اقتصاد ومال

تَجفيفُ المَحاصيلِ الزِّراعِيَّة! طَريقٌ واعِدٌ لِتَحقيقِ الأَمنِ الغِذائيِّ العَرَبيِّ وزِيادَةِ الصّادِرات

أَصْبَحَتِ المُحافَظَةُ على جَوْدَةِ المَحاصيلِ الزِّراعِيَّةِ وَتَقْليلُ الفَواقِدِ مِنَ الأَوْلَوِيّاتِ الأَساسِيَّةِ لِتَحْقيقِ الأَمْنِ الغِذائِيِّ والتَّنْمِيَةِ المُسْتَدامَة. وَمِنْ أَهَمِّ العَمَلِيّاتِ التي تُساهِمُ في ذَلِكَ عَمَلِيَّةُ التَّجْفيفِ التي تَعْمَلُ على خَفْضِ المُحْتَوى الرُّطوبِيِّ لِلمُنْتَجِ الزِّراعِيِّ إلى مُسْتَوًى آمِنٍ يَمْنَعُ نُمُوَّ البَكْتيرِيا والفِطْرِياتِ والخَمائِر، وَيَحُدُّ مِنَ النَّشاطِ الحَيَوِيِّ والإِنْزيمِيِّ داخِلَ المُنْتَج.


تَجفيفُ المَحاصيلِ الزِّراعِيَّة! 
طَريقٌ واعِدٌ لِتَحقيقِ الأَمنِ الغِذائيِّ العَرَبيِّ وزِيادَةِ الصّادِرات

لا تَقْتَصِرُ أَهَمِّيَّةُ التَّجْفيفِ على مَنْعِ الفاقِدِ فَقَط، بَل تَمْتَدُّ إلى تَحْسينِ جَوْدَةِ المُنْتَج، وَزِيادَةِ فُرَصِ تَسْويقِهِ وَتَصْديرِهِ نَتيجَةَ تَوَفُّرِهِ طَوالَ العام. والمُنْتَجاتُ الزِّراعِيَّةُ المُجَفَّفَة، مِثْلُ الخُضَرِ والفاكِهَةِ والأَعْشابِ الطِّبِّيَّةِ والعِطْرِيَّة، مِنَ السِّلَعِ المَطْلوبَةِ عالَمِيًّا لِسُهولَةِ تَصْديرِها مِنْ دونِ الحاجَةِ إلى سَلاسِلِ التَّبْريدِ المُعَقَّدَة، بِالإِضافَةِ إلى زِيادَةِ قيمَتِها الِاقْتِصادِيَّةِ نَظَرًا لِاسْتِخْدامِها في العَديدِ مِنَ الصِّناعاتِ الغِذائِيَّةِ والدَّوائِيَّة.

وَتُقَدِّمُ صِناعَةُ التَّجْفيفِ فُرَصًا واعِدَةً لِتَعْظيمِ القيمَةِ المُضافَةِ لِلخُضَرِ والفاكِهَة، والتي تَصِلُ نِسْبَةُ الفاقِدِ فيها إلى حَوالَيْ 40%. وَتُقَدَّرُ قيمَةُ المُنْتَجاتِ الزِّراعِيَّةِ المُجَفَّفَةِ عالَمِيًّا بِنَحْوِ 88.2 مِلْيارِ دولارٍ في عامِ 2025، وَمِنَ المُتَوَقَّعِ أَنْ تَصِلَ إلى 192.2 مِلْيارًا بِحُلولِ 2035، وَذَلِكَ لِما تَتَمَيَّزُ بِهِ مِنَ انْخِفاضِ تَكاليفِ النَّقْلِ والتَّخْزينِ نَتيجَةَ انْخِفاضِ وَزْنِ المُنْتَجاتِ وَزِيادَةِ قُدْرَتِها على مُقاوَمَةِ الفَسادِ والآفات.

التصميمات الحديثة للمجفّفات من أنسب الطرق للمنطقة العربية نظرًا لتوَفُّر الطاقة الشمسية فيها طوال العام

في السّابِق، كانَ التَّجْفيفُ عَمَلِيَّةً تَقْليدِيَّةً تَعْتَمِدُ على الشَّمْسِ عَبْرَ نَشْرِ المَحاصيلِ على حَصائِرَ تُعَرِّضُ المَحْصولَ لِلعَديدِ مِنَ الفَواقِدِ نَتيجَةَ اخْتِلاطِهِ بِالأَتْرِبَةِ والحَشَراتِ والقَوارِض، مع طولِ فَتْرَةِ التَّخْزينِ التي تُؤَثِّرُ في جَوْدَةِ المُنْتَجِ النِّهائِيِّ نَتيجَةَ فَقْدِهِ لِلفيتاميناتِ والزُّيوتِ الطَّيّارَةِ وَتَغَيُّرِ اللَّوْن.

لَكِنَّ التِّكْنولوجْيا الحَديثَةَ ساهَمَتْ في التَّحَكُّمِ الدَّقيقِ بِالحَرارَةِ والمُحْتَوى الرُّطوبِيِّ وَسُرْعَةِ الهَواءِ داخِلَ نُظُمِ التَّبْريدِ الحَديثَة، خاصَّةً في ظِلِّ أَنْظِمَةِ التَّحَكُّمِ الذَّكِيَّة. وَتَحَوَّلَ التَّجْفيفُ إلى عَمَلِيَّةٍ مُتَقَدِّمَةٍ تَعْتَمِدُ على مُجَفِّفاتٍ صِناعِيَّةٍ تَعْمَلُ بِكَفاءَةٍ عالِيَةٍ مِنْ حَيْثُ اسْتِهْلاكُ الطّاقَةِ وَإِعادَةُ تَدْويرِ الهَواءِ السّاخِن، وَتَحَسَّنَتْ كَفاءَةُ عَمَلِيّاتِ التَّبَادُلِ الحَرارِيّ، بِالإِضافَةِ إلى ظُهورِ تَقْنِيّاتٍ جَديدَةٍ مِثْلَ التَّجْفيفِ بِالتَّجْميدِ لِلمُنْتَجاتِ ذاتِ القيمَةِ الغِذائِيَّةِ والسّوقِيَّةِ المُرْتَفِعَة، مِثْلَ بَعْضِ أَنْواعِ الفاكِهَةِ عالِيَةِ الجَوْدَةِ والنَّباتاتِ الطِّبِّيَّةِ والعِطْرِيَّة، وَتَتَمَيَّزُ تِلْكَ الطَّريقَةُ بِالحِفاظِ على القيمَةِ الغِذائِيَّةِ واللَّوْنِ والطَّعْم.

وَهُنالِكَ أَيْضًا المُجَفِّفاتُ الصِّناعِيَّةُ المُطَوَّرَة، والتي تَعْتَمِدُ على الهَواءِ السّاخِنِ والمُزَوَّدَةُ بِنُظُمٍ لِلتَّحَكُّمِ الدَّقيق، وَتَتَمَيَّزُ بِإِمْكانِيَّةِ اسْتِخْدامِها على مَدارِ العامِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الظُّروفِ المُناخِيَّة، وَكَذَلِكَ نُظُمُ التَّجْفيفِ بِالتَّفْريغ، والتي تَعْتَمِدُ على خَفْضِ الضَّغْطِ الهَوائِيِّ داخِلَ غُرَفِ التَّخْزين، مِمّا يَسْمَحُ بِتَبَخُّرِ المِياهِ مِنَ المُنْتَجِ عِنْدَ دَرَجاتِ حَرارَةٍ مُنْخَفِضَة، مِمّا يُناسِبُ المَحاصيلَ الحَسّاسَةَ لِدَرَجاتِ الحَرارَةِ المُرْتَفِعَة، مِثْلَ الأَعْشابِ الطِّبِّيَّةِ والعِطْرِيَّة.

وَظَهَرَتْ أَيْضًا أَنْواعٌ جَديدَةٌ مِنَ المُجَفِّفاتِ التي تَعْمَلُ بِالأَشِعَّةِ تَحْتَ الحَمْراء، والتي تُجَفِّفُ الماءَ المَوْجودَ داخِلَ المُنْتَجِ خِلالَ فَتَراتٍ زَمَنِيَّةٍ قَصيرَة، وَهُنالِكَ المُجَفِّفاتُ التي تَعْمَلُ بِالمايْكْروويف، والتي تُناسِبُ المَحاصيلَ التي تَحْتاجُ إلى فَتَراتٍ قَصِيرَةٍ لِإِتْمامِ التَّجْفيف.

وَلَقَدْ ظَهَرَتْ تَصْميماتٌ حَديثَةٌ لِلمُجَفِّفاتِ الشَّمْسِيَّةِ تَتَمَيَّزُ بِانْخِفاضِ التَّكاليفِ لِاعْتِمادِها على الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ في تَسْخينِ الهَواء، وَتَتَمَيَّزُ عَنِ الطُّرُقِ التَّقْليدِيَّةِ بِقُدْرَتِها على تَقْليلِ فَتَراتِ التَّجْفيفِ والحِفاظِ على جَوْدَةِ المُنْتَجاتِ وَتَقْليلِ الِانْبِعاثاتِ الكَرْبونِيَّة، وَتُعْتَبَرُ مِنْ أَنْسَبِ الطُّرُقِ لِلمِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ نَظَرًا لِتَوَفُّرِ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّةِ فيها طَوالَ العامِ بِمُسْتَوَياتٍ عالِيَةٍ تَصِلُ إلى ما يَتَراوَحُ بَيْنَ 200 وَ3200 كيلوواط ساعَة/م٢ سَنَوِيًّا، وَهِيَ نِسْبَةٌ مُلائِمَةٌ لِتَشْغيلِ المُجَفِّفاتِ الشَّمْسِيَّةِ بِأَعْلى كَفاءَةٍ وَأَقَلِّ تَكاليف.

اهتمام كبير من قبل الدول العربية بصناعة التجفيف

وَهُنالِكَ أَيْضًا بَرامِجُ التَّحْليلِ الذَّكِيَّةُ التي يُمْكِنُها تَحْديدُ أَفْضَلِ ظُروفِ التَّجْفيفِ لِكُلِّ مَحْصول، مع مُراقَبَةِ عَمَلِيَّةِ التَّجْفيفِ عَنْ بُعْدٍ عَبْرَ الحَواسيبِ والهَواتِفِ الذَّكِيَّة، وَإِرْسالِ تَنْبيهاتٍ في حالِ حُدوثِ أَيِّ خَلَل.

وَباتَ هُناكَ اهْتِمامٌ كَبيرٌ مِنْ قِبَلِ العَديدِ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ بِصِناعَةِ التَّجْفيف، وَتُعَدُّ مِصْرُ مِنَ الدُّوَلِ الرّائِدَةِ في تَجْفيفِ الخُضَرِ والفَواكِهِ والأَعْشابِ الطِّبِّيَّة، وَذَلِكَ نَتيجَةَ تَمَيُّزِها بِمَحاصيلَ ذاتِ جَوْدَةٍ عالِيَةٍ مِنْ حَيْثُ الطَّعْمُ والنَّكْهَةُ والقيمَةُ الغِذائِيَّة، بِالإِضافَةِ إلى الإِنْتاجِيَّةِ الكَبيرَة، حَيْثُ تَحْتَلُّ المَرْكَزَ الـ12 عالَمِيًّا في إِنْتاجِ الخُضَرِ والفاكِهَةِ بِما يُقَدَّرُ بِنَحْوِ 14 مِلْيونَ طُنٍّ سَنَوِيًّا، مِمّا يُتيحُ لَها فُرَصًا تَصْديرِيَّةً مُتَزَايِدَة، مع إِمْكانِيَّةِ تَحْويلِها إلى مَرْكَزٍ إِقْليمِيٍّ لِلمَحاصيلِ المُجَفَّفَة.

وَتَحْتَلُّ مِصْرُ المَرْكَزَ الثّانِيَ عالَمِيًّا في تَصْديرِ الطَّماطِمِ المُجَفَّفَةِ والمُرَكَّزَةِ بِنَحْوِ 100 مِلْيونِ دولارٍ سَنَوِيًّا، كَما تُصَدِّرُ البَصَلَ المُجَفَّفَ بِقيمَةِ 69 مِلْيونَ دولار، بِالإِضافَةِ إلى صادِراتِها مِنَ الثّومِ والكرْدية والنَّباتاتِ الطِّبِّيَّةِ والعِطْرِيَّةِ المُجَفَّفَة.

وَتُعْتَبَرُ السُّعودِيَّةُ مِنْ أَكْبَرِ مُنْتِجي التُّمورِ المُجَفَّفَةِ عالَمِيًّا، حَيْثُ تُصَدِّرُ التُّمورَ إلى أَكْثَرَ مِنْ 100 دَوْلَة، بِقيمَةٍ تَصِلُ إلى حَوالَيْ 452 مِلْيونَ دولارٍ سَنَوِيًّا. كَما تُشْتَهَرُ كُلٌّ مِنْ تونِسَ والمَغْرِبِ والجَزائِرِ بِإِنْتاجِ التّينِ والبَرْقوقِ المُجَفَّف، بِالإِضافَةِ إلى الأَعْشابِ الطِّبِّيَّة، وَتَصِلُ قيمَةُ صادِراتِها مُجْتَمِعَةً إلى حَوالَيْ 641 مِلْيُونَ دولارٍ سَنَوِيًّا.

فيما تَتَمَيَّزُ كُلٌّ مِنَ الأُرْدُنِّ واليَمَنِ وَسَلْطَنَةِ عُمانَ بِإِنْتاجِ الأَعْشابِ الطِّبِّيَّةِ المُجَفَّفَة، مِثْلَ الزَّعْتَرِ والبابونِجِ والميرَمِيَّة، بَيْنَما تَلْعَبُ الإِماراتُ دَوْرًا مُهِمًّا في إِعادَةِ تَصْديرِ المُنْتَجاتِ المُجَفَّفَةِ عَبْرَ نُظُمِ التَّعْبِئَةِ والتَّغْليفِ المُتَقَدِّمَةِ والمَرافِئِ والبُنْيَةِ اللّوجيسْتِيَّةِ القَوِيَّة، لِتَصِلَ قيمَةُ صادِراتِها مِنَ المُنْتَجاتِ المُجَفَّفَةِ إلى نَحْوِ مِلْيارِ دولارٍ سَنَوِيًّا.

تطوير هذا القطاع لن يتحقّق إلا من خلال استراتيجية للتعاون المشترك بين الدول العربية

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِك، فَإِنَّ هَذا القِطاعَ ما زالَ في مَراحِلِهِ الأولى، وَيَحْتاجُ إلى دَعْمٍ حُكومِيٍّ واسْتِثْماراتٍ ضَخْمَةٍ لِتَطْويرِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ واللّوجيسْتِيَّة، والعَمَلِ على زِيادَةِ فُرَصِ الإِنْتاجِ والِاسْتِفادَةِ مِنَ الميزاتِ النِّسْبِيَّةِ لِلمِنْطَقَة، والتي مِنْ أَهَمِّها تَمَيُّزُ جَوْدَةِ المَحاصيلِ الزِّراعِيَّةِ وَتَوَفُّرُ الطّاقَةِ الشَّمْسِيَّة، وَلَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ إِلّا مِنْ خِلالِ اسْتراتيجِيَّةٍ لِلتَّعاوُنِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، عَبْرَ تَبادُلِ الِاسْتِثْماراتِ والخِبْرات، وَدَعْمِ البَحْثِ العِلْمِيّ، وَنَقْلِ التِّكْنولوجْيا، وَتَدْريبِ الكَوادِرِ الفَنِّيَّة، مع الِالتِزامِ بِمَعاييرِ الجَوْدَةِ العالَمِيَّة، وَفَتْحِ أَسْواقِ تَصْديرٍ جَديدَةٍ وَمُتَنَوِّعَة، لِتَكونَ صِناعَةُ التَّجْفيفِ مِنْ أَهَمِّ مَصادِرِ دَعْمِ الِاقْتِصادِ الزِّراعِيِّ وَتَحْقيقِ الأَمْنِ الغِذائِيِّ العَرَبِيّ.


(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن