هَل مِنَ الصَّوابِ الجَزْمُ بِأَنَّ النُّمُوَّ الِاقْتِصادِيَّ يُؤَدّي تِلْقائِيًّا إِلى التَّنْمِيَةِ الِاجْتِماعِيَّة؟ أَعْتَقِدُ أَنَّ الحَقيقَةَ خِلافُ ذَلِك، فَلَقَدْ أَظْهَرَتْ دِراسَةُ التّاريخِ الِاقْتِصادِيِّ المُعاصِرِ أَنَّ النُّمُوَّ قَدْ يَكونُ مُرْتَفِعًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ يُفْرِزُ عَدالَةً اجْتِماعِيَّةً مُخْتَلَّةً وَفَوارِقَ عَميقَة؛ فَعلى سَبيلِ المِثالِ لا الحَصْر، عَرَفَ الِاقْتِصادُ المِصْرِيُّ خِلالَ السَّنَواتِ الماضِيَةِ تَطَوُّرًا لافِتًا نَتيجَةَ المَشاريعِ الضَّخْمَةِ التي انْخَرَطَتْ فيها القاهِرَة، غَيْرَ أَنَّ هذِهِ الحَرَكِيَّةَ الِاقْتِصادِيَّةَ لَمْ تَمْنَعِ اسْتِمْرارَ مُسْتَوَياتٍ مُرْتَفِعَةٍ مِنَ الفَقْرِ وَالهَشاشَة، وَذَلِكَ لِكَوْنِ جُزْءٍ مُهِمٍّ مِنَ النُّمُوِّ لَمْ تَتِمَّ تَرْجَمَتُهُ إِلى فُرَصِ شُغْلٍ كافِيَة. كَما أَنَّ التَّضَخُّمَ المُتَواصِلَ وَتَراجُعَ القُدْرَةِ الشِّرائِيَّةِ قَلَّصا أَثَرَ العَديدِ مِنَ السِّياساتِ الِاجْتِماعِيَّة، وَذَلِكَ بَعْدَ انْهِيارِ قيمَةِ العُمْلَةِ وَاسْتِشْراءِ الغَلاء، وَهُوَ ما جَعَلَ ثِمارَ النُّمُوِّ بَعيدَةَ المَنالِ عَنِ المُواطِنِ المِصْرِيِّ البَسيطِ الذي لا يَقيسُ نَجاحَ الِاقْتِصادِ بِطولِ الطُّرُقِ السَّيّارَةِ أَوِ المُدُنِ الجَديدَةِ فَقَط، بَل يَقيسُهُ بِقُدْرَتِهِ على شِراءِ الغِذاءِ وَالسَّكَنِ وَتَأْمينِ مُسْتَقْبَلِ أَبْنائِه.
التنمية الحقيقية لا تقوم فقط على إعادة توزيع الثروة بشكل ريعي بل على خلقها بشكل مستدام ومتجدّد
وَفي سِياقٍ آخَر، نَجِدُ أَنَّ المَمْلَكَةَ المَغْرِبِيَّةَ تُقَدِّمُ أُنْموذَجًا آخَرَ أَكْثَرَ تَعْقيدًا. فَمِنْ جِهَة، لا يُمْكِنُ إِنْكارُ ما تَحَقَّقَ خِلالَ العَقْدَيْنِ الأَخيرَيْنِ مِنِ اسْتِثْماراتٍ ضَخْمَةٍ في البُنى التَّحْتِيَّة، وَتَراجُعٍ مَلموسٍ لِلفَقْرِ المُطْلَق، وَتَطْويرِ عَدَدٍ مِنَ القِطاعاتِ الصِّناعِيَّةِ وَالخَدَماتِيَّة؛ لَكِنْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، نَجِدُ أَنَّ المَمْلَكَةَ لا تَزالُ تَجِدُ صُعوبَةً في تَحْويلِ النُّمُوِّ إِلى تَشْغيلٍ واسِعٍ وَإِلى تَقْليصٍ فِعْلِيٍّ لِلفَوارِقِ الِاجْتِماعِيَّةِ وَالمَجالِيَّة، فَهُناكَ مَغْرِبٌ يَعْرِفُ دينامِيَّةً اقْتِصادِيَّةً كَبيرَة، وَمَغْرِبٌ آخَرُ لا يَزالُ يُعاني مِنَ الهَشاشَةِ وَضَعْفِ الخِدْماتِ وَفُرَصِ الشُّغْل، وَهُوَ ما سَبَقَ أَنْ أَشارَ إِلَيْهِ العاهِلُ المَغْرِبِيُّ بِـ"مَغْرِبِ السُّرْعَتَيْن"، بَل وَصَفَ أَيْضًا الأُنْموذَجَ الِاسْتِثْمارِيَّ المَغْرِبِيَّ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُنْتِجٍ لِلقيمَةِ وَلِلشُّغْل، وَلا يَنْعَكِسُ على واقِعِ الأُسَرِ المَغْرِبِيَّة. لِذلِكَ نَجِدُ أَنْفُسَنا أَمامَ تَناقُضٍ صارِخ: الِاقْتِصادُ يَنْمو، لَكِنَّ البِطالَةَ مُرْتَفِعَة، وَالِاسْتِثْماراتُ تَتَزايَد، لَكِنَّ الإِحْساسَ الِاجْتِماعِيَّ بِالهَشاشَةِ لا يَتَراجَعُ بِالوَتيرَةِ نَفْسِها.
وَفي البَلَدِ الجار، نَجِدُ أَنَّ المُشْكِلَةَ مُخْتَلِفَةٌ نِسْبِيًّا مُقارَنَةً بِالمَغْرِب؛ فَالجَزائِرُ تَتَوَفَّرُ على مَوارِدَ طاقِيَّةٍ ضَخْمَةٍ مَكَّنَتِ الدَّوْلَةَ مِنَ الحِفاظِ على السِّلمِ الِاجْتِماعِيِّ عَبْرَ سِياساتِ دَعْمٍ واسِعَة،
لَكِنَّ السُّؤالَ المَطْروحَ هُوَ: هَل يَكْفي تَوْزيعُ الرّيعِ لِتَحْقيقِ التَّنْمِيَة؟ لِذلِكَ نَرى أَنَّ الجَوابَ هُوَ لا، لِأَنَّ التَّنْمِيَةَ الحَقيقِيَّةَ لا تَقومُ فَقَطْ على إِعادَةِ تَوْزيعِ الثَّرْوَةِ بِشَكْلٍ ريعِيّ، بَل على خَلْقِها بِشَكْلٍ مُسْتَدامٍ وَمُتَجَدِّد، وَعِنْدَما يَبْقَى الِاقْتِصادُ مُرْتَبِطًا بِشَكْلٍ كَبيرٍ بِعائِداتِ المَحْروقات، فَإِنَّ أَيَّ تَراجُعٍ في الأَسْعارِ الدَّوْلِيَّةِ قَدْ يُعيدُ طَرْحَ الأَسْئِلَةِ نَفْسِها حَوْلَ النُّمُوِّ وَالتَّشْغيلِ وَالِاسْتِدامَة.
خَلَلٌ في تَوْزيعِ الثَّرْوَةِ أَمْ غِيابُ أُنْموذَجٍ اقْتِصادِيّ؟
لا يُمْكِنُ فَهْمُ العَلاقَةِ الجَدَلِيَّةِ بَيْنَ النُّمُوِّ وَالفَقْرِ مِنْ دونِ التَّعَرُّضِ إِلى آلِيَّةِ تَوْزيعِ الثَّرْوَة، حَيْثُ لا يَزالُ جُزْءٌ مُهِمٌّ مِنْ ثِمارِ النُّمُوّ، وَفي عَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، مَحْصورًا داخِلَ فِئاتٍ اجْتِماعِيَّةٍ أَوْ قِطاعاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ مُحَدَّدَة، بَيْنَما تَبْقى فِئاتٌ واسِعَةٌ خارِجَ دائِرَةِ الِاسْتِفادَةِ الحَقيقِيَّة. وَفي هذا الصَّدَد، نورِدُ مِثالَ بَرامِجِ الدَّعْمِ العُمومِيّ، التي غالِبًا ما تُقَدَّمُ بِاعْتِبارِها آلِيَّةً لِحِمايَةِ القُدْرَةِ الشِّرائِيَّةِ أَوْ تَشْجيعِ الِاسْتِثْمار، لَكِنَّ السُّؤالَ الجَوْهَرِيَّ الذي يُطْرَحُ هُنا هُوَ: مَنْ يَسْتَفيدُ فِعْلًا مِنْ هذا الدَّعْم؟ وَهَل يَصِلُ إِلى المُواطِنِ النِّهائِيِّ أَمْ يَتِمُّ امْتِصاصُهُ داخِلَ السّوقِ مِنْ قِبَلِ مُحْتَكِرينَ وَمُقَرَّبينَ مِنَ السُّلطَةِ وَدَوائِرِ الثَّرْوَة؟.
أَسْئِلَةٌ كَهَذِهِ أَضْحَتْ تُطْرَحُ بِحِدَّةٍ في عَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، فَفي المَغْرِبِ مَثَلًا، أَثارَ بَرْنامَجُ الدَّعْمِ المُباشِرِ لِلسَّكَنِ نِقاشًا واسِعًا حَوْلَ ما إِذا كانَ المُسْتَفيدُ الأَكْبَرُ هُوَ المُواطِنُ أَمِ المُنْعِشُ العَقارِيّ، وَهِيَ التَّساؤُلاتُ نَفْسُها التي أَثارَها أَيْضًا الدَّعْمُ المُوَجَّهُ لِمُرَبّي وَمُسْتَوْرِدي الماشِيَة، وَالأَمْرُ نَفْسُهُ يُمْكِنُ أَنْ يُطْرَحَ بِشَأْنِ دَعْمِ بَعْضِ القِطاعاتِ أَوْ تَحْريرِ سوقِ المَحْروقات؛ وَهُنا لا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِوُجودِ نِيَّةٍ سَيِّئَةٍ أَوْ شُبْهَةِ فَسادٍ بِالضَّرورَة، بَل بِقُدْرَةِ الدَّوْلَةِ على ضَبْطِ السّوق، وَمُراقَبَةِ أَثَرِ السِّياساتِ العُمومِيَّة، وَضَمانِ وُصولِ ثِمارِها إِلى الفِئاتِ المُسْتَهْدَفَة.
أزمة الفقر في العالم العربي ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة أنموذج تنموي
وَفي هذا الصَّدَد، نَعْتَقِدُ أَنَّ الإِشْكالَ أَعْمَقُ مِنْ مُجَرَّدِ سُوءِ تَوْزيعِ الثَّرْوَة، بَل إِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِطَبيعَةِ العَقْدِ الِاجْتِماعِيِّ نَفْسِه؛ فَالمُواطِنُ العَرَبِيُّ لَمْ يَعُدْ يُطالِبُ فَقَطْ بِالنُّمُوّ، بَل يُطالِبُ بِالإِنْصاف، وَبِإِمْكانِيَّةِ الصُّعودِ الِاجْتِماعِيّ، وَبِالشُّعورِ بِأَنَّ جُهْدَهُ وَتَعْليمَهُ وَعَمَلَهُ يُمْكِنُ أَنْ يُحَسِّنَ وَضْعَه، وَعِنْدَما يَشْعُرُ بِأَنَّ الثَّرْوَةَ تُنْتِجُ مِنْ دونِ أَنْ يَسْتَفيدَ مِنْها، أَوْ أَنَّ الفُرَصَ تُوَزَّعُ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُتَكافِئ، فَإِنَّ الثِّقَةَ في المُؤَسَّساتِ وَالسِّياساتِ العُمومِيَّةِ تَبْدَأُ في التَّراجُع؛ وَمِنْ هُنا، نَرى أَنَّ أَزْمَةَ الفَقْرِ في العالَمِ العَرَبِيِّ لَيْسَتْ أَزْمَةَ مَوارِدَ بِقَدْرِ ما هِيَ أَزْمَةُ أُنْموذَجٍ تَنْمَوِيّ؛ فَالدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ لا تُعاني بِالضَّرورَةِ مِنْ غِيابِ الإِمْكانات، بَل مِنْ صُعوبَةِ تَحْويلِ هذِهِ الإِمْكاناتِ إِلى تَنْمِيَةٍ شامِلَةٍ وَمُسْتَدامَة، كَما أَنَّها تُعاني أَحْيانًا مِنْ فَجْوَةٍ بَيْنَ الِاقْتِصادِ وَالسِّياسَة، وَبَيْنَ مَنْطِقِ السّوقِ وَمَنْطِقِ العَدالَةِ الِاجْتِماعِيَّة.
إِنَّ التَّحَدِّيَ الحَقيقِيَّ أَمامَ مِصْرَ وَالمَغْرِبِ وَالجَزائِرِ وَتُونِسَ وَغَيْرِها مِنْ دُوَلِ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ لا يَكْمُنُ في رَفْعِ مُعَدَّلاتِ النُّمُوِّ وَحَسْب، بَل في بِناءِ أُنْموذَجٍ اقْتِصادِيٍّ جَديدٍ يَجْعَلُ مِنَ الإِنْسانِ مِحْوَرَ التَّنْمِيَة، وَيُعيدُ رَبْطَ الثَّرْوَةِ بِالتَّشْغيل، وَالِاسْتِثْمارِ بِالعَدالَةِ الِاجْتِماعِيَّة، وَالدَّوْلَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ بِالمُحاسَبَةِ وَالشَّفافِيَّة. فَالمُواطِنُ لا يَعيشُ داخِلَ المُؤَشِّراتِ الِاقْتِصادِيَّة، بَل يَعيشُ داخِلَ المَدْرَسَةِ وَالمُسْتَشْفى وَسوقِ الشُّغْلِ وَالحَيِّ الذي يَسْكُنُه، وَلِذلِكَ فَإِنَّ نَجاحَ أَيِّ سِياسَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ لا يُقاسُ فَقَطْ بِما تُحَقِّقُهُ مِنْ أَرْقام، بَل بِما تَخْلُقُهُ مِنْ أَمَل، وَما تَمْنَحُهُ مِنْ كَرامَة، وَما تَفْتَحُهُ مِنْ آفاقٍ أَمامَ الأَجْيالِ الجَديدَة.
(خاص عروبة 22)

