لِماذا تَدَهْوَرَ التَّعْليمُ الجامِعِيّ؟

تَراجُعُ مُسْتَوى التَّعْليمِ الجامِعِيِّ ظاهِرَةٌ لا تَقْتَصِرُ على العالَمِ العَرَبِيّ. فَفي كُلِّ بُلْدانِ العالَم، وَبِنِسَبٍ مُتَفاوِتَة، ثَمَّةَ تَعْليمٌ جامِعِيٌّ مُتَدَنّي المُسْتَوى. فَفي الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ حَيْثُ أَرْقى الجامِعاتِ وَأَشْهَرُها، توجَدُ جامِعاتٌ تُقَدِّمُ شَهاداتِ الدُّكْتوراهِ جاهِزَة. وَيُمْكِنُ لِلمَرْءِ أَنْ يَبْقى في بَلَدِهِ مِنْ دونِ أَنْ يَتَجَشَّمَ عَناءَ السَّفَرِ وَالِانْتِقال، وَأَنْ يَحْصُلَ على شَهادَةِ الدُّكْتوراهِ في الِاخْتِصاصِ الذي يُريدُهُ مِنْ هَذا البَلَدِ أَوْ ذاك. كُلُّ ذَلِكَ مَعْروفٌ مُنْذُ عُقودٍ عَديدَة. وَقَدْ يَكونُ لُبْنانُ بَعْدَ تَشْريعِ الجامِعاتِ الخاصَّةِ قَدْ دَخَلَ أَيْضًا في تِجارَةِ الشَّهاداتِ وَالتَّزْويرِ وَالفَساد. كُلُّ هَذا باتَ مَعْروفًا، وَيَعْرِفُ المَعْنِيّونَ بِالأَمْرِ مَنْ هُمْ أَدَواتُهُ وَمَنْ يُغَطّي هَذِهِ المُمارَساتِ التي تَدْخُلُ في بابِ الجَرائِم. وَلَكِنَّ مَوْضوعَنا يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةٍ في غايَةِ الجِدِّيَّة، وَلَسْنا أَوَّلَ مَنْ تَطَرَّقَ إِلَيْها. وَهِيَ مَسْأَلَةُ تَدَنّي مُسْتَوى الجامِعاتِ التي كانَتْ في بَداياتِها تُقَدِّمُ العِلْمَ وَتُخَرِّجُ المُتَخَصِّصينَ الذينَ يَقومونَ بِأَدْوارِهِمْ في الخِدْمَةِ الوَطَنِيَّةِ وَالِاجْتِماعِيَّة.

لِماذا تَدَهْوَرَ التَّعْليمُ الجامِعِيّ؟

مَضى على تَأْسيسِ الخاصِّ مِنَ الجامعاتِ ما يَزيدُ على القَرْنِ وَنِصْفِ القَرْن، وَما يَزيدُ على القَرْنِ مِنَ الزَّمَنِ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّعْليمِ العالي المُتَخَصِّصِ الأَهْلِيِّ وَالرَّسْمِيِّ في هَذا البَلَدِ أَوْ ذاك. بَل إِنَّ هَذِهِ المَعاهِدَ الجامِعِيَّةَ العُلْيا، كانَتْ تَسْتَقْطِبُ الرّاغِبينَ بِالعِلْمِ مِنَ البُلدانِ المُحيطَة، فَكانَ طُلّابُ بِلادِ المَشْرِقِ العَرَبِيِّ يَقْصِدونَ "إِسْتامبول" في نِهايَةِ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَرَ لِدُخولِ المَعاهِدِ العَسْكَرِيَّةِ وَالإِدارِيَّةِ وَدِراسَةِ الطِّبِّ وَالحُقوق، وَكانَتِ الجامِعَةُ الأَميرْكِيَّةُ في بَيْروتَ تَسْتَقْبِلُ الطُّلّابَ مِنَ البُلْدانِ المُحيطَةِ وَأَبْناءِ الخَليجِ العَرَبِيّ. وَأَصْبَحَتِ القاهِرَةُ قِبْلَةً لِلطَّلَبَةِ مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ كافَّة.

لم ينبُغ من أبناء العرب إلا الذين رحلوا إلى جامعات أوروبية أو أَميركية

وَالهَدَفُ الأَوَّلُ كانَ اكْتِسابَ العُلومِ الحَديثَةِ وَوَضْعَها في خِدْمَةِ الإِدارَةِ النّاشِئَةِ التي تَتَطَلَّعُ إلى إِنْشاءِ المُؤَسَّساتِ الحَديثَة، وَإلى الخِدْمَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ وَالإِنْسانِيَّةِ مَعَ طُلّابِ الحُقوقِ وَالطِّبّ، وَإلى تَرْبِيَةِ النّاشِئَةِ عَنْ طَريقِ العُلومِ الإِنْسانِيَّةِ وَالآداب. وَارْتَبَطَ التَّعْليمُ في مُسْتَوَياتِهِ كافَّةِ بِمَفْهومِ التَّقَدُّم. وَهَذِهِ فِكْرَةٌ كانَتْ قَدْ شَغَلَتْ رُوّادَ النَّهْضَةِ مِنْ رِفاعَةَ رافِعِ الطَّهْطاوِيّ الذي كَتَبَ عامَ 1872: "المُرْشِدُ الأَمينُ لِتَعْليمِ البَناتِ وَالبَنين". وُصولًا إلى طَهَ حسَيْن الذي كَتَبَ: "مُسْتَقْبَلُ الثَّقافَةِ في مِصْرَ" عامَ 1938. وَكانَتِ الفِكْرَةُ الشّائِعَةُ لَدى رُوّادِ النَّهْضَةِ وَالثَّقافَةِ وَالوَطَنِيَّة، أَنَّ التَّرْبِيَةَ هِيَ السَّبيلُ إلى تَهْذيبِ الأَفْرادِ وَتَقَدُّمِ المُجْتَمَعِ وَنَهْضَةِ الأُمَّة. وَحينَ أَصْبَحَ طَهَ حسَيْن وَزيرًا لِلمَعارِفِ في مِصْرَ عامَ 1950، أَطْلَقَ شِعارَهُ "العِلْمُ كالماءِ وَالهَواء"، أَيْ أَنَّهُ حَقٌّ لِكُلِّ فَرْدٍ وَمُواطِن، مِنْ دونِ الِاقْتِصارِ على فِئَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ دونَ أُخْرى. كَأَنَّهُ بِذَلِكَ يَقولُ بِإِلزامِيَّةِ التَّعْليمِ التي لَمْ تُصْبِحْ واقِعًا. وَفي مَرْحَلَةٍ لاحِقَةٍ طُرِحَ شِعارُ "ديموقْراطِيَّةِ التَّعْليمِ" الذي يُمْكِنُ أَنْ يُتَرْجَمَ إلى مَعانٍ مُخْتَلِفَة، أَبْرَزُها أَنَّ مَجّانِيَّةَ التَّعْليمِ أَتاحَتْ لِأَبْناءِ الفِئاتِ المَحْدودَةِ الدَّخْلِ أَنْ يَدْخُلوا إلى تَخَصُّصاتٍ كانَتْ حِكْرًا على أَبْناءِ الطَّبَقاتِ المَيْسورَة، فَصارَ ابْنُ العامِلِ وَالحِرَفِيّ طَبيبًا وَمُحامِيًا وَمُهَنْدِسًا.

غَيَّرَ التَّعْليمُ المُجْتَمَعَ فِعْلًا، فَصارَ عامِلًا مِنْ عَوامِلِ الرُّقِيِّ الِاجْتِماعِيِّ بِالمَفْهومِ الشّائِع. فَلَمْ يَعُدِ ابْنُ العائِلَةِ المالِكَةِ لِلأَراضي أَوْ أَبْناءُ التُّجّارِ المَيْسورينَ هُمُ الواجِهَةَ الِاجْتِماعِيَّة، بَل إِنَّ الوَجاهَةَ الِاجْتِماعِيَّةَ ارْتَبَطَتْ بِالحُصولِ على الشَّهادَةِ العُلْيا وَخُصوصًا في الحُقوقِ وَالطِّبِّ وَالهَنْدَسَة.

يُضافُ إلى ذَلِكَ أَنَّ أَنْظِمَةَ الِاسْتِقْلالِ وَالوَطَنِيَّةِ وَخُصوصًا في الخَمْسينِيّاتِ وَالسِّتّينِيّات، قَدْ كَرَّسَتِ التَّمْييزَ بَيْنَ الِاخْتِصاصات. فَالطُّلّابُ الذينَ يَحْصُلونَ على المُعَدَّلاتِ العُلْيا في الشَّهادَةِ الثّانَوِيَّةِ هُمُ المُؤَهَّلونَ لِلدُّخولِ إلى الِاخْتِصاصات، التي اعْتُبِرَتْ أَنَّ المُجْتَمَعَ بِحاجَةٍ إِلَيْها وَهِيَ الطِّبُّ وَالهَنْدَسَة. أَمّا أَصْحابُ المُعَدَّلاتِ المُتَدَنِّيَةِ فَيَذْهَبونَ إلى كُلِّياتِ العُلومِ الإِنْسانِيَّةِ وَالِاجْتِماعِيَّة. وَكَأَنَّ المُجْتَمَعَ لَيْسَ بِحاجَةٍ إلى هَذِهِ التَّخَصُّصاتِ وَلَيْسَ بِحاجَةٍ إلى مُتَخَصِّصينَ رَفيعي المُسْتَوى في اللُّغَةِ وَالتّاريخ، وَلَيْسَ بِحاجَةٍ إلى باحِثينَ في العُلومِ الِاجْتِماعِيَّةِ وَلا إلى مُفَكِّرينَ يَدْرُسونَ ما أَنْتَجَهُ الفَلاسِفَةُ على مَدى الأَزْمان.

سياسات الأنظمة هي التي تجعل الخرّيجين عاطلين عن العمل

وَلَعَلَّنا مِنْ هُنا يُمْكِنُ أَنْ نَدْخُلَ إلى العَوامِلِ التي أَدَّتْ إلى تَدَهْوُرِ التَّعْليمِ الجامِعِيّ. وَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّ السُّلُطاتِ الحاكِمَةَ كانَتْ تُريدُ عِلْمًا وَظيفِيًّا. وَكانَ المُنْتَسِبونَ إلى الكُلِّياتِ المَرْغوبَةِ يُريدونَ التَّرَقِّيَ الِاجْتِماعِيّ. وَهَذِهِ الأَهْدافُ أَوِ الأَغْراضُ لَيْسَتْ تِلْكَ التي يُمْكِنُ إِدانَتُها أَوِ انْتِقادُها. وَلَكِنَّ المُشْكِلَةَ أَنَّ كُلِّياتِ الطِّبِّ وَالهَنْدَسَةِ وَالفيزْياءِ وَالرِّياضِيّاتِ لَمْ تَتَطَوَّرْ إلى كُلِّيّاتٍ لِلبَحْثِ العِلْمِيّ، وَلَعَلَّها في أَوْجِها خَرَّجَتْ أَطِبّاءَ وَمُهَنْدِسينَ وَأَساتِذَةً مَرْموقين، إِلّا أَنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَسْلُكْ بَعْضُهُمْ أَوْ قِلَّةٌ مِنْهُمْ طَريقَ البَحْثِ. ذَلِكَ أَنَّ الذِّهْنِيَّةَ المُهَيْمِنَةَ لَمْ تُفَكِّرْ في أَنَّ الجامِعاتِ هِيَ مُخْتَبَراتٌ لِلعِلْمِ وَأَرْوِقَةٌ لِتَحْفيزِ الأَفْكار. وَمِنْ هُنا، فَإِنَّنا لَمْ نَسْمَعْ أَنَّ أَيَّ جامِعَةٍ في أَيِّ بَلَدٍ عَرَبِيٍّ قَدْ خَرَّجَتْ عالِمًا ذَرِّيًّا أَوْ طَوَّرَتْ دَواءً أَوْ عِقارًا طِبِّيًّا. وَلَمْ يَنْبُغْ مِنْ أَبْناءِ العَرَبِ إِلّا الذينَ حَالَفَهُمُ الحَظّ، وَرَحَلوا إلى جامِعاتٍ أوروبِّيَّةٍ أَوْ أَميرْكِيَّةٍ حَيْثُ ظَهَرَتْ مَوَاهِبُهُم.

وَإِذا كانَتِ الفَتْرَةُ اللّيبيرالِيَّةُ التي عَرَفَها العالَمُ العَرَبِيُّ في النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنَ القَرْنِ العِشْرينَ قَدْ شَهِدَتْ بُروزَ أَسْماءٍ بارِزَةٍ في الأَدَبِ وَالفَلْسَفَةِ وَالتّاريخ، فَإِنَّ التَّحَوُّلَ الذي عَرَفَتْهُ العَديدُ مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ نَحْوَ الأَنْظِمَةِ الإيدْيولوجِيَّةِ وَالحِزْبِ الواحِدِ قَدْ جَعَلَتْ هَدَفَها الأَوَّلَ هُوَ مُراقَبَةُ الفِكْرِ وَالمُفَكِّرين، وَكانَتِ الجامِعاتُ وَخُصوصًا كُلِّياتُ العُلومِ الإِنْسانِيَّةِ وَالِاجْتِماعِيَّةِ مَيْدانَ رِقابَةٍ صارِمَةٍ على الأَفْكار، مع اعتِبارِ طَلَبَتِها "أَدْنى مُسْتَوًى"، وَأَنَّ العُلومَ التي تُقَدِّمُها هَذِهِ الكُلِّياتُ لا نَفْعَ اجْتِماعِيًّا لَها، وَلا وَظائِفَ اجْتِماعِيَّةَ لَها، وَأَنَّها كُلِّياتٌ تُخَرِّجُ العاطِلينَ عَنِ العَمَل. عِلْمًا بِأَنَّ سِياساتِ هَذِهِ الأَنْظِمَةِ هِيَ التي تَجْعَلُ كُلَّ الخِرّيجينَ في كُلِّ الِاخْتِصاصاتِ بِمَثابَةِ عاطِلينَ عَنِ العَمَل، فَهِيَ مِنْ جِهَةٍ تُمارِسُ سِياسَةَ خَفْضِ مُسْتَوى التَّعْليمِ ما قَبْلَ الجامِعِيّ، وتَعتَبِرُ مِن جِهَةٍ أُخرى العِلْمَ الجامِعِيَّ مُتاحًا لِلجَميع، مِنْ دونِ أَيِّ تَخْطيطٍ أَوْ دِراسَةٍ لِلحاجاتِ الِاجْتِماعِيَّة.

لا يمكن أن يتقدّم مجتمع إذا لم تكن الجامعات ميدانًا للرأي الحرّ والبحث العلمي

لِهَذا فَإِنَّ الذينَ تَنْتَظِرُهُمُ البِطالَةُ لَيْسوا فَقَطْ خِرّيجي الكُلِّياتِ النَّظَرِيَّةِ كَما يُطْلَقُ على كُلِّياتِ الإِنْسانِيّاتِ وَالِاجْتِماعِيّات، بَل أَصْبَحَ كُلُّ الخِرّيجينَ بِمَثابَةِ العاطِلينَ عَنِ العَمَل، يَسْعَوْنَ إلى الهِجْرَةِ وَفي مُقَدِّمَتِهِمُ الأَطِبّاءُ وَالمُهَنْدِسون. عَدا عَنْ حَمَلَةِ إِجازاتِ التِّجارَةِ وَالإِدارَةِ وَالآدابِ الذينَ يَسْعَوْنَ إلى الهِجْرَةِ وَيَرْضَوْنَ بِالعَمَلِ في مَحَطّاتِ الوَقودِ أَوْ في المَطاعِمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَتَطَلَّبُ إِجازَةً جامِعِيَّة.

وَإِذا كُنّا نَتَأَخَّر، فَإِنَّ أَحَدَ الأَسْبابِ الرَّئيسِيَّةِ هُوَ تَخَلُّفُ التَّعْليمِ الجامِعِيِّ في البُلْدانِ العَرَبِيَّة. وَلا يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَدَّمَ مُجْتَمَعٌ إِذا لَمْ تَكُنِ الجامِعاتُ مَيْدانًا لِلرَّأْيِ الحُرِّ وَالبَحْثِ العِلْمِيّ.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن