وجهات نظر

ترامب وَدَوْرٌ سورِيٌّ في لبنان؟!

مُنْذُ سُقوطِ نِظامِ الأَسَدِ في سورْيا، وَحُلولِ نِظامٍ صَديقٍ لِلْوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ مَحَلَّه، بَدا أَنَّ السِّياسَةَ الأَميرْكِيَّةَ قَدْ وَجَدَتْ ضالَّتَها في هَذا النِّظام، كَيْ يُعينَهَا على مُواجَهَةِ تَعْقيداتِ المَشْهَدِ اللُّبْنانِيّ. فَفي 11 يولْيو/تَمّوز 2025، أَقْدَمَ توم باراك، مَبْعوثُ الرَّئيسِ الأَميرْكِيِّ إلى لُبْنان، على أولى سَقَطاتِهِ المُرَوِّعَةِ بِتَصْريحِهِ بِأَنَّ لُبْنانَ "يواجِهُ تَهْديدًا وُجودِيًّا وَإِذا لَمْ تَتَحَرَّكْ بَيْروتُ فَإِنَّ لُبْنانَ قَدْ يَعودُ إلى بِلادِ الشّامِ مَرَّةً أُخْرى"، وَهُوَ تَصْريحٌ يُمَثِّلُ قِمَّةَ الحَماقَة، فَلُبْنانُ يواجِهُ تَهْديدًا وُجودِيًّا، وَإِذا لَمْ يَتَحَرَّكْ لِمُواجَهَتِه فَسَيَكونُ مَصيرُهُ هُوَ العَصْفَ بِوُجودِه!. وَبِالنَّظَرِ إلى ما أَحْدَثَهُ هَكَذا تَصْريحٌ مِنْ غَضَبٍ في الدَّوائِرِ اللُّبْنانِيَّة، سارَعَ باراك في اليَوْمِ التّالي إلى القَوْلِ بِأَنَّ هَذا التَّصْريحَ قَدْ أُسيءَ فَهْمُه! مِنْ دونِ أَنْ يوضِحَ لَنا مَا الذي كانَ يَقْصِدُهُ إِذَنْ بِهَذا التَّصْريحِ شَديدِ الوُضوح، خُصوصًا أَنَّ تَصْريحاتٍ أُخْرى تُلَمِّحُ إلى المَعْنى عَيْنِهِ نُسِبَتْ لِلرَّجُلِ في أَوْقاتٍ أُخْرى.

ترامب وَدَوْرٌ سورِيٌّ في لبنان؟!

قَبْلَ هَذِهِ السَّقْطَة، في يونْيو/حُزَيْران 2025، كانَ دونالد ترامب قَدْ بَدَأَ العَزْفَ على نَغْمَةِ إيجادِ دَوْرٍ لِسورْيا في لُبْنان، وَذَلِكَ في قِمَّةِ النّاتو في لاهاي، وَكَشَفَ أَنَّهُ ناقَشَ الفِكْرَةَ مَعَ أحمد الشَّرْع، وَعادَ لِلتَّأْكيدِ على الفِكْرَةِ في قِمَّةِ السَّبْعِ الأَخيرَةِ في 16 يونْيو/حُزَيْران الماضي، عِنْدَما اقْتَرَحَ على إِسْرائيلَ تَرْكَ مَلَفِّ "حِزْبِ اللهِ" لِتَتَعامَلَ مَعَهُ سورْيا، مُعْتَبِرًا أَنَّها قادِرَةٌ على القِيامِ بِالمُهِمَّةِ بِشَكْلٍ أَفْضَل.

وَكَرَّرَ ترامب الفِكْرَةَ عَيْنَها يَوْمَ 21 مِنَ الشَّهْرِ عَيْنِهِ في مُقابَلَةٍ مَعَ "فوكْسْ نْيوز"، مُعبَِّرًا عَن إِحْباطِهِ مِنْ وَتيرَةِ العَمَلِيّاتِ العَسْكَرِيَّةِ الإِسْرائيلِيَّةِ وَتَدْميرِ الأَبْنِيَة. وَأَخيرًا، مُنْذُ أَيّام (15 يولْيو/تَمّوز)، أَكَّدَ بِشَيْءٍ مِنَ التَّفْصيلِ المَعْنى نَفْسَهُ في مُقابَلَةٍ مَعَ المَحَطَّةِ عَيْنِها، فَاقْتَرَحَ مَنْحَ الشَّرْعِ تَفْويضًا لِلتَّعامُلِ مَعَ "حِزْبِ الله"، مُعْتَبِرًا أَنَّهُ سَيَكونُ أَكْثَرَ دِقَّةً مِنْ إِسْرائيلَ في هَذِهِ المُهِمَّة، وَقادِرًا على مُعالَجَةِ المَلَفِّ مِنْ دونِ اللُّجوءِ إلى عَمَلِيّاتِ التَّدْميرِ الواسِعَةِ لِلْمَباني وَالبُنى التَّحْتِيَّة.

ردود فعل الشرع على مقترحات ترامب كانت في منتهى الاتزان

لَيْسَ واضِحًا مَا هُوَ تَصَوُّرُ ترامب لِهَذا الدَّوْرِ السورِيِّ الذي يَتَحَمَّسُ لَه، وَمِنْ بابِ المَوْضوعِيَّةِ فَإِنَّ البُعْدَ الإيجابِيَّ الوَحيدَ في فِكْرَتِهِ هُوَ انْتِقادُهُ غَيْرُ المُباشِرِ لِلسُّلوكِ الهَمَجِيِّ الإِسْرائيلِيّ، لَكِنَّ المُهِمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ الآلِيَّةُ التي يَتَصَوَّرُها لِهَذا الدَّوْر، لِأَنَّهُ لَوْ كانَ يَتَصَوَّرُهُ دَوْرًا عَسْكَرِيًّا، فَلَيْسَ مِنَ المَقْبولِ أَنْ يَنْجَحَ الشَّرْعُ فيما أَخْفَقَتْ فيهِ إِسْرائيل، ناهيكَ بِما سَوْفَ يُسَبِّبُهُ هَكَذا دَوْرٌ مِنْ إِشْعالٍ هائِلٍ لِلْمَوْقِفِ الدّاخِلِيِّ في لُبْنانَ وِفْقًا لِخُطوطٍ طائِفِيَّة. وَلَوْ كانَ يَتَصَوَّرُهُ دَوْرًا سِياسِيًّا، فَلا يُمْكِنُ لِعاقِلٍ أَنْ يَتَصَوَّرَ تَوَفُّرَ مُقَوِّماتِ هَذا الدَّوْرِ في نِظامِ الشَّرْعِ ذي الصِّبْغَةِ الطّائِفيةِ الواضِحَة.

وَلِلْأَمانَة، فَإِنَّ رُدودَ فِعْلِ الشَّرْعِ على مُقْتَرَحاتِ ترامب مُنْذُ بِدايَتِها كانَتْ في مُنْتَهى الِاتِّزان، فَقَدْ لَفَتَ إلى أَنَّ تَصْريحاتِ ترامب قَدْ فُهِمَتْ بِشَكْلٍ خاطِئ، وَكَأَنَّ دِمَشْقَ تَسْتَعِدُّ لِدُخولِ لُبْنانَ عَسْكَرِيًّا، وَأَكَّدَ أَنَّ لَدَيْهِ مِنَ الشَّجاعَةِ مَا يَكْفي لِإِعْلانِ دُخولِ أَيِّ صِراعٍ أَوْ حَرْبٍ إِذا ما قَرَّرَ ذَلِك، وَأَنَّهُ بادَرَ إلى التَّواصُلِ مَعَ ترامب في إِطارِ السَّعْيِ لِوَقْفِ الحَرْبِ في لُبْنان، مُؤَكِّدًا الِاسْتِعْدادَ لِلْجُلوسِ مَعَ الأَطْرافِ اللُّبْنانِيَّةِ كافَّة، بِما فيها "حِزْبُ الله"، إِذا كانَ ذَلِكَ يَصُبُّ في مَصْلَحَةِ سورْيا وَلُبْنان. وَأَوْضَحَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ السّورِيَّةَ تَقومُ على وَقْفِ الحَرْبِ أَوَّلًا، ثُمَّ مُعالَجَةِ تَداعِياتِها السِّياسِيَّةِ وَالِاقْتِصادِيَّةِ وَالِاجْتِماعِيَّة، وَشَدَّدَ على أَنَّ الحُلولَ المُجْتَزَأَةَ لا تُحَقِّقُ الِاسْتِقْرار، بَلْ تَخْلُقُ مُشْكِلاتٍ أَكْبَرَ، مُؤَكِّدًا ضَرورَةَ الرَّبْطِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ القُوى اللُّبْنانِيَّة، مَعَ الإِشارَةِ إلى وُجودِ جُرْحٍ سورِيٍّ مِنْ مُمارَساتِ "حِزْبِ الله". وَكَما سَبَقَتِ الإِشارَة، فَإِنَّ تَصْريحاتِ الشَّرْعِ تَتَّسِمُ بِالِاتِّزانِ وَالوُضوح، لَكِنَّ تَوَفُّرَ مُقَوِّماتِ القِيامِ بِهَذا الدَّوْرِ يَبْدُو البُعْدَ الغائِبَ في هَذا التَّصَوُّر.

على الأطراف الخارجية إن أرادت خيرًا بلبنان دعم التوافق الوطني

وَمِنَ الواضِحِ أَنَّ هُناكَ مُشْكِلَةً في الإِدْراكِ الأَميرِكِيّ، لا لِلْوَضْعِ في لُبْنانَ فَحَسْب، وَإِنَّما في المِنْطَقَةِ بِأَسْرِها، وَتَتَرَتَّبُ على هَذا الإِدْراكِ الخاطِئِ مُشْكِلاتٌ يُمْكِنُ أَنْ تَصِلَ إلى دَرَجَةٍ مِنَ الجَسامَةِ تُحْبِطُ جُهودَ السِّياسَةِ الأَميرِكِيَّة، وَآخِرُ الأَمْثِلَةِ هُوَ ارْتِباكُ السِّياسَةِ الأَميرِكِيَّةِ تُجاهَ إيران، بِسَبَبِ سوءِ تَقْديرِ المَوْقِفِ وَتَوَهُّمِ الِانْهِيارِ السَّريعِ لِلنِّظامِ الإيرانِيّ. وَمِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّ النُّخْبَةَ الدّيبْلوماسِيَّةَ وَالأَكاديمِيَّةَ الأَميرِكِيَّةَ تَزْخَرُ بِالعُقولِ وَالخِبْراتِ القادِرَةِ على تَجْنيبِ السِّياسَةِ الخارِجِيَّةِ الأَميرِكِيَّةِ هَذا الشَّطَط. وَما زِلْتُ أَذْكُرُ كَيْفَ لَعِبَ الدّيبْلوماسِيونَ في السَّفارَةِ الأَميرْكِيَّةِ في صَنْعاء، عِنْدَما قامَتِ الثَّوْرَةُ الجُمْهورِيَّةُ في 26 سِبْتَمْبَر/أَيْلول 1962، دَوْرًا رَئيسِيًّا في إِقْناعِ الرَّئيسِ كِينيدي بِأَنَّ الخِيارَ الأَمْثَلَ هُوَ الِاعْتِرافُ بِالجُمْهورِيَّة، فَأَيْنَ أَمْثالُ هَؤُلاءِ الآنَ مِنْ عَمَلِيَّةِ صُنْعِ القَرارِ الأَميرِكِيِّ التي باتَتْ تَتَّسِمُ بِالفَرْدِيَّةِ المُطْلَقَة؟.

لَنْ يَتَحَقَّقَ الخُروجُ مِنَ المَأْزِقِ اللُّبْنانِيِّ بِدَوْرٍ أَميرِكِيٍّ أَوْ إِسْرائيلِيٍّ أَوْ سورِيّ، وَإِنَّما بِتَوافُقٍ وَطَنِيٍّ لُبْنانِيٍّ قَدْ يَكونُ الوُصولُ إِلَيْهِ صَعْبًا، لَكِنَّ لُبْنانَ وَأَمْنَهُ وَازْدِهارَهُ يَسْتَحِقُّ بَذْلَ أَقْصى الجُهودِ المُمْكِنَةِ لِتَخَطّي كُلِّ الصُّعوبات، وَما على الأَطْرافِ الخارِجِيَّة، إِنْ أَرادَتْ خَيْرًا بِلُبْنان، سِوى دَعْمِ هَذِهِ الجُهود. حَفِظَ اللهُ لُبْنان.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن