بدأت روسيا هجوما واسع النطاق على أوكرانيا شمل مقاطعات دونيتسك وزابورجيا وخاركيف وسومي، بالتزامن مع هجمات بالصواريخ والمسيرات على معظم أنحاء أوكرانيا، وسيطرت القوات الروسية على معظم مدينة كوستانتنيفكا الإستراتيجية، ودخلت مدينة ليمان، ولم يعد أمامها سوى مدينتي كراماتورسك وسلوفيانيسك في مقاطعة دونيستك، لتكون قد سيطرت على كامل إقليم الدونباس، وتندفع القوات الروسية في مقاطعة وزابورجيا لتكمل السيطرة عليها قبل نهاية الصيف، وتوسع سيطرتها في خاركيف وسومي خارج الأقاليم الأربعة التي ضمتها روسيا.
يأتي الهجوم بعد إعلان الرئيس الروسي بوتين أن الحرب الأوكرانية ستنتهي قريبا، وسط دعوات من معظم الأحزاب الروسية بما فيها حزب "روسيا الموحدة" الذي يتزعمه بوتين بتوسيع نطاق الحرب إلى الدول الأوروبية المشاركة في الحرب، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وانتقادات بتباطؤ القوات الروسية في حسم الحرب الأوكرانية، والإصرار على "العملية العسكرية الخاصة" بدلا من الحرب الشاملة والسريعة، والصمت على تجاوزات دول الناتو الخطوط الروسية الحمراء تباعا، وإرسالها صواريخ وطائرات تهدد العمق الروسي، بل إرسال قوات تحت اسم "المتطوعين الأجانب" وتقديم دعم لوجيستي يحدد المواقع الروسية، ومهاجمتها بالطائرات المسيرة والصواريخ، وبلغ الأمر حد اتهام دول أوروبا بانطلاق المسيرات منها أو عبر أجوائها، وهو ما زاد الضغط السياسي على بوتين والقوات الروسية لتوسيع الحرب.
تغيرت لهجة عدة عواصم أوروبية مع بدء الهجوم الروسي الواسع، فبعد أن كانت تتبارى في رفع راية الحرب ضد روسيا، والتجهيز والإعداد لصدام رأته حتميا، أعلنت الاستعداد لعقد مفاوضات، تستهدف التوصل إلى اتفاقية سلام حول أوكرانيا، وأبدى الرئيس الأوكراني زيلينيسكي استعداده للقاء نظيره الروسي دون انتظار وساطة أمريكية، والتوصل إلى حل للأزمة.
روسيا لم تعد تثق في أوروبا أو زيلينيسكي بعد عدة عمليات خداع متوالية تعرضت لها، وتميل إلى حسم النزاع على الأرض، خاصة في ظل الضغوط الداخلية، وانتقادات المعارضة وقيادات في الحزب الحاكم، والتي كانت قد بدأت مع عدم تدخل روسيا عسكريا في إحباط الانقلاب على الرئيس الأوكراني المنتخب يانوكوفيتش عام 2014 بمجموعات مسلحة سيطرت على البرلمان، وطاردت الرئيس المنتخب، بعد رفضه التقدم للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وحرصه على علاقات جيدة مع روسيا، وسمى الغرب الانقلاب "ثورة الكرامة" و"ثورة الميدان"، واكتفى بوتين بعدها بالسيطرة على شبه جزيرة القرم، بينما كانت قوات الانقلاب تطارد مؤيدي يانوكوفيتش والمتحدثين بالروسية في جنوب وشرق أوكرانيا، وتضيق عليهم الخناق، وسقط منهم آلاف القتلى.
وكانت خديعة أوروبا لروسيا باتفاق مينسك، والذي اعترفت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل بأن الهدف من الاتفاقية لم يكن السلام، وإنما كسب الوقت لتسليح أوكرانيا، وتشييد خطوط الدفاع استعدادا لمحاربة روسيا، تلاها خديعة ثالثة في اتفاق اسطنبول عندما سيطرت القوات الروسية على مساحات واسعة، واقتربت من العاصمة كييف، فكانت مبادرة سلام أوروبية جديدة، طلب خلالها قادة أوروبا بانسحاب روسي من حول العاصمة كييف ومقاطعة خاركيف لاتمام الاتفاق، وبعد الانسحاب الروسي، جرى رفض الاتفاق، والإعلان عن هزيمة القوات الروسية وادعاء أنها انسحبت تحت الضربات.
الرئيس الروسي كان يرى أن الحرب الشاملة على أوكرانيا ليست الخيار الأفضل، وراهن على عملية عسكرية محدودة قد تجبر أوكرانيا على تغيير مسارها، وعدم السعي نحو عضوية حلف الناتو، والحفاظ على الروابط القوية مع روسيا، وكذلك لم تكن روسيا جاهزة لحرب قد تمتد إلى حلف الناتو بأكمله، لهذا واصلت تكتيك العملية العسكرية المحدودة حتى تكمل استعداداتها بالتصنيع العسكري المناسب لخوض حرب شاملة، وزيادة عدد وتدريب الجيش والقوات الاحتياطية، وهو ما حققته روسيا في السنوات الأربع الأخيرة.
أصبحت أوروبا أمام أحد خيارين كلاهما صعب مع بدء الهجوم الروسي الواسع على أوكرانيا، فإما أن تنضم للحرب على روسيا، وهو خيار انتحاري في ظل الأزمة الاقتصادية الأوروبية، وعدم قدرتها على ما يكفي من السلاح، وتحتاج إلى الكثير من الاستثمارات والوقت لتجهيز جيش يستطيع الصمود أمام روسيا، خاصة بعد أن سحبت أمريكا بعض قواتها، وتلوح بسحب ما تبقى منها، وتدير ظهرها إلى حلف الناتو، الذي رأته إدارة الرئيس الأمريكي ترامب عبئا عليها، لتصبح أوروبا وحيدة، وبلا مظلة دفاعية أمريكية.
أما الخيار الثاني فهو تنفيذ مطالب روسيا حتى يتحقق السلام، باعتراف ضم روسيا للأقاليم الأربعة وشبه جزيرة القرم، وجيش أوكراني محدود، وعدم الانضمام لحلف الناتو، والاعتراف بحقوق المتحدثين بالروسية، وهي شروط استسلام يصعب على أوكرانيا وأوروبا تحملها.
(الأهرام المصرية)

