اقتصاد ومال

العَرَب.. والسيّاراتُ الصينِيَّة!بَينَ المَخاطِرِ المُحدِقَةِ والفُرَصِ السّانِحَة

بَيْنَما تَخْشى الدُّوَلُ المُتَقَدِّمَةُ مِثْلَ اليابانِ وَأوروبّا وَأَميرِكا طَفْرَةَ السَّيّاراتِ الصّينِيَّة، لا سِيَّما الكَهْرَبائِيَّة، بِسَبَبِ تَنافُسِيَّتِها السِّعْرِيَّةِ وَالتَّقَدُّمِ التِّكْنولوجِيِّ الذي حَقَّقَتْه، فَإِنَّ صِناعَةَ السَّيّاراتِ الصّينِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ تُمَثِّلَ فُرْصَةً ذَهَبِيَّةً لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّة، كَما تَحْمِلُ في الوَقْتِ ذاتِهِ مَخاطِرَ تُهَدِّدُ بِوَأْدِ صِناعَةِ السَّيّاراتِ الوَليدَةِ في الدُّوَلِ العَرَبِيَّة.

العَرَب.. والسيّاراتُ الصينِيَّة!
بَينَ المَخاطِرِ المُحدِقَةِ والفُرَصِ السّانِحَة

على عَكْسِ ما هُوَ شائِعٌ فَإِنَّ التَّقَدُّمَ في صِناعَةِ السَّيّاراتِ الصّينِيَّةِ لا يَقْتَصِرُ على السَّيّاراتِ الكَهْرَبائِيَّةِ وَالبَطّارِيات، بَل يَمْتَدُّ إلى سَيّاراتِ الوَقودِ الأُحْفورِيِّ أَيْضًا، ناهيكَ عَنْ تَقَدُّمِها اللّافِتِ في اسْتِخْدامِ الرّوبوتاتِ في تَصْنيعِ السَّيّارات.

على سَبيلِ المِثال، شَرِكَةُ "جيلي" الصّينِيَّةُ أَعْلَنَتْ مُؤَخَّرًا ابْتِكارَها لِمُحَرِّكِ الِاحْتِراقِ الدّاخِلِيِّ الأَكْثَرِ كَفاءَةً حَرارِيَّةً عالَمِيًّا، وَهُوَ إِنْجازٌ يُوَفِّرُ الوَقودَ بِشَكْلٍ كَبيرٍ وَقَدْ يُغَيِّرُ طَبيعَةَ اسْتِخْدامِ مُحَرِّكاتِ البَنْزينِ على المَدى الطَّويل.

وَتُشيرُ جَمْعِيَّةُ مُهَنْدِسي السَّيّاراتِ الدَّوْلِيَّةِ إلى أَنَّ الكَفاءَةَ الحَرارِيَّةَ لِبَعْضِ مُحَرِّكاتِ شَرِكَةِ "GAC" الصّينِيَّةِ الهَجينَة، أَفْضَلُ مِنَ المُحَرِّكاتِ المُناظِرَةِ لِشَريكَتِها "تويوتا" اليابانِيَّةِ الشَّهيرَة.

كَما أَظْهَرَ تَقْريرٌ لِمُؤَسَّسَةِ "J.D Power" الأَميرْكِيَّةِ الخاصِّ بِالصّينِ لِعامِ 2026، الذي يَقيسُ جَوْدَةَ السَّيّارَةِ خِلالَ أَوَّلِ شَهْرَيْنِ إلى سِتَّةِ أَشْهُر، أَنَّهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ تَفَوَّقَتِ العَلاماتُ الصّينِيَّةُ المَحَلِّيَّةُ في المُتَوَسِّطِ العامِّ بِالجَوْدَةِ الأَوَّلِيَّةِ على العَلاماتِ العالَمِيَّةِ العامِلَةِ في الصّين، فيما يَذْكُرُ تَقْريرُ الِاعْتِمادِيَّةِ طَويلَةِ الأَمَدِ مِنْ 13 إلى 48 شَهْرًا لِعامِ 2024 أَنَّ الفَجْوَةَ بَيْنَ الشَّرِكاتِ الصّينِيَّةِ وَاليابانِيَّةِ تَقَلَّصَتْ بِصورَةٍ كَبيرَة.

ينبغي أن تتعامل الدول العربية ككتلة واحدة مع الشركات الصينية وألا تفتح لها السوق إلا بشرط "نقل التكنولوجيا"

على الصَّعيدِ العَرَبِيّ، تُتيحُ صِناعَةُ السَّيّاراتِ فُرَصًا واعِدَةً لِأَنَّها تُوَفِّرُ وَظائِفَ بِكَثافَةٍ وَتُوَلِّدُ قيمَةً مُضافَةً جَيِّدَة، وَالأَهَمُّ أَنَّها مُناسِبَةٌ لِظُروفِ المِنْطَقَةِ الَّتي تَشْهَدُ قُصورًا في المُواصَلاتِ العامَّةِ وَتَشْتَهِرُ بِالعائِلاتِ الكَبيرَةِ نِسْبِيًّا، فَضْلًا عَنْ أَنَّ صِناعَةَ السَّيّاراتِ تَعْتَمِدُ على مُدْخَلاتٍ مُتَوَفِّرَةٍ في المِنْطَقَةِ مِثْلَ الصِّناعاتِ المَعْدِنِيَّةِ وَالبْلاسْتيكِيَّةِ وَالكَهْرَبائِيَّةِ وَالطّاقَةِ الرَّخيصَة.

كَما أَنَّ اسْتيرادَ السَّيّاراتِ يُشَكِّلُ عِبْئًا كَبيرًا على الميزانِ التِّجارِيِّ لِأَغْلَبِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، وَإِيجادُ بَديلٍ مَحَلِّيٍّ يُعَدُّ ضَرورَةً اقْتِصادِيَّة.

وَلَقَدْ حَقَّقَ المَغْرِبُ نَجاحًا كَبيرًا في صِناعَةِ السَّيّارات، وَبَدَأَتْ مِصْرُ تَتَقَدَّمُ في هَذا المَجالِ وَوَضَعَتِ اسْتراتيجِيَّةً جَديدَةً لِصِناعَةِ السَّيّارات، كَما بَدَأَتِ السُّعودِيَّةُ وَالجَزائِرُ خُطُواتٍ في هَذا الصَّدَد.

وَتُمَثِّلُ صِناعَةُ السَّيّاراتِ الصّينِيَّةِ أَكْبَرَ خَطَرٍ على صِناعَةِ السَّياراتِ العَرَبِيَّةِ الوَليدَة، وَأَكْبَرَ شَريكٍ مُحْتَمَلٍ لَها في الوَقْتِ ذاتِه، في ظِلِّ فُقْدانِ صِناعَةِ السَّيّاراتِ الأوروبِّيَّةِ وَاليابانِيَّةِ لِتَنافُسِيَّتِها السِّعْرِيَّة، لِدَرَجَةٍ أَنَّ سَيّاراتٍ صينِيَّةً تُباعُ في مِصْرَ بِنَحْوِ ثُلُثَيْ ثَمَنِ نَظيرَتِها الأوروبِّيَّةِ على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ عَلَيْها جَمارِكَ وَضَرائِبَ تُقَدَّرُ بِنَحْوِ 60%؜، مُقابِلَ ضَرائِبَ وَرُسومٍ تَتَراوَحُ ما بَيْنَ 18 وَ20%؜ لِلْأوروبِّيَّة.

وَمع مُعاناةِ الشَّرِكاتِ الصّينِيَّةِ مِنْ فائِضٍ هائِلٍ في الطّاقَةِ الإِنْتاجِيَّةِ جَرّاءَ التَّضْييقِ الغَرْبِيِّ وَالرُّكودِ الدّاخِلِيِّ وَتَراجُعِ المَبيعاتِ المَحَلِّيَّةِ مِنْ سَيّاراتِ الوَقودِ الأُحْفورِيّ، فَإِنَّ بِكّينَ تَتَوَسَّعُ في التَّصْديرِ إلى الأَسْواقِ غَيْرِ الغَرْبِيَّةِ مِثْلَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، مِمّا قَدْ يُسَبِّبُ مُشْكِلاتٍ لِهذِهِ الدُّوَل.

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الشَّرِكاتِ الصّينِيَّةَ بَدَأَتْ تَبْني مُنْشَآتٍ لِتَجْميعِ السَّيّاراتِ في بَعْضِ الأَسْواقِ النّاشِئَةِ مِثْلَ مِصْرَ وَالمَغْرِب، فَإِنَّ هُناكَ حاجَةً لِلضَّغْطِ عَلَيْها لِتَعْميقِ التَّصْنيعِ وَالتَّخَلّي عَنِ التَّحَفُّظِ الصّينِيِّ التَّقْليدِيِّ على نَقْلِ التِّكْنولوجْيا. وَلَكِنَّ هذا لَنْ يَتَحَقَّقَ إِلّا إِذا تَعامَلَتِ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ كَكُتْلَةٍ واحِدَةٍ مع شَرِكاتِ السَّيّاراتِ الصّينِيَّة، وَأَلّا تَفْتَحَ لَها السّوقَ إِلّا بِهذِهِ الشُّروط، في ظِلِّ حاجَةِ بِكّينَ لِلأَسْواقِ العَرَبِيَّة.

يجب تحويل الاستراتيجيات القُطْرية لصناعة السيارات إلى استراتيجية عربية قومية تُراعي نقاط قوّة كلّ دولة

وَفي هذا الإِطار، يُمْكِنُ أَنْ تُشَجِّعَ الحُكوماتُ العَرَبِيَّةُ عَدَدًا مِنَ الشَّرِكاتِ العَرَبِيَّةِ الوَطَنِيَّةِ الكُبْرى العامِلَةِ في مَجالِ السَّيّاراتِ على إِبْرامِ شَراكاتٍ مع المُؤَسَّساتِ الصّينِيَّةِ لِإِنْتاجِ السَّيّاراتِ عَرَبِيًّا، خاصَّةً أَنَّ هُناكَ حالِيًّا شَرِكاتٍ عَرَبِيَّةً خاصَّةً عِمْلاقَةً تَعْمَلُ في مَجالِ السَّيّارات، بَعْضُها أَصْبَحَ لَدَيْهِ نَشاطٌ عابِرٌ لِلحُدودِ القُطْرِيَّة، وَلَكِنَّ هذا يَتَطَلَّبُ خَلْقَ ما يُشْبِهُ سوقًا عَرَبِيَّةً مُوَحَّدَةً لِلسَّيّارات، وَهُوَ شَرْطٌ ضَرورِيٌّ لِإِقامَةِ صِناعَةِ سَيّاراتٍ ناجِحَةٍ في المِنْطَقَةِ بِسَبَبِ صِغَرِ أَسْواقِ دُوَلِها إِذا ظَلَّتْ مُنْفَرِدَة، وَيُمْكِنُ تَوْزيعُ قِطاعاتِ هذِهِ الصِّناعَةِ على دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ عِدَّةٍ بِحَيْثُ تَسْتَضيفُ كُلُّ دَوْلَةٍ المَجالَ الذي تَتَمَيَّزُ بِه، فَدَوْلَةٌ تَتَخَصَّصُ مَثَلًا في البَطّارِياتِ وَأُخْرى في الإِطاراتِ وَهكَذا.

وَيُمْكِنُ أَنْ تَسْتَثْمِرَ الصَّناديقُ السِّيادِيَّةُ العَرَبِيَّةُ في الشَّرِكاتِ الصّينِيَّة (خاصَّةً في ظِلِّ احْتِمالِ تَعَثُّرِ بَعْضِها بِسَبَبِ حِدَّةِ المُنافَسَة) بِشَرْطِ نَيْلِها لِلتِّكْنولوجْيا، خاصَّةً تِكْنولوجْيا مُحَرِّكاتِ الِاحْتِراقِ الدّاخِلِيِّ وَالهِجين، مِثْلَما فَعَلَتْ شَرِكَةُ "أَرامْكو" السُّعودِيَّةُ عَبْرَ مُساهَمَتِها في شَرِكَةِ "هُورسْ باوَر" التي أَسَّسَتْها "جيلي" الصّينِيَّةُ وَ"رينو" الفَرَنْسِيَّةُ لِإِنْتاجِ مُحَرِّكاتِ الِاحْتِراقِ الدّاخِلِيِّ وَالأَنْظِمَةِ الهَجينَة، وَالتي لَفَتَ نَجاحُها الانْتِباه.

وَيُساعِدُ على ذَلِكَ أَنَّ الأوروبِّيّينَ مُتَلَهِّفونَ بِالأَساسِ على تِكْنولوجْيا السَّيّاراتِ الكَهْرَبائِيَّةِ الصّينِيَّة، بَيْنَما يَبْدو مُسْتَقْبَلُ سوقِ مُحَرِّكاتِ الِاحْتِراقِ الدّاخِلِيِّ الصّينِيَّةِ غامِضًا في ظِلِّ تَحَوُّلِ البِلادِ السَّريعِ إلى السَّيّاراتِ الكَهْرَبائِيَّة، مِمّا يَجْعَلُ الصّينِيّينَ أَقَلَّ حَذَرًا في نَقْلِ هذِهِ التِّكْنولوجْيا إلى الخارِج.

حاجة الصين إلى التوسّع خارجيًا إذا قوبلت باستراتيجية عربية ملائمة قد تصبح فرصة ذهبية

وَلَكِنَّ هذا النَّهْجَ يَتَطَلَّبُ تَنْسيقًا وَثيقًا بَيْنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، وَتَحْويلَ الِاسْتراتيجِيّاتِ القُطْرِيَّةِ لِصِناعَةِ السَّيّاراتِ إلى اسْتراتيجِيَّةٍ قَوْمِيَّةٍ تُراعي نِقاطَ قُوَّةِ كُلِّ دَوْلَة، مع السَّماحِ بِتَعاوُنِ القِطاعَيْنِ الخاصِّ وَالعامّ، وَمَساحَةٍ مِنَ التَّنافُسِ البَيْنِيِّ العَرَبِيِّ غَيْرِ المُضِرّ، وَالِاهْتِمامِ بِالبَحْثِ العِلْمِيِّ وَالتَّدْريب، عِلْمًا بِأَنَّ الصّينَ نَفْسَها طَوَّرَتْ صِناعَةَ السَّياراتِ لَدَيْها بِمُقارَبَةٍ مُشابِهَةٍ عَبْرَ إِغْراءِ الشَّرِكاتِ الأَجْنَبِيَّةِ بِنَقْلِ التِّكْنولوجْيا مُقابِلَ فَتْحِ سوقِها الضَّخْم، مع الشَّراكَةِ مع مُؤَسَّساتٍ صينِيَّةٍ أَغْلَبُها مَمْلوكٌ للمُقاطَعات، وَبَعْضُها لِلحُكومَةِ المَرْكَزِيَّةِ وَالقِطاعِ الخاصّ، مع السَّماحِ لِكُلِّ مُقاطَعَةٍ بِدَعْمِ شَرِكاتِها في إِطارِ مُنافَسَةٍ مُنَظَّمَة.

وَيُمْكِنُ أَنْ تَشْمَلَ الشَّراكَاتُ المُقْتَرَحَةُ بَيْنَ الصّينِ وَالعَرَبِ شِراءَ صَناديقَ سِيادِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ لِعَلاماتٍ تِجارِيَّةٍ أوروبِّيَّةٍ مُتَعَثِّرَة، وَاسْتِخْدامَها لِبِناءِ سَيّاراتٍ بِتِكْنولوجْيا صينِيَّةٍ وَاسْمٍ غَرْبِيٍّ عَريقٍ لِتَجِدَ قَبولًا لَدى المُسْتَهْلِكينَ العَرَبِ وَالأوروبِّيّين، وَهُوَ نَهْجٌ باتَتْ تَتَّبِعُهُ شَرِكاتٌ أوروبِّيَّةٌ وَصينِيَّة.

يَقِفُ العَرَبُ أَمامَ فُرْصَةٍ تاريخِيَّةٍ لِبِناءِ صِناعَةِ سَياراتٍ مَحَلِّيَّة، فَحاجَةُ الصّينِ إلى التَّوَسُّعِ خارِجِيًّا إِذا قوبِلَتْ بِاسْتراتيجِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ مُلائِمَةٍ قَدْ تُصْبِحُ فُرْصَةً ذَهَبِيَّة، وَإِلّا فَقَدْ تَتَحَوَّلُ اللَّحْظَةُ الصّينِيَّةُ هذِهِ إلى مَقْبَرَةِ صِناعَةِ السَّياراتِ العَرَبِيَّةِ وَهِيَ لا تَزالُ في المَهْد!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن