء، وَحينَ تَضْمَحِلُّ طاقَتُها الدَّافِعَةُ تَنْتَكِسُ إلى الوَراء.
ذَلِكَ، أَنَّهُ في هَذا السِّياق، لا يَبْقى مِنْ كِيانِ الأُمَّةِ وَمَكانَتِها في الحَياةِ بَيْنَ الأُمَمِ وَالمُجْتَمَعاتِ الأُخْرى، إِلَّا ما يَصْلُحُ مِنْ مُنْجَزاتِها المادِّيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ لِلِاسْتِمْرار، وَالمُضِيِّ في رَكْبِ الرُّقِيِّ وَالازْدِهار، وَبِخاصَّةٍ ما يَتَعَلَّقُ بِروحِ الحَضارَةِ مِنْ قِيَمٍ وَمَعاييرَ وَما يُقابِلُها مِنْ تَمَثُّلاتٍ مادِّيَّةٍ في واقِعِها المَعيش. خِلافَ ذَلِكَ لا يَصْمُدُ أَمامَ سُنَّةِ الحَياةِ في التَّغَيُّرِ وَالتَّبَدُّل! وَهُنا، مَرَّةً أُخْرى، يَبْرُزُ دَوْرُ التَّفْكيرِ الحُرّ، وَالبَحْثِ عَنِ الخِيارِ الأَمْثَلِ مِنْ طَريقِ العَقْل، وَالنَّقْد، وَمُراجَعَةِ الذَّات، وَصِياغَةِ الحاضِرِ بِوَجْهٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ لِلْأَجْيالِ الصّاعِدَة، في ظِلِّ حَياةٍ كَرِيمَةٍ لِلْعُقولِ المُبْدِعَة، وَبيئَةٍ مُجْتَمَعِيَّةٍ خَصْبَةٍ لِلْعَطاءِ وَالنَّماء.
الغاية الفعلية هي بناء عقل عربي مُنتج للمعرفة
وَالحَقيقَة، لا يَقِفُ الأَمْرُ لِرَدْمِ "الفَجْوَةِ المَعْرِفِيَّةِ" على هَذِهِ المُعْطَياتِ أَوِ الحُلول، فَحَسْب. بَلْ هُناكَ أَيْضًا: سَبيلُ الانْفِتاحِ المُتَوازِنِ على الآخَرِ المُتَقَدِّم، وَالتَّواصُلِ الحَثيثِ معهُ لِتَعْويضِ التَّأَخُّرِ التّاريخِيّ، لا سِيَّما في مَشاريعِ التَّحْديثِ العِلْمِيِّ وَالفِكْرِيِّ وَالمَنْهَجِيِّ التَّطْبيقِيّ؛ وَضَرورَةُ إيجادِ حُلولٍ ناجِعَةٍ لِلْأَزْماتِ السِّياسِيَّةِ التي تَمُرُّ بِها الأُمَّةُ العَرَبِيَّة، وَأَنْ تَتَعاضَدَ لِخَلْقِ مَشْروعٍ حَضارِيٍّ مَعْرِفِيٍّ مُتَوافِق، وَواضِح، وَقابِلٍ لِلتَّنْفيذ، يَعْتَمِدُ في رَكائِزِهِ على بُنى تَعْليمٍ عَرَبِيٍّ حَقيقِيّ، بِمَقاييسَ وَمَعاييرَ عالَمِيَّة.
لَيْسَ شَرْطًا، بِطَبيعَةِ الحال، أَنْ تَكونَ هَذِهِ المَعاييرُ غَرْبِيَّة، مِنْ دونِ أَنْ تَخْضَعَ لِما قَدْ تَتَطَلَّبُهُ مِنْ تَعْديلٍ وَتَطْويع، أَوْ تَطْوِيرٍ يُلائِمُ البيئَةَ الثَّقافِيَّةَ العَرَبِيَّة. كَما أَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا أَنْ تَعْنِيَ المُقارَنَةُ بِالغَرْبِ "التَّفاضُل"، حَيْثُ إِنَّ الهَدَفَ هُوَ بُلوغُ أَسْبابِ "الفَجْوَةِ المَعْرِفِيَّة"، التي تَفْصِلُنا عَنِ اللِّحاقِ بِرَكْبِ الأُمَمِ السَّبّاقَةِ في المَيادينِ العِلْمِيَّةِ وَالفِكْرِيَّةِ وَالأَخْلاقِيَّةِ الحَضارِيَّة. وَإِنَّ الغايَةَ الفِعْلِيَّةَ هِيَ البَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ بِناءِ عَقْلٍ "عَرَبِيٍّ"، يَسْتَعيدُ قُوَّتَهُ المُغَيَّبَة، في البَحْثِ وَالدَّرْسِ وَالكَشْفِ وَالاكْتِشاف. عَقْلٌ تَحْليلِيٌّ، ناقِدٌ، وَتَجْريبِيٌّ فاحِص، مُنْتِجٌ لِلْمَعْرِفَة، وَيَمْتَلِكُ إِمْكاناتِ التَّجاوُزِ الفاعِلَة.
لقراءة الجزء الأول
(خاص عروبة 22)

