التصعيد بين واشنطن وطهران يبدو سيد الموقف، بعد وَضعِ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب معادلة ردعٍ جديدةٍ تتمثّلُ في ضرب وتدمير البنية التحتيّة المدنية، من جسورٍ ومحطاتِ طاقةٍ في طهران والمناطق المجاورة لها، التي بقيت بعيدةً عن جولة القصف الحاليّة، مقابل كلّ سفينة تُسْتَهدَف في مضيق هُرمز. ويعني ذلك رسميًا وصول الأزمة إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ، خصوصًا أن هذا التهديد يتزامن مع تلويحه، سابقًا، بضرب موقعٍ نوويٍ إيرانيٍّ في جبل الفأس، وتأكيده أن الحصار البحري المفروض على الموانئ والسفن سيتواصل، ولا رجعةَ عنه. وتتزايدُ الضغوطُ على الإدارة الأميركيّة الساعية إلى إخضاع إيران وإجبارها على القبول بحرية الملاحة في مضيق هُرمز ورفع يدها عنه، وسط تهديداتها المستمرة بمواصلةِ فرضِ نفوذِهَا وعدم تقديم أيّ تنازلاتٍ في هذا الإطار. في المقابل، حملَ كلامُ رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباق، رسالةَ وعيدٍ ليس إلى واشنطن وحدها، بل إلى دولِ المنطقةِ أيضًا، التي باتت هدفًا للنظام الإيرانيّ على مدار الأيام الماضية.
ولفت قاليباف إلى أن "أيّ بنية تحتيّة في المنطقة لن تكون آمنةً إذا لم يُضْمَنْ أمننا"، مضيفًا: "إما كل شيء أو لا شيء". كما شدّد على أن أمن مضيق هُرمزَ يكمن في "خروج القوات الأميركيّة"، وأن الوضع في هذا الممرّ لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب. في الأثناء، أكد الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان أن شعب بلاده "لن يستسلم أمام التهديد"، وأضاف: "أكدنا دائمًا أهمية الدبلوماسيّة وتسوية الخلاف عبر مساراتٍ سياسيّة". أما وزير الخارجيّة عباس عراقجي، فنَبَّهَ إلى أن طهران ستواجه "أي عدوانٍ" بردٍّ قويٍ وحاسمٍ، موضحًا أن "من يساهمون في أيّ عدوانٍ على بنيتنا التحتية سيُعتَبَرونَ أهدافًا مشروعةً أيًا كان الدعم الذي يقدمونه". وتعكس هذه التصريحات عالية اللهجة المزيد من التوتر والاحتقان، لأنها تتفلّت من جميع القيود والضوابط، وسط تأكيد إيران أنها ستردّ بالمثل، أي وفق معادلة الجسور مقابل الجسور، والموانئ مقابل الموانئ، ومصادر الطاقة والنفط مقابل مصادر الطاقة والنفط في المنطقة. هذا وترّكزت خريطة الضربات الأميركيّة خلال الليالي الـ11 الماضية على المناطق الساحلية الجنوبيّة، فرَاوَحَت بين جزرٍ وموانئ ومواقع عسكريةٍ داخل نطاقٍ يُشرِفُ على مضيقِ هرمزَ، فيما لم تُصِبْ أيّ منها ، حتى اللحظة، العاصمة طهران. وأعلنت القوات الأميركيّة، فجر اليوم الخميس، شنّ جولةٍ جديدةٍ من الهجمات للّيلة الثانية عشرة على التوالي، متعهدةً باستمرار المهمة حتى "تقويض قدرة إيران بشكلٍ أكبر على تهديد الملاّحين المدنيين والسفن التجارية العابرة للمياه الإقليميّة". وبحسب المعطيات، سُمِعَ دويُّ انفجاراتٍ في مدينتيْ الأهواز ورامشير في محافظة خوزستان جنوب غرب البلاد، وفي مدينة سيريك في محافظةِ هرمزغان في الجنوب. فيما استهدف صاروخٌ أميركيٌ محطةَ كهرباءٍ بجوارِ محطة بوشهر للطاقة النووية جنوبي البلاد وصالة الركاب عند منفذ الشلامجة الحدوديّ مع العراق، ما أسفر عن سقوط قتيلين.
بالتزامن، يستمرّ "الحرس الثوري" في خلق الفوضى والبلبلة عبر الإعلان عن نشوبِ حريقٍ في إحدى السفن الناقلة للنفط، عقب انفجارٍ وقع أثناء محاولتها عبور مسارٍ وصفه بالـ"ملغوم" جنوبي مضيق هُرمز، مؤكدًا أن ناقلتين أخريين عادتا أدراجهما. كما كرّر القول إن هذا الممر الاستراتيجيّ يخضع كليًا لسيطرته وأنه "مغلقٌ تمامًا"، منبهًا إلى أنه لن يُسمَحَ لأيِّ ناقلةٍ بالدخول أو الخروج من دون تنسيقٍ مباشرٍ مع القوات البحرية التابعة له. ومن هذا المنطلق، تصرُّ إيران على إلزام السفن الراغبة في المرور بالمسارات والأوقات التي تحددها، وعلى تقديم طلباتها إلى الجهة الإيرانيّة المكلفة بإدارة الممر. في المقابل، ترفض واشنطن منح طهران سلطةً منفردةً على هذا المرفق المائي الدولي، وتقول إن الولايات المتحدة ستضمن حرية العبور بالقوة عند الضرورة. لكن المنطق المُتَّبَع حاليًا يؤثرُ في الأسواق العالميّة ويضعُ الجميع من دون استثناءٍ أمام أزماتٍ كبيرةٍ. وهي أزماتٌ لن تكون معالجتُهَا ممكنة من دون التوصلِ إلى اتفاقٍ جديدٍ أو إحياءِ "مذكرةِ التفاهمِ"، التي لم تصمد طويلًا بسبب التباينات الكبيرة ورفض كل طرفٍ الالتزام بتعهداته. في الاثتاء، اتهم وزير الخارجية الأميركيّ ماركو روبيو طهرانَ بانتهاكِ المذكرة المُوَقَعَة في 18 حزيران/يونيو الماضي، مؤكدًا أن ترامب يفضّل التفاوض والتوصل إلى صفقةٍ وتسويةٍ دبلوماسيةٍ مع إيران. لكنه شدّد، في الوقت عينه، على أن الولايات المتحدة لن تبقى مكتوفة الأيدي، ولن تسمح بتفجير السفن أو الاعتداء على الأميركيين. ووصلت، أمسِ الأربعاء، جثامينُ الجنود الأربعة الذين قُتلوا في الهجوم الإيرانيّ على قاعدةٍ عسكريةٍ في الأردن وفي انفجار مسيّرةٍ في العراق، إلى قاعدة دوفر الجوية في ولاية ديلاوير. وكان ترامب ووزير الحرب بيت هيغسيث في استقبالهم، خلال مراسم عسكريةٍ صامتةٍ جرت وفق التقاليد المتبعة.
وتأتي هذه "الخسائر" البشرية في ظلِّ تحوّلٍ جوهريٍّ في طبيعة الصراع في المنطقة، وتَزَايُد الضغوط على أنظمة الدفاع الجوي والتجهيزات الميدانيّة للقواعد، لا سيّما أن إيران أطلقت، وفقًا لصحيفة "واشنطن بوست"، نحو 8500 صاروخ وطائرة مُسيّرة باتجاه أهدافٍ مختلفةٍ في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من جهود التصدي المعُلن عنها، تمكّن نحو 100 هجوم من اختراق المنظومات الدفاعيّة للولايات المتحدة وحلفائها، ما خلّف أضرارًا كبيرةً وجسيمةً، بالتوزاي مع استمرار الهجمات على الكويت والأردن والبحرين. في غضون ذلك، نقل الإعلام الرسمي الإيرانيّ بيانًا لـ"الحرس الثوري"، قال فيه إن الهجمات استهدفت منظومات دفاع جويّ ورادارات ومنشآت إدارية، متوعدًا بموجاتٍ أشدّ من الهجمات الصاروخيّة والطائرات المُسيّرة. وتنظرُ دول الخليج العربي إلى هذه الاستهدافات بالكثير من القلق والحذر، لأن التصعيد لا يلائم أهدافها، بعدما سعت العديد من عواصمها إلى التهدئة ووقف تبعات الحرب. حتى أن العاصمة القطرية، الدوحة، احتضنت بعضًا من جولات المفاوضات، ودخلت سلطنة عُمان أكثر من مرةٍ على خط الوساطة. وفي هذا الإطار، أكد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجيّ جاسم البديوي، أن هجمات إيران على دول المنطقة تعطّلُ مسيرة التنمية والاستقرار وتُعَرِّضُ الاقتصاد العالميّ لمخاطر جسيمة. كما ندّد بالتصريحات العدائية لجماعة الحوثي ضد السعودية وتلويحها بإغلاق مضيق باب المندب، واضعًا ذلك في إطار "التصعيد الخطير الذي يُمثّل انتهاكًا للقانون الدولي وتهديدًا مباشرًا لحرية الملاحة الدوليّة". ويُمثِلُ دخولُ الحوثيين على خطّ المعركة، بعد فترةٍ من البقاء على الحياد، محاولةً من إيران لتوظيف جميع أذرعها أو وكلائها لزيادة الضغط على دول المنطقة وتكبيدها الخسائر وإضعاف اقتصاداتها، وفق خطةٍ ممنهجةٍ ومحكمة.
وخطرُ باب المندب لا يقلُّ أهميةً عن مضيق هُرمزَ بعدما استطاعت إيران توظيف "ورقة المضائق" واخضاعها لنفوذها وتهديد اقتصادات العالم أجمع، ما يعني المزيد من التصعيد وعدم القدرة على ضبط الأوضاع أو التكهن بإمكانية أن تُخفِّضَ المباحثات من منسوب التوترات القائمة. وقال الناطق العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع، في بيانٍ مصورٍ، إن قواتهم نفّذت ما وصفها بـ"عمليةٍ عسكريةٍ نوعيةٍ" استهدفت سفينتين نفطيتين سعوديتين، إحداهما تحمل اسم إنسيليا (ENCELIA) والأخرى تحمل اسم ليلى (LAYLA)، لمخالفتهما قرار الحظر الصادر عن القوات المسلّحة". وأعلن أن قواتهم أجبرت نحو 10 سفنٍ على التراجع والعودة، وأنهم سيواصلون عملياتهم البحرية ضد السعودية، ومستمرون في فرض ما وصفها بـ"معادلة الحصار بالحصار". وعليه، فإن ما نشهده اليوم يُمثّلُ فصلًا جديدًا من جولات العنف، التي لن تفضي إلا إلى أزماتٍ أشدّ وأكبر في حال فشل الديبلوماسيّة في ضبط الأمور وإقناع طرفي الصراع بالعودة إلى طاولة الحوار. وتسعى باكستان إلى التهدئة، كما تعمل على تحريك "المياه الراكدة" عبر اقتراحٍ قدمه الوسطاء، يقوم على هدنةٍ لعشرة أيامٍ تمهيدًا لاستئناف العمل بمذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن. ولم تعلنْ طهرانُ بعد موقفها النهائي من هذا المقترح، لكن المتحدث باسم الخارجية الإيرانيّة إسماعيل بقائي أشار إلى أن الاتفاق الذي كان قائمًا يستند إلى التزامٍ متبادلٍ، وأن إيران أوقفت تنفيذ التزاماتها ردًا على الانتهاكات الأميركيّة. في السياق، نقلت وكالة "رويترز" عن مصدرين مطلعين أن باكستان طلبت من الولايات المتحدة توفير تسهيلٍ بقيمة عشرة مليارات دولارٍ لدعم استقرار سعر الصرف. ووفق الوكالة يترافق هذا الطلب، الذي يُكْشَفُ عنه للمرة الأولى، في أعقاب دور إسلام آباد في التوسط في المحادثات المتعلقة بحرب إيران، ما عزّز مكانتها الدبلوماسيّة ودعم الآمال في إمكانية حصولها على مكاسب اقتصادية من واشنطن وشركاء آخرين.
ودفعت التوترات الحالية دولًا كثيرةً إلى التحذير من تداعيات الاستمرار في حالة المراوحة بين اللاحرب واللاسلم، فشدّد وزير الخارجية الروسيّ سيرغي لافروف على أن بلاده ليست من الأطراف التي تسعى إلى دفع الجانبين لمواصلة النزاع. وركّز على التداعيات الاقتصادية للحرب، وسعي موسكو إلى استقرار أسعار الطاقة، بما يسمح بتنفيذ سياساتٍ اقتصاديةٍ طويلة المدى. الأمر عينه تطرّقت له وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ، التي نَبَّهَت إلى أن الوضع قد يتدهور "من دون إنذارٍ يُذكر"، مشيرةً إلى أن تداعيات اضطراب أسواق الطاقة أصبحت مباشرةً وملموسةً بالنسبة إلى السكان في دول المنطقة. على المقلب الآخر، تترقّب تلّ أبيب القرارَ النهائيَّ بشأن مواصلة المسار التفاوضيّ مع إيران، أو الانتقال إلى حربٍ واسعة. وأفادت القناة الثانية عشرة الإسرائيليّة بأن الاتصالات مستمرةٌ بين البيت الأبيض ومكتب رئيس الحكومة الإسرائيليّة، لترتيب لقاءٍ بين ترامب ونتنياهو في واشنطن الأسبوع المقبل. في حين ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن انقطاع التواصل المباشر بين الرجلين خلال الأيام العشرة الأخيرة أدخل إسرائيل في حالةٍ من عدم اليقين بشأن نوايا الإدارة الأميركيّة تجاه الملف الإيرانيّ. يُذكرُ أن هذه الحرب تُسهِمُ في جرِّ المزيد من الدول إلى الأزمة، خصوصًا مع إعلان البرلمان البلغاري، أمسِ الأربعاء، الموافقة على السماح للجيش الأميركيّ باستخدام قاعدةٍ جويةٍ في جنوبِ شرقي البلاد، لدعم عملياته في الشرق الأوسط، بعدما قلّلت الحكومة من شأن تحذير طهران، التي حثّت صوفيا على تجنب التحول إلى "شريكٍ للمعتدين ومنتهكي القانون".
ويزيدُ الشأنُ الإيرانيُّ المضطربُ ضبابية المشهد برمته، خصوصًا أن لطهران أذرعًا توازي في أهميتها مضيق هُرمز. فمع تهديدات الحوثيين، لا تقلُّ الجبهةُ اللبنانيّةُ أهميةً، خصوصًا أن "حزب الله" يرفض المسار الذي تتخذه الحكومة ويُصَعِّدُ لهجته ضد رئيسيّ الجمهورية والحكومة. كما يرى أن هذه المفاوضات "ليست لها أيّ أهميةٍ تُذكر"، ويفتح نيران نوابه ومسؤوليه عليها، متهمًا الدولة بجميع أركانها بالخضوع لإملاءاتٍ أميركيّةٍ إسرائيليّة. لكن لبنانَ الرسميّ يرى في هذه الخطوة "ضرورةً لا مفرَّ منها" باعتبارها الطريقَ الوحيدَ المتاح حاليًا مع وجودِ "مظلة الدعم" المتوفرة من قبل واشنطن. ودخل الجيش اللبنانيّ بلدة زوطر الغربية، يوم الثلاثاء الماضي، وواصل، أمس الأربعاء، الكشف على معالمها لتفكيك مخلفات الحرب من أسلحةٍ وذخائر، لتأمين المنطقة وإعادة السكان إليها. فيما زارها رئيس مجلس الوزراء نواف سلام على رأس وفدٍ، وغرس علم لبنان فيها، لتأكيد عودة الشرعيّة وتثبيت حضورها في بلدات الجنوب. لكن الزيارةَ استفزّت أنصار "حزب الله" ومن يدور في فلكه، فوجّهوا تهمًا وشتائم لسلام، الذي حمل رسالتين واضحتين، الأولى موجّهة إلى جميع اللبنانيين، يؤكد فيها أن الانسحاب الإسرائيليّ، الذي بدأ من بعض المناطق، يشكلُ بدايةً فقط. أما الرسالة الثانيّة، فكانت إلى أبناء الجنوب، إذ أوضحَ أن الدولة بدأت بتسخير جميع إمكاناتها لمواكبة عودتهم إلى قراهم. وعلى الرغم من هذا المسار والتعويل على ما سينتج عن لقاءِ ترامب وعون، إلا أن القوات الإسرائيليّة واصلت خروقاتها، ونفذت العديد من التفجيرات وعمليات النسف والتمشيط في عدة قرى وبلدات جنوبيّة. وتبقى الأمورُ مرهونةً بخواتيمها وبمدى قدرة واشنطن على لجم مطامع نتنياهو واليمين المتشدّد، الذي يرفض التهدئة ويقوّض العمل بأي اتفاقياتٍ مبرمة، تمامًا كما يجري في قطاع غزّة.
ففي أول تصريحٍ له عقب انتخابه رئيسًا للمكتب السياسيّ لحركة "حماس" خلفًا ليحيى السنوار، قال خليل الحية إن الحركة ستمضي على النهج الذي رسمه قادتها المؤسسون والشهداء. وأكد أن أولوياتها في المرحلة المقبلة تتمثّلُ في وقف الحرب على غزّة، واستعادة الحياة الكريمة لسكانها، وتعزيز وحدة الصف الفلسطينيّ. كما شدّد على مواصلة العمل بالتوازي من أجل غزّة والضفة والقدس، والسعي إلى الإفراج عن الأسرى وإنهاء معاناتهم. لكن حكم الأخير يواجهُ الكثيرَ من الصعابِ والمهامِ المعقدةِ، خصوصًا أنه يأتي في لحظةٍ مفصليّةٍ مع إصرار الاحتلال على نزع سلاح "حماس" ورفض السير قدمًا بخطة ترامب، سواء لجهة إعادة الإعمار أو تحسين مستوى المساعدات الإنسانيّة. وتُصَعِّدُ إسرائيلُ استهدافاتها مؤخرًا، بالتوازي مع توسيع ما تسميه "الخط الأصفر"، الذي يُسهمُ في ابتلاعِ المزيدِ من أراضي القطاع، ويحشر مليوني فلسطيني في بقعةٍ صغيرةٍ تفتقرُ لجميع مقوّمات الحياة، من ماء وكهرباء وخدمات. في الأحداث الأخرى، يتوجّهُ رئيسُ الوزراء العراقيّ علي الزيدي إلى العاصمة الإيرانية طهران، اليوم الخميس، في زيارةٍ رسميةٍ على رأس وفدٍ حكوميٍ لعقدِ محادثاتٍ مع كبار المسؤولين الإيرانيين، تترّكز على ملفات الطاقة والتجارة والنقل والزراعة. ولا يمكن اعتبار هذه الزيارة "عابرة"، بل هي مفصليّة بعد اللقاءات التي عقدها الأخير في واشنطن، وتشديده على أن الحكومة العراقيّة تتمسّكُ بحصر السلاح بيد الدولة، على الرغم من أن الملف لن يكون ضمن جدول أعمال الزيارة، على أهميته.
وفي انتظار ما سيترتب عن هذه اللقاءات، خصوصًا أن "شدّ الحبال" مستمرٌ بين واشنطنَ وطهرانَ في ملف بغداد، برز أمس الأربعاء، توقيع السعودية والولايات المتحدة اتفاقًا للتعاون في مجال الاستخدامات السلميّة للطاقة النووية، ما يُمَثِلُ خطوةً لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين. ويُتَوَقَعُ أن تمتدَّ الاتفاقيةُ ثلاثين عامًا، وأن تُشرَكَ شركاتٌ أميركيّةٌ في تطوير البرنامج، بحسب ما أكده مسؤولون أميركيون لصحيفة "وول ستريت جورنال".
جميع هذه المستجدات كانت محور اهتمام الصحف العربيّة الصادرة اليوم الخميس، وإليكم أبرز ما جاء فيها:
رأت صحيفة "الخليج" الإماراتية أنه "كانت أمام إيران فرصة سانحة لتعديل المسار والسلوك، والاندماج في تكامل اقتصادي وتعاون تجاري وتوافق سياسي مع الإقليم، خاصة بعد عقود من التورط في أعمال تخريبية وحروب مدمرة، لكنها ما زالت متمسكة بسلوك عدواني شائن يؤثر سلبًا في الأمن الإقليمي والدولي". وأضافت أن "النظام الإيراني يعيش أزمة عميقة متعددة الأوجه سياسياً واقتصادياً ومعيشياً، وبدلاً من أن يتوجّه إلى معالجة أوجه ومظاهر هذه الأزمة بعقلانية وبحكمة، يهرب إلى الأمام بتصدير أزماته الداخلية ونقل الصراعات إلى الدول الأخرى في الجوار الإقليمي، في محاولة بائسة للتغطية على فشله السياسي والاقتصادي".
وكتبت صحيفة "عكاظ" السعودية أنه "في معاني النصر والهزيمة يسعى النظام الإيراني إلى القول إنه انتصر على الولايات المتحدة، مرتكزًا على قدرة الصواريخ على الانطلاق، لا على قدرة المخابز على إطعام الشعب، وعلى قدرة المختبئين في أنفاق الجبال أن يطلقوا الرصاص على ناقلات النفط في هرمز، وإن غابت ناقلات الغذاء والحبوب بدواعي الحصار". وأوضحت أنه "من معاني اللانصر أولًا من قائد نصّب مباشرة بمرتبة المرشد الغائب، حيث لم يظهر له صوت ولا صورة، بل حتى إنه لم يحضر مراسم عزاء والده، لا أحد يعرف إن كان مصابًا يعالج في مبنى آمن في ضواحي طهران، أو استدعت حالته نقله إلى موسكو لنواحٍ أمنية قبل أن تكون طبية". وأضافت أنه "بعيدًا عن الاستنزاف العسكري يُعد التحرك السياسي الأميركي في استضافة رئيس وزراء العراق ثم الرئيس اللبناني خطوة لاستنزاف مكانة إيران السياسية كدولة سيطرت على قرار الدولتين فيما مضى، وهذه الحبال السرية بقاؤها استنزاف وزوالها انكشاف".
صحيفة "البلاد" البحرينية، من جانبها، أشارت إلى أن "للحرب قوانين ومبادئ يجب الالتزام بها من قبل كل دول العالم ولا يصح الخروج عنها، بيد أن النظام الإيراني منذ مجيئه للحكم بالعام 1979م يبدو أنه يجهل هذه القوانين، أو يعرفها ولكن لا يعمل بها، وهذا ما أرجحه. والسياسات التي يتبعها النظام الإيراني جعلته منبوذًا عند دول العالم، ومنذ قيام الحرب التي لا تزال مستمرة بينه وبين أميركا لا يلتزم بأي قوانين، فهو قد وجه مدافعه وصواريخه ومسيراته إلى دول الخليج العربي". ولفتت إلى أن "النظام الإيراني يجد نفسه في مواجهة ليس مع الدول العربية فقط، وإنما مع دول العالم ككل، حتى تلك الدول الكبرى التي لها علاقات معه بدأت تتخلى عنه مثل روسيا والصين، حيث إن سياسات النظام الإيراني بلغت من التناقضات ما جعلنا نجد أن النظام الإيراني يحاول بكل السبل إدخال كل دول العالم في حرب عالمية ثالثة، ونجد أن انتقال العمليات العسكرية أو التهديدات إلى دول أو ممرات دولية لا تشارك في النزاع قد يؤدي إلى نتائج تتجاوز حدود الصراع الأصلي".
وتحت عنوان "فشل المشروع التوسعي"، كتبت صحيفة "الراي" الكويتية أنه "لم تعد الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على الكويت ودول الخليج مجرد حوادث أمنية معزولة، بل أصبحت امتدادًا لنهج فاسد يقوم على تصدير الأزمات إلى الخارج كلما اشتدت الأزمات في الداخل الإيراني؛ فاستهداف المنشآت المدنية والعسكرية في دول ذات سيادة يمثل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي، ويؤكد أن أمن الخليج واستقراره هو هدف إيراني لمحاولات زعزعة الاستقرار في المنظومة الخليجية". وشددت على أن "الرهان على توسيع النفوذ عبر الوكلاء والصراعات الإقليمية لم يحقق لإيران ما كانت تطمح إليه، فبدلًا من ترسيخ نفوذ دائم كما صور لها عقلها المريض أدت هذه السياسات إلى استنزاف الموارد الإيرانية وإنفاقها على مرتزقة الخارج وتعميق العزلة، وزيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية، بينما حافظت دول الخليج على مسارها التنموي، ورسخت مكانتها الاقتصادية والإقليمية".
(رصد "عروبة 22")

