صورة إسرائيل تهتز أمريكياً

صورة أرشيفية تجمع بين نتنياهو ونائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس

في الأسبوع الماضي، كتبت تحت عنوان "خلاف عابر وليس طلاقاً بائناً"، عن التصريحات شديدة اللهجة لنائب الرئيس الأمريكي جى دي فانس، ضد حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، ومن الواضح أن الأمر لم يعد يتعلق فقط بخلاف بين حكومتين، بقدر ما يتعلق باهتزاز صورة إسرائيل لدى قطاعات شعبية أمريكية. أحدث تطور بعد تصريحات فانس هو تهديدات عمدة نيويورك، زهران ممداني، باعتقال نتانياهو إذا زار نيويورك، تطبيقاً لأوامر المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.

مَن كان يتصور أن يتم انتخاب عمدة لنيويورك ولد في أوغندا لعائلة مسلمة من أصول هندية، ثم يجاهر بمعارضته العدوان الإسرائيلي، ويتبنى برنامجاً انتخابياً يسارياً واضحاً، ثم ينجح في الانتخابات، رغم أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حاربه بكل هوادة. موضوعنا ليس ظاهرة ممداني، لأن التيار الذي يمثله يشهد تنامياً ملحوظاً، وهذا ما يقلق إسرائيل وأنصارها. صحيح أن ممداني اكتشف لاحقاً أن صلاحياته كونه عمدة لنيويورك لا تخوله اعتقال نتانياهو، لكن الأصح أن الموضوع الذي صار مطروحاً للنقاش بقوة في المشهد السياسي الأمريكي هو اهتزاز صورة إسرائيل في أمريكا.

قبل 7 أكتوبر 2023 كان يمكن للمرء أن ينتقد ترامب، أو حتى الأديان المختلفة، لكن محرم عليه انتقاد إسرائيل، لأنها من "التابوهات" أو المحرمات، التي لا يجرؤ أحد على المس بها.. الآن هذا الأمر آخذ في التغير، صحيح أنه تغير بطيء، لكنه ملحوظ.. لا يعنى ذلك بأي حال قرب حدوث الطلاق البائن أو تقليل الدعم الأمريكي، لكن الأمور تتغير فعلاً.

الاهتزاز بدأ بالأساس بين طلاب الجامعات خصوصاً في الشهور التي أعقبت العدوان الأمريكي على غزة، ورأينا إدارة ترامب بمجرد عودتها للبيت الأبيض تتخذ إجراءات صارمة، وصلت إلى حد قطع الدعم الحكومي للجامعات مثل هارفارد، لأنها لم تبادر وتتخذ إجراءات عقابية ضد الطلاب والأساتذة، الذين قادوا الاحتجاجات ضد إسرائيل، كما تم ترحيل بعض الطلاب المشاركين في الاحتجاجات، الأمر الذي أدى لحدوث انقسام داخل المجتمع الأمريكي حول حرية التعبير ومعاداة السامية.

التغير الثاني المهم كان ملحوظاً داخل التيار الشبابي في الحزب الديمقراطي، إذ تراجعت النظرة الإيجابية لإسرائيل داخل هذا التيار، ثم تحولت القضية الفلسطينية إلى قضية داخلية أمريكية تؤثر في الانتخابات والسياسة الحزبية. وفي أحدث استطلاعات الرأي لمركز بيو ارتفعت نسبة الأمريكيين، الذين يحملون نظرة سلبية للحكومة الإسرائيلية، وتحسنت إلى حد ما صورة الفلسطينيين.

شيئاً فشيئاً بدأت تظهر أصوات تنتقد بشدة، وبصورة علنية إسرائيل في الطبقة السياسية الأمريكية مثل بيرني ساندرز، وألكساندريا أوكاسيو – كورتيز، ورشيدة طليب، وإلهان عمر ، ثم تطور الأمر أكثر بظهور أصوات تطالب بربط المساعدات العسكرية الأمريكية بشروط تتعلق بحقوق الإنسان، وكان مفاجئاً تماماً تصويت أكثر من مائة نائب ديمقراطي لصالح مقترح بخفض المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وهو أمر لم يكن ممكناً تصوره قبل 7 أكتوبر 2023.

وهذا ما دعا نتنياهو إلى الحديث عن ضرورة تحقيق الاستقلال التسليحي والاقتصادي، بعد أن سمع أكثر من مرة الرئيس ترامب يقول بوضوح إنه لولا أمريكا لتم إزالة إسرائيل من الوجود، وما يقلق إسرائيل أكثر أن هذا التيار المتنامي المنتقد لسياستها لم يعد قاصراً على التيار اليساري في الحزب الديمقراطي، لكنه وصل أيضاً إلى الحزب الجمهوري نفسه، خصوصاً داخل تيار "أمريكا أولاً:، وبعضهم بدأ يتحدث علناً، ويسأل عن كثرة المساعدات المقدمة لإسرائيل، وهذا ربما أحد الأسباب التي دفعت فانس لانتقاد إسرائيل.

مرة أخرى هل هذه التغيرات تشير إلى حدوث قطيعة بين البلدين؟ الإجابة هي لا، فالعلاقات الرسمية لا تزال جيدة، ودعم الكونغرس الأمريكي لإسرائيل لا يزال مستمراً وقوياً، لكن ما يقلق إسرائيل أكثر هو تنامي الانتقادات بين الشباب خصوصاً طلاب الجامعات وداخل وسائل الإعلام وداخل حركة أمريكا أولاً، ويكفى أن يتأمل المرء قلق إسرائيل من أصوات يمينية مثل الإعلامي، تاكر كارلسون.

وهناك العديد من الأصوات الإعلامية الأمريكية، التي تجاهر بانتقاد إسرائيل مثل جون سيتوارت، وكيرس هايز، ومهدي حسن، وكاني هالبر، وغلين غرينوال، وكريس هيدج، وإيمي غودمان، وكريستيان أمانبور، ونيكولاس كريستوف، وحسن بابكر، وبريان تايلر كوهين. لا يعني كل ما سبق أن علاقة أمريكا بإسرائيل تتجه للانهيار، جوهر العلاقات سيستمر قوياً.. قد تكون هناك خلافات على بعض الملفات لكن الذي تغير أن صورة حكومة نتانياهو قد اهتزت بشدة أمريكياً. السؤال المهم هو: متى تتحول هذه الانتقادات إلى تغير في السياسات؟

(البيان الإماراتية)

يتم التصفح الآن