تتحينُ إسرائيلُ الفرصَ لعودةِ الحربِ على إيرانَ، بينما تواصلُ قصفَ لبنانَ من دونِ أيِّ التزامٍ بما اتُفِقَ عليه خلالَ مفاوضات واشنطن. وتختلفُ الفروقاتُ في مقاربةِ هذينِ الملفينِ بينَ الإدارةِ الأميركيّةِ وخططِ رئيسِ الوزراءِ الإسرائيليِّ بنيامين نتنياهو، خصوصًا أن واشنطنَ تسعَى إلى إبرامِ تسويةٍ مع طهران. كما أنها تتردّدُ في استئنافِ القتالِ العسكريّ، وتلتزمُ بإضعافِ النظامِ اقتصاديًا عبرَ الحصارِ البحريِّ المفروضِ على الموانئِ والسفنِ الإيرانيّةِ، فضلًا عن العقوباتِ التي ارتفعت وتيرتُهَا في الآونةِ الأخيرة. وفيما يُسابقُ الوسطاءُ الوقتَ لإعلاءِ لغةِ الحوارِ والديبلوماسيّةِ ومنعِ عودةِ المنطقةِ إلى ساحاتِ القتالِ، تتعثرُ المحاولاتُ وتصطدمُ بشروطِ الطرفينِ "العالية السقف"، على الرغمِ من المعلوماتِ عن حصولِ تقدّمٍ "طفيفٍ" في بعض الملفاتِ الشائكةِ، وبقاءِ الوضعِ على حالِهِ في ما يتعلقُ بأموالِ إيرانَ المُجمدة، ومحاولة تكريسِ سيطرتِهَا على مضيقِ هُرمزَ، كما رفضِهَا التنازلِ عن الملفِ اللبنانيِّ وتمسكِهَا بربطِ المسارينِ وبعدم تخلّيهَا عن ورقةِ "حزبِ الله" والفصائلِ المواليةِ لهَا بسهولة.
وتتصرفُ إيرانُ وكأنَهَا تملكُ "الكلمةَ الفصل" في السياسةِ والميدان، لا سيّما بعد السجالِ اللفظيِّ العلنيِّ بين كبارِ مسؤولِيهَا ورئيسِ الجمهوريةِ اللبنانيِّ العماد جوزاف عون، على خلفيةِ مواقفِهِ الرافضةِ لاستخدامِ لبنانَ في "بازارِ" المفاوضاتِ والتضحيةِ بهِ وبشعبهِ كـ"قربان". وتدحرَجَت الأمورُ بسرعةٍ، أمسِ الأحد، وكادَت تخرجُ عن السيطرةِ بعد أن قصفَ الجيشُ الإسرائيليُّ الضاحيةَ الجنوبيّةَ لبيروتَ من دونِ سابقِ إنذارٍ، مكرسًا معادلة "الضاحية مقابلَ مستوطناتِ الشمال" التي سبقَ أن أعلنَ عنهَا، إلى جانبِ تأكيدِ "تمتعِهِ" بحريةِ الحركةِ على الرغمِ من التفاهماتِ الحاصلةِ مع الجانبِ الأميركيّ. وتحدثَت وسائلُ إعلامٍ إسرائيليّةٍ عن أن الغارةَ "المباغتة" استهدفَت ما وصفتهُ بـ"مقرِ قيادةٍ" تابعٍ لـ"حزبِ الله"، واضعةً الضربةَ في خانةِ توجيهِ "رسالةِ ردعٍ وليس بهدفِ اغتيالِ شخصيّةٍ مُحدّدة". وبدأَ هذا التصعيدُ الخطيرُ صباحًا مع إعلانِ جيشِ العدوِ اعتراضَ مقذوفينِ أُطلقَا من لبنانَ باتجاهِ شمالِ إسرائيل. وأكدَ أن "هذه ليست المرةُ الأولى التي تُسجَّل فيها عملياتٌ عسكريةٌ منذ الإعلانِ عن وقفِ إطلاقِ النارِ" برعايةٍ أميركيّةٍ من دونِ أن يُطبقَ من قبلِ إسرائيلَ أو "حزبِ الله" على حدٍّ سواء. في المقابلِ، أرادت طهرانُ "الحفاظَ على ماءِ الوجهِ"، بعد أن هدّدَت، في وقتٍ سابقٍ، أن ضربَ الضاحية لن يمرَّ من دون "ردٍّ". فأطلقَ "الحرسُ الثوري" صواريخَ بالستيةً عدة باتجاهِ إسرائيلَ وتبنّى قصفَ قاعدةِ "رامات ديفيد" الجوية، في مؤشرٍ على إمكانيّةِ توسيعِ رقعةِ المواجهةِ الإقليميّة. ونقلَ التلفزيونُ الرسميّ عن القواتِ المسلّحةِ قولهَا إن العمليةَ مجرد "إنذارٍ"، محذرًا من أن تكرارَ الهجماتِ على الضاحيةِ سيُقابلُ بردودٍ "أوسع"، تشملُ "جميعَ الأهدافِ الأميركيّةِ - الإسرائيليّةِ في المنطقة".
في الأثناءِ، توجّهَتِ الأنظارُ إلى البيتِ الأبيضِ في انتظارِ تحديدِ ترامب موقفهُ، بينما أعربَ عن عدمِ "سعادتِهِ" بالضربةِ الإسرائيليّةِ التي استهدفَت العاصمةَ بيروت، معتبرًا أن الوقتَ حانَ لوقفِ التصعيدِ بعد تبادلِ الضرباتِ بينَ الجانبين. أما موقعُ "أكسيوس" فلفَتَ إلى أن ترامب اتصلَ هاتفيًا برئيسِ الوزراءِ الإسرائيليِّ وأبلغَهُ بضرورةِ عدمِ الرّدِ على الهجومِ الصاروخيِّ الإيرانيِّ وإتاحةِ المزيدِ من الوقتِ للدبلوماسيّةِ، وفقًا لمسؤولٍ أميركيٍّ رفيعٍ ومصدرٍ إسرائيليٍّ مطّلعٍ على تفاصيلِ المكالمة. وفي تصريحاتٍ إعلاميّةٍ أخرى، بدا الرئيسُ الأميركيّ وهو يحاولُ تهدئةَ الأوضاعِ، إذ نقلَت "فوكس نيوز" عنه قولَهُ إن "ما اقترَحَهُ على إيرانَ هو: لقد أطلقتُمْ صواريخَكُمْ، وهذا يكفي. عودوا إلى طاولةِ المفاوضاتِ وابرموا اتفاقًا". لكن المؤشرات جميعُهَا تؤكدُ أن واشنطنَ، الجانحة نحو اتفاقٍ وإعطاءِ أولويةٍ لمفاوضاتِ إسلام آباد المستمرةَ على الرغمِ من العراقيلِ، بدأَت تتمايزُ عن الموقفِ الإسرائيليِّ الداعي إلى الحربِ وإعادةِ توجيهِ ضرباتٍ قاصمةٍ إلى طهران. فلم يستطعْ، على ما يبدو، الاتصالُ الأميركيُّ لجمَ نتنياهو، بل أُفيد عن هجومٍ إسرائيليٍّ فجر اليومِ الاثنين، استهدفَ مواقعَ عسكريةً غربيّ ووسط إيران. إذ أكدَت وكالةُ الأنباءِ الإيرانيّةِ الرسميةِ سماعَ دويِّ انفجارينِ قويينِ على الأقلِ في العاصمةِ طهرانَ، من دونِ معرفةِ المزيدِ من المعلومات. وشدّدَ رئيسُ الأركانِ الإسرائيليِّ إيال زامير على أن تلّ أبيب ستُوجِهُ ضربةً قويةً إلى "العدوِ" فورَ منحِهَا الضوءَ الأخضر.
ويقفُ نتنياهو في موقعٍ شديدِ الحساسيةِ، بعدَ ارتفاعِ وتيرةِ النقدِ لعملياتِ جيشِهِ وأدائِهِ نتيجةَ العجزِ عن وقفِ مُسيّراتِ "حزبِ الله" وما تُسَبِبُهُ من خسائر وأضرارٍ وخوفٍ لدى سكانِ المستوطناتِ الشماليّة. كما رفضَ اليمينُ المتطرفُ الدعواتَ الأميركيّةَ إلى عدمِ استهدافِ الضاحيةِ، حتى أن الوزيرَ ايتمار بن غفير دعا إلى قولِ كلمةِ "كلا" للرئيسِ ترامب، في تصريحاتٍ سابقة. ومن هنا، يمكنُ فهمُ التصرفُ الإسرائيليُّ الأخير وعودةُ الأمورِ إلى "المربعِ صفر"، فالاحتلالُ لا يُريدُ المهادنةَ أو الوصول إلى تسويةٍ مع لبنانَ، ويُستخدمُ مسارُ واشنطنَ التفاوضيّ للمراوغةِ والمماطلةِ والتسويفِ، في حين يوسّعُ ضرباته العسكرية ويسعَى إلى تحقيقِ تقدّمٍ ميدانيٍ واسع. وفي الساعاتِ الأخيرةِ، استمرت إنذارات الإخلاءِ التي هدَّدَت سكانَ مدينةِ صور ومحيطِهَا، ودعتهُم إلى الإخلاءِ نحوَ شمالِ نهرِ الزهراني، بعد إنذارٍ وُجِّهَ إلى بلدةِ مغدوشة في قضاءِ صيدا بوجوبِ إبعادِ عناصرَ "حزب الله" منها تحتَ طائلةِ توجيهِ إنذارٍ بالإخلاءِ، وقصفِ البلدة. وترافَقَت هذه التطوراتُ مع موجةِ غاراتٍ واسعةٍ استهدفَت بلداتٍ عدةً في أقضيةِ النبطيةِ وصور وصيدا وجزين والبقاع الغربي، كما سُجِّلَ قصفٌ مدفعيٌ على بلدةِ سُحمر للمرةِ الأولَى منذ التحريرِ عام 2000. أما الأخطرُ، فكانَ تصريحُ نتنياهو بأنَ قواتِهِ عثرَت على بنيةٍ تحتيةٍ ضخمةٍ تحتَ الأرضِ لـ"حزبِ الله" في قلعةِ الشقيفِ الاستراتيجيّة، في حين يتخوّفُ كُثُر من تدميرِ القلعةِ وتحويلِهَا إلى ركام. وتُعّدُ النبطيةُ اليوم مركزَ الثقلِ في المواجهةِ الحاليّةِ، وسطَ تقديراتٍ بتوسيعِ العملياتِ أكثر، بينما يسعَى عناصرُ الحزبِ إلى صدِّ التقدمِ الإسرائيليِّ على أكثرِ من محورٍ، مع الإعلانِ عن تنفيذِ سلسلةِ عملياتٍ استهدفَت تجمعاتٍ وآلياتٍ للجيشِ الإسرائيليّ.
من جهتِهَا، نقلَت صحيفةُ "يديعوت أحرونوت" عن وزراء إسرائيليين قولَهُم، إن الجيشَ بدأَ إنشاء خطٍ جديدٍ من المواقعِ العسكريةِ في جنوبِ لبنانَ، مشيرينَ إلى أنَ إسرائيلَ تُسيطرُ على نحو 20 في المئةِ من مساحةِ لبنان. وأضافوا أن إحاطاتٍ عسكرية قُدِمَت إلى الوزراءِ، تحدثَت عن مقتلِ نحوَ ألفِ عنصرٍ من "حزبِ الله" منذ بدءِ المواجهةِ، وعن إطلاقِ الحزبِ نحو ألفي صاروخٍ وقذيفةٍ باتجاهِ الأراضي الإسرائيليّة. يحدثُ كلُ ذلكَ بينما تتواصلُ الجهودُ الرسميّةُ بهدفِ وقفِ الاعتداءاتِ والتدميرِ الممنهجِ للقرى والبلداتِ اللبنانيّة. إذ يجهدُ لبنانُ من أجلِ دفعِ الاحتلالِ إلى وقفِ عملياتِهِ والالتزامِ بالمحادثاتِ، مستفيدًا من وجودِ دعمٍ عربيٍّ وغربيٍّ تَجَسَّدَ بدخولِ الدوحة والرياض كما باريس على خطِ الأزمة. لكن العقدةَ الرئيسيّة تبقَى لدى نتنياهو أولًا، وثانيًا "حزب الله" ومن خلفِهِ إيرانَ، التي تَسعَى إلى أن تكونَ في صدارةِ اتخاذِ القراراتِ، وبدا ذلك واضحًا عبرَ تصريحاتِ "الحرسِ الثوري" الأسبوع الماضي، التي رفضَ فيها ما تُوُصِّلَ إليه بعد جهودٍ مضنيةٍ قادَهَا وفدُ لبنانَ التفاوضيِّ في واشنطن. وتبقى الأمورُ معلقةً حتى بروزِ ما ستصلُ إليه مساعي إسلام آباد، مع وجودِ وزيرِ الداخليّةِ الباكستاني محسن نقوي في العاصمةِ طهرانَ حاملًا معه "رسالةً خاصةً" من قائدِ الجيشِ الجنرال عاصم منير إلى المرشدِ الإيرانيِّ مجتبى خامنئي. وتسلّمَ وزيرُ الخارجيّةِ عباس عراقجي الرسالةَ، التي تؤكدُ استمرارَ الوساطةِ الباكستانيّةِ بينَ طهرانَ وواشنطنَ، على الرغمِ من أن المفاوضاتِ غير المباشرةِ تُراوِحُ مكانَهَا وسطَ تصعيدٍ عسكريٍّ متجددٍ في محيطِ مضيقِ هُرمز.
وضمنَ هذا السياق، اعتبرَ المتحدثُ باسمِ وزارةِ الخارجيّةِ الإيرانيّةِ إسماعيل بقائي أن "المواقفَ المُتغيّرة والمُتناقضة" للولاياتِ المتحدةِ تمثّلُ المشكلةَ الرئيسيّةَ في المفاوضات. ووصفَ التفاوضَ بشكلِهِ الراهنِ بـ"المرهقِ والمُعقّدِ للغاية"، بسببِ ما أسمَاهُ "تحريكَ الأهدافِ باستمرار" وصدورِ تصريحاتٍ متناقضةٍ عن مسؤولينَ أميركيينَ مختلفين. وقال إن نقاطَ الخلافِ لا تزالُ كثيرةً، لكن المسألةَ الأساسيّة، هي أن تعترفَ واشنطنُ "بحقوقِ إيرانَ"، ومن ضمنِهَا حقُهَا في التخصيبِ النوويِّ بموجبِ معاهدةِ حظرِ الانتشارِ النوويّ. هذا ونقلَت وسائلُ إعلامٍ إيرانيّة عن عضوِ الفريقِ الإعلاميِّ للوفدِ الإيرانيِّ المفاوضِ أمير حسين يزدان بناه، تأكيدَهُ أن "الإفراجَ عن الأموالِ الإيرانيةِ المُجمّدةِ هو أحدُ الشروطِ التي يتيحُ تحقّقَهَا لإيران الدخولَ إلى المرحلةِ التاليةِ من المفاوضات". وأضافَ أنه "إذا لم يُفرجُ عن أموالِ إيرانَ كما وردَ في نصِّ مذكرةِ التفاهمِ، فلن يكونَ هناكَ تفاهمٌ مؤقتٌ ولا مفاوضاتٌ بشأنِ اتفاقٍ نهائيّ". وتُعد قضيةُ الأموالِ الإيرانيةِ المُجمدةِ في الخارجِ، واحدةً من أكثرِ القضايا تعقيدًا وحساسيةً في أيِّ اتفاقٍ مُحتملٍ لإنهاءِ المواجهةِ بينَ البلدين. بدورِهِ، هدّدَ رئيسُ البرلمانِ وكبيرُ المفاوضينِ محمد باقر قاليباف بأنَ الحصارَ البحريَّ المفروض على إيرانَ و"الضوء الأخضر" الذي منحتهُ الولاياتُ المتحدةُ لإسرائيلَ، يحوّلانِ القواعدَ والأصولَ الأميركيّةَ والإسرائيليّةَ في المنطقةِ إلى أهدافٍ مشروعةٍ لإيران. على صعيدٍ متصلٍ، أجرَى الوزيرُ عراقجي محادثاتٍ، مساء أمسِ الأحدِ، بشأنِ "آخرِ التطوراتِ" في الشرقِ الأوسطِ مع نظرائِهِ البريطانيّ والتركيّ والفرنسيّ والقطريّ، بالإضافةِ إلى الوسيطِ الباكستانيّ، وفقَ ما أفادَت بِهِ وزارةُ الخارجية.
وتخرجُ الأمورُ عن السيطرةِ بما يوحي بأنَها لن تبقى ضمن الأطر عينها، مع استمرارِ "المناوشاتِ" في مضيقِ هُرمزَ، الذي تحوّلَ إلى عقدةٍ أساسيّةٍ بعد توظيفِهِ من قبلِ "الحرس الثوري" لمقارعةِ الدولِ وتكبيدِهَا الخسائرَ، بالتزامنِ مع الحصارِ المفروضِ عليها. وتحوّلَت الحالةُ الراهنةُ من "اللاحربِ" و"اللاسلمِ" إلى أزمةٍ خاصةٍ مع عودةِ الاستهدافاتِ إلى دولِ الخليجِ العربيِّ، وتحديدًا الكويت والبحرين، في إطارِ ما تصفُهُ طهرانُ بـ"الحقِ المشروعِ بالدفاعِ عن النفس". لكن كل تلكَ النتائج ستكونُ لهَا تبعاتٍ بعيدة المدى، تحديدًا حين تضعُ الحربُ أوزارَهَا بشكلٍ كاملٍ وتام. في غضونِ ذلكَ، تستكملُ الحكومةً العراقيةُ محاولةَ حصرِ السلاحِ وإيجادِ حلٍ لملفِ الفصائلِ المواليةِ لطهرانَ، بعد إعلانِ ثلاثٍ منهَا الانضواءَ تحتَ كنفِ الدولةِ واستمرارِ معارضةِ فصائلَ أخرى. لكن ما يجري في بغداد، الناجم عن ضغوطٍ أميركيّةٍ، يطرحُ أكثرَ من علامةِ استفهامٍ حولَ جديةِ هذه الخطواتِ وإمكانيةِ "ذوبانِ" واندماجِ هذه المجموعاتِ فعليًا، أو أنه مجردُ محاولةٍ للالتفافِ على واشنطنَ، وبالتالي ممارسةُ ما يمكنُ تسميتُهُ بـ"التبييضِ السياسيّ". إذ إن رئيسَ الحكومةِ علي الزيدي يستعدُّ لأولِ زيارةٍ خارجيةٍ لهُ بعدَ توليهِ منصبَهُ إلى الولاياتِ المتحدةِ الأميركيّةِ، تلبيةً لدعوةٍ تلقّاهَا من الرئيسِ ترامب.
كما تبرزُ ملفاتٌ وقضايا أخرى، أبرزُها ما يدورُ في قطاعِ غزّة والضفةِ الغربيةِ المحتلة. إذ ارتفعَت حصيلةُ الشهداءِ جراءَ الغاراتِ الإسرائيليّةِ على مناطقَ متفرقةٍ من القطاعِ إلى 13 شهيدًا وأكثر من 35 مصابًا، في خرقٍ جديدٍ لاتفاقِ وقفِ النار. القطاعُ المنكوبُ، الذي تأملَ خيرًا من الهدنةِ الهشّةِ وخطةِ ترامب، بدأ يعيشُ خوفًا متجددًا من استمرارِ الوضعِ على حالِهِ من دونِ أيِّ خطةٍ لإعادةِ الإعمارِ أو تحسينِ الخدماتِ العامةِ وزيادةِ المساعداتِ الإنسانيّة. وفي الوقتِ عينِهِ، تستمرُّ المحادثاتُ في العاصمةِ المصريةِ القاهرة، وسطَ معلوماتٍ متداولةٍ عن بقاءِ مسألةِ "حصرِ السلاحِ" في صدارةِ الأولوياتِ، في ظلِّ اختلافاتٍ حادةٍ في وجهاتِ النظر. ولا ترفضُ قيادةُ حركةِ "حماس" الرؤيةَ المطروحةَ للتعاملِ مع ملفِ السلاحِ في الوقتِ الراهنِ بشكلٍ مطلقٍ، لكنهَا تطالبُ، قبلَ حسمِ هذا الملف، بتنفيذِ استحقاقاتِ المرحلةِ الأولى من اتفاقِ وقفِ إطلاقِ النارِ بشكلٍ كاملٍ، وتفكيكِ المليشياتِ المسلحةِ التي شكّلَهَا جيشُ الاحتلالِ من مجموعاتٍ من الخارجينَ على القانونِ في القطاع. في الأثناءِ، عادَ ملفُ العقوباتِ الأوروبيّةِ إلى الواجهةِ مجددًا، عقبَ تصريحاتٍ لوزيرِ الخارجيةِ الفرنسيّ جان نويل بارو، أمسِ الأحد، ألمحَ فيهَا إلى احتمالِ فرضِ عقوباتٍ إضافيةٍ في الأيامِ المقبلةِ، تستهدفُ مستوطنينَ إسرائيليينَ ارتكبُوا أعمالَ عنفٍ ضدَّ الفلسطينيينَ في الضفةِ الغربيةِ، على خلفيةِ ارتفاعِ وتيرةِ العنفِ وتوسيعِ المشاريعِ الاستيطانيّةِ، التي تعتبرُهَا أوروبا تهديدًا مباشرًا لحلِّ الدولتين.
دوليًا، حصلَ الرئيسُ الأوكرانيُّ فولوديمير زيلينسكي على دعمِ قادةِ المملكةِ المتحدةِ وفرنسا وألمانيا في دعوتِهِ إلى إجراءِ محادثاتٍ مباشرةٍ لوقفِ إطلاقِ النارِ بين موسكو وكييف. وقالَ القادةُ، في البيانِ، إنهم يدعمونَ اقتراحَ إجراءِ حوارٍ مباشرٍ بين أوكرانيا وروسيا، بمشاركةٍ فعالةٍ من الولاياتِ المتحدةِ وأوروبا، بهدفِ التوصلِ إلى حلٍّ للأزمةِ ودعمِ إجراءِ المزيدِ من المفاوضات.
وفي الآتي، إليكم أبرز ما أوردته الصحف العربيّة الصادرة اليوم الاثنين:
رأت صحيفة "عكاظ" السعودية أن "إصرار إيران على اعتبار الشأن اللبناني جزءًا من أوراقها يمثّل وقاحةً سياسيةً في التعامل مع دولة ذات سيادة بموجب القانون الدولي، وتصريحات وزير الخارجية الإيراني المتزامنة مع حديث الرئيس (جوزاف) عون هي استخفاف بأبسط متطلبات اللياقة الدبلوماسية، ودليل على العقلية التي تنظر بها إيران إلى لبنان بعد أن تسبّبت له في كثير من المآسي منذ إنشاء "حزب الله"؛ ذراعها التخريبي ووكيلها المحلي لبسط النفوذ على القرار اللبناني". وتابعت أن "لبنان الآن يمر بمرحلة مفصلية في التفاوض مع إسرائيل على أمنه وأراضيه المسلوبة التي سهّل لها "حزب الله" الاستيلاء عليها بحماقاته المستمرة، إسرائيل تريد ابتلاع جنوب لبنان وأكثر إذا تسنّى لها ذلك بسبب الذرائع التي يمنحها لها الحزب، وإيران تريد لهذه الساحة أن تستمر في التوتر حتى لو كان الضحية كل لبنان، ولذلك فهي تبذل كل الأسباب للتشويش على المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية وتعطيلها؛ كي يستمر لبنان تحت وصايتها ونهبًا لإسرائيل".
أما صحيفة "الغد" الأردنية، فاعتبرت أن "إصرار الرئيس ترامب على إبقاء باب التفاوض مفتوحًا مع إيران أدى إلى تعميق التباين الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. ففي حين ترى الإدارة الأميركية بالمفاوضات فرصة لإنتاج استقرار قابل للتوظيف سياسيًا، تعتبر إسرائيل أن اللحظة الحالية تمثل فرصة تاريخية لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. ومن هنا تبرز ملامح ما يمكن تسميته بـ"أزمة إدارة التحالف"، حيث يبقى التحالف قائماً رسمياً بينما تتباعد الأولويات، ما يرفع احتمالات المبادرات الأحادية غير المنسقة". وخلصت إلى أن "المنطقة لا تتجه نحو سلام مستقر ولا نحو حرب إقليمية شاملة، بل نحو نموذج جديد من المواجهة الدائمة يقوم على صراعات منخفضة ومتوسطة الحدة، وردع غير مكتمل، وضغط مستمر على أسواق الطاقة، وتزايد في تفتت النظام الإقليمي. وبهذا المعنى، يدخل الشرق الأوسط مرحلة تاريخية جديدة يُعاد فيها رسم النفوذ والردع والتحالفات وقواعد الاشتباك في آن واحد، ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر هشاشة وتعقيدًا وربما أكثر خطورة من حرب تقليدية محدودة".
الملف الإيراني كان أيضًا محور اهتمام صحيفة "الوطن" البحرينية، التي اشارت إلى أن "النظام الإيراني يحاول اليوم الظهور في صورة الضحية، ويطالب بالإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات، بل ويتحدث بعض مسؤوليه عن تعويضات ومطالب مالية، وكأن دول الخليج العربي هي من استهدفت المطارات والمنشآت النفطية والمرافق المدنية داخل إيران، وليس العكس". وأوضحت أن "جوهر القضية يقوم على أن الإفراج عن الأموال الإيرانية اليوم دون معالجة ملف التعويضات يشبه مكافأة المعتدي على اعتدائه، ومنحه موارد مالية جديدة بعد كل ما تسبب به من أضرار وخسائر.ولعل التجربة السابقة لا تزال ماثلة أمام الجميع (...) فالحديث عن الأصول الإيرانية المجمدة يجب ألا يبدأ بمنطق "متى ستُعاد الأصول إلى إيران"؟! بل يجب أن يكون من منطق أكثر عدالة بـ"من سيعوض المتضررين أولاً“؟!
في سياق ذي صلة، تحدثت صحيفة "الصباح" العراقية عن موضوع تعيين توم برّاك مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى العراق وسوريا. فلفتت إلى أنه "ليس مجرد إجراء إداري، بل تعبير عن مشروع سياسي أوسع لإعادة ترتيب الجغرافيا السياسية الممتدة من أنقرة إلى بغداد ودمشق وصولًا إلى باب المندب وهرمز". وقالت إن "العراق يقع عند تقاطع المشرق العربي والخليج وإيران وتركيا. وهو يمتلك موارد طاقة ضخمة وموقعًا يربط آسيا بأوروبا. وفي علم الجيوبولتيك فإن الدول الواقعة عند تقاطعات المصالح الكبرى نادرًا ما تُترك خارج حسابات القوى الإقليمية والدولية. لكن الجغرافيا ليست قدرًا مطلقًا. فالدول الناجحة لا تلغي تأثير الجغرافيا بل تديرها. وتركيا نفسها وإيران قبلها كانتا ساحتين للتنافس الدولي، لكنهما استطاعتا تحويل جزء من هذا التنافس إلى مصادر قوة وطنية".
(رصد "عروبة 22")

