صحافة

مستقبل "الجمهوريين" في رقبة ترامب

عماد الدين حسين

المشاركة
مستقبل

الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو (أ.ف.ب)

هل تكون انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي هي بداية التراجع الكبير للرئيس دونالد ترامب، أم يتمكن من تحقيق المعجزة ومساعدة حزبه الجمهوري على استمرار الاحتفاظ بالأغلبية في مجلس النواب والشيوخ، حتى لو كانت أغلبية بسيطة؟! الإجابة الدقيقة عن السؤال سوف تتحدد على عوامل متنوعة، وأهمها على الإطلاق الطريقة التي سوف تنتهى بها الأزمة الراهنة في منطقة الخليج، لكنْ العاملان الأساسيان المترابطان هما العامل الإيراني الخارجي، والعامل الاقتصادي الأمريكي الداخلي.

لو أن ترامب نجح في انتزاع اتفاق جيد مع إيران فسوف يذهب به إلى الناخبين ويقول لهم: "لقد تمكنت من إنجاز اتفاق جيد، سيجرد إيران من كل قدراتها النووية والصاروخية، ويضمن استمرار مضيق هرمز مفتوحاً دون رسوم أو قيود، وسيتم تفكيك كل "شبكات وكلاء إيران". سيقول ترامب لناخبيه إن هذه النتيجة ستقود إلى هبوط أسعار البترول ربما إلى أقل من خمسين دولاراً للبرميل، وبالتالي فإن أسعار الوقود لن تعود لسيرتها الطبيعية ما قبل بداية الحرب في 28 فبراير الماضي فقط، بل إلى أقل من ذلك بكثير، لكن هناك سيناريو مختلف تماماً، وهو ألا يؤدى الاتفاق المحتمل إلى تحقيق كل المطالب الأمريكية، خصوصاً إسقاط النظام الإيراني أو تغييره أو حتى تغيير سياساته، أو تفكيك البرنامج النووي وتقليص البرنامج الصاروخي، والقضاء على "وكلاء إيران".

والأخطر أنه إذا حققت طهران هدفها بالتحكم في مضيق هرمز، وفرض رسوم فسوف يستغل خصوم ترامب الديمقراطيون ذلك، ويقولون له: "لقد أخفقت في تحقيق كل ما وعدتنا به"، لكن أحد أهم العوامل التي ستؤثر في اتجاهات الناخب هي الاقتصاد، أي باختصار، هل تضررت الحالة المعيشية لهذا الناخب، هل زادت أسعار الوقود وبعض السلع الأساسية، هل تأثرت مدخراته، هل صارت الحياة أصعب، والأهم ماذا سيكون عليه شكل المستقبل اقتصادياً، وهل سيزيد التضخم أم يتراجع؟

أسعار الوقود زادت منذ اندلاع الحرب بنحو 47 %، فسعر الجالون ارتفع من 3 دولارات إلى أربعة دولارات ونصف الدولار في المتوسط، وهي نسبة كبيرة ترهق ميزانية أغلبية الأسر الأمريكية. الناخب لا يتأثر بالشؤون الخارجية بالصورة التي يتصورها الكثيرون، اهتمامه الوحيد بهذا الأمر هو مدى تأثير ذلك على الاقتصاد الداخلي، لكن الخبر السيئ لترامب هو أن أعضاء الكونجرس من الحزب الجمهوري أعربوا علناً عن انتقادهم لما اعتبروه تساهلاً تفاوضياً مع إيران، وعدم تحقيق المطالب التي تم رفعها.

كان هناك تقرير مهم في صحيفة الغارديان البريطانية للكاتب باتريك ويندور، جاء فيه أن هناك تصاعداً للغضب داخل أوساط الحزب الجمهوري، الذين اعتبروا أن مشروع الصفقة تراجع عن أهداف الحرب الأصلية، بل ولا تختلف كثيراً عن صفقة باراك أوباما عام 2015، التي انسحب منها ترامب عام 2018. في اليوم نفسه فإن افتتاحية صحيفة "وول ستريت جورنال" تقول، إن هدنة الـ60 يوماً المحتملة قد تتحول إلى انتكاسة استراتيجية إذا استغلتها إيران لتعزيز نفوذها، وإعادة ترتيب قدراتها الاقتصادية والعسكرية من دون تقديم تنازلات حقيقية بشأن برنامجها النووي أو سياساتها الإقليمية.

في اليوم نفسه كان هناك مقال مهم في صحيفة "ذا هيل" للكاتب إيان سوانسون، فالنائب الجمهوري توم تيليس انتقد المقترحات، بل وهاجم وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيجسيث، واتهمه بتقديم تقديرات خاطئة لترامب حول الحرب. التقرير يقول إن قادة بارزين في الحزب الجمهوري مثل مايك بومبيو، ولندسي جراهام، يعارضون هذه التسوية، لكن البعض يقول إن ما يهم جراهام مثلاً هو مصلحة إسرائيل فقط، حتى لو تعارضت مع مصالح الولايات المتحدة.

لكن التطور الأخطر والأسوأ لترامب حدث حينما خسر تصويتاً ثانياً في مجلس النواب، يخص مشروع الديمقراطيين الساعي إلى تفعيل قانون تقييد صلاحيات الرئيس في شن المزيد من العمليات العسكرية ضد إيران من دون تفويض الكونجرس. وما يفاقم هذه الخسارة أنها تزامنت مع انتكاستين لترامب في الكونجرس، الأولى حينما سحب ترامب مشروع التعويضات المخصص لمنفذي الهجوم على مبنى الكونغرس عام 2021 بعد تأكده من عدم وجود تأييد كافٍ له بين أعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين، والثانية بعد تعثر مشروع تخصيص مليار دولار لبناء قاعة الحفلات الكبيرة في البيت الأبيض، بسبب معارضة بعض الجمهوريين للمشروع قبل تقديمه للمصادقة، حتى بعد أن تعهد ترامب بأن التمويل سيتم بالكامل من أموال المتبرعين من رجال الأعمال المقربين منه.

مرة أخرى، قد لا يتأثر الناخب الأمريكي بالتطورات الخارجية كثيراً إلا إذا مست مصالحه المباشرة، وبالتالي فإن العامل الأساسي سيكون هو شكل الضرر التراكمي، الذي طال الناخب الأمريكي منذ 28 فبراير، وهل سوف يستمر هذا الضرر متمثلاً في ارتفاع أسعار الوقود، وبالتالي بعض الخدمات أم لا؟ إذا نجح ترامب في إقناع الناخبين بصحة مواقفه فسيكون ذلك خبراً مهماً، لكن إذا فشل وخسر الحزب الجمهوري أغلبيته، فسوف يتحول ترامب إلى ما يشبه "البطة العرجاء"، وإذا حدث ذلك فسوف يكون له تداعيات شديدة الخطورة داخل أمريكا وخارجها.

(البيان الإماراتية)

يتم التصفح الآن