مِنَ المَعْروفِ أَنَّ الدِّراساتِ الاجْتِماعِيَّةَ وَالتّاريخِيَّةَ السّابِقَةَ رَكَّزَتْ في تَفْسيرِها لِلظّاهِرَةِ الرَّأْسِمالِيَّةِ على ثَلاثَةِ مُنْطَلَقاتٍ كُبْرى: حَرَكِيَّةِ الإِصْلاحِ الدّينِيِّ البْروتِسْتانْتِيِّ في تَصَوُّرِها لِقِيَمِ العَمَلِ وَالإِنْتاجِ (أُطْروحَةُ ماكْس فيبر)، وَطَبيعَةِ الثَّوْرَةِ الصِّناعِيَّةِ وَما وَلَّدَتْهُ مِنْ نِظامٍ جَديدٍ لِلْعَمَلِ وَمِنْ عَلاقاتٍ طَبَقِيَّةٍ اسْتِغْلالِيَّة (مارْكْس)، وَديناميكِيَّةِ التَّوَسُّعِ الجُغْرافِيِّ وَالحَضارِيِّ الأوروبِّيِّ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَتْ أوروبّا قَلْبَ المَعْمورَةِ وَتَجْسيدَ الكَوْنِيَّةِ الإِنْسانِيَّة (نَظَرِيَّةُ فِرْنانْ بْروديل).
في هذِهِ المُقارَبَةِ الثُّلاثِيَّة، نَلْمَسُ النَّزْعَةَ المَرْكَزِيَّةَ الأوروبِّيَّة، بِاعْتِبارِ أَنّ الظّاهِرَةَ الرَّأْسِمالِيَّةَ الخاصَّةَ بِالغَرْب، نَشَأَتْ في أَحْضانِه، وَتَمَّ تَصْديرُها إلى بَقِيَّةِ العالَم، مِنْ حَيْثُ هِيَ التَّعْبيرُ التّاريخِيُّ عَنْ مَسارِ التَّحْديثِ وَاللّيبيرالِيَّة.
النشأة الأصلية للمنظومة الرأسمالية ارتبطت بالإكراه والعنف والاستغلال وليس الحرية والقوانين
أَهَمُّ ما في كِتابِ بيكِرْت هُوَ الخُروجُ عَنْ هذِهِ المُقارَبَةِ السّائِدَةِ بِالنَّظَرِ إلى الرَّأْسِمالِيَّةِ في سِياقِها العالَمِيِّ الشَّامِل، بَدَلًا مِنِ اعْتِبارِها حالَةً تاريخِيَّةً وَاجْتِماعِيَّةً أوروبِّيَّةً مَحْضَة.
في هذا السِّياقِ، يُبَيِّنُ بيكِرْت أَنَّهُ لا يُمْكِنُ فَصْلُ الرَّأْسِمالِيَّةِ عَنْ ظَواهِرَ أُخْرى مِحْوَرِيَّة، مِثْلَ الاسْتِعْمارِ الأوروبِّيِّ وَحَمَلاتِ الرِّقِّ وَالتِّجارَةِ العابِرَةِ لِلْمُحيطات، وَحَرَكاتِ الهِجْرَةِ القَسْرِيَّةِ وَاسْتِغْلالِ ثَرَواتِ بُلْدانِ الجَنوبِ المُحْتَلَّة.
وَقَدْ خَصَّصَ المُؤَلِّفُ حَيِّزًا هامًّا لِما سَمّاهُ "رَأْسِمالِيَّةَ الحَرْبِ" التي بَدَأَتْ في شَكْلِ الغَزْوِ المُسَلَّحِ لِمَناطِقَ كَثيرَةٍ مِنَ العالَمِ وَفَرْضِ العَمَلِ التَّعَسُّفِيِّ وَالهَيْمَنَةِ الإِمْبِرِيالِيَّةِ فيها. فَإِذا كانَتِ المَنْظومَةُ الرَّأْسِمالِيَّةُ تُقَدِّمُ نَفْسَها عادَةً بِأَنَّها تَتَأَسَّسُ على الأَسْواقِ الحُرَّةِ المَفْتوحَة، فَالحَقيقَةُ أَنَّ نَشْأَتَها الأَصْلِيَّةَ ارْتَبَطَتْ بِالإِكْراهِ وَالعُنْفِ وَالاسْتِغْلالِ وَلَيْسَ الحُرِّيَّةَ وَالقَوانين.
وَمِنَ الجَلِيِّ أَنَّ الرَّأْسِمالِيَّةَ الصِّناعِيَّةَ في القَرْنِ التّاسِعِ عَشَرَ لَمْ تُلْغِ رَأْسِمالِيَّةَ الحَرْب، وَإِنَّما شَكَّلَتِ امْتِدادًا لَها مِنْ حَيْثُ العَلاقاتِ التِّجارِيَّةِ بِالشُّعوبِ المُسْتَعْمَرَة، كَما هُوَ شَأْنُ المُسْتَعْمَراتِ الزِّراعِيَّةِ في أَميرْكا وَشَرِكاتِ النَّسيجِ في الهِنْد.
كَما أَنَّ الظّاهِرَةَ الرَّأْسِمالِيَّةَ لَمْ تَقُمْ على إِلْغاءِ دَوْرِ الدَّوْلَةِ المَرْكَزِيِّ في الاقْتِصادِ وَالسِّياسَةِ مِنْ أَجْلِ حِمايَةِ المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ وَالمُبادَرَةِ الشَّخْصِيَّة، بَلْ إِنَّ هذِهِ الدّيناميكِيَّةَ تَشَكَّلَتْ أَساسًا مِنْ تَدَخُّلِ الدَّوْلَةِ وَتَحَكُّمِها في القِطاعاتِ الإِنْتاجِيَّةِ مِنْ خِلالِ الجُيوشِ وَالإِدارَةِ الاسْتِعْمارِيَّةِ وَالمَحاكِمِ التِّجارِيَّة.
في هذا الباب، يُطْرَحُ عادَةً سُؤالٌ جَوْهَرِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِتَزامُنِ الظّاهِرَةِ الرَّأْسِمالِيَّةِ مَعَ قِيامِ الدَّوْلَةِ القَوْمِيَّةِ السِّيادِيَّة، على الرَّغْمِ مِنْ تَضارُبِ خَلْفِيّاتِ وَمُقَوِّماتِ الظّاهِرَتَيْن. وَلا شَكَّ أَنَّ أَهَمِّيَّةَ الكِتابِ تَكْمُنُ في كَشْفِ ارْتِباطِ المَصالِحِ العُضْوِيَّةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ السِّيادِيَّةِ الشُّمولِيَّةِ وَنِظامِها الاقْتِصادِيِّ اللّيبيرالِيّ، في ما وَراءَ الجَدَلِ العَقيمِ حَوْلَ دَوْرِ الدَّوْلَةِ في حِمايَةِ النَّسَقِ الرَّأْسِمالِيِّ أَوْ تَصْويبِ اخْتِلالاتِه.
لَقَدْ نَشَأَ هذَا الجَدَلُ بَعْدَ أَزْمَةِ 1929 وَما فَرَضَتْهُ مِنْ إِصْلاحاتٍ هَيْكَلِيَّةٍ في الدُّوَلِ الرَّأْسِمالِيَّةِ الكُبْرى، وَتَجَدَّدَتِ الحاجَةُ إلى هذِهِ الإِصْلاحاتِ في لَحَظاتِ التَّأَزُّمِ المُتَتالِيَةِ التي مَرَّ بِها الاقْتِصادُ الرَّأْسِمالِيّ، وَمِنْ آخِرِها الأَزْمَةُ المالِيَّةُ الكُبْرى سَنَةَ 2008.
مظاهر الخلل البارزة في الانتقال الاقتصادي في البلدان العربية راجعة بالأساس إلى قُصور الدولة الوطنية
لا شَكَّ أَنَّ الحالَةَ الصّينِيَّةَ الرّاهِنَةَ فَرَضَتْ مُراجَعَةَ الكَثيرِ مِنَ المُسَلَّماتِ بِخُصوصِ عَلاقَةِ الرَّأْسِمالِيَّةِ الاقْتِصادِيَّةِ بِالدَّوْلَةِ التَّخْطيطِيَّةِ ذاتِ النِّظامِ السِّياسِيِّ الأُحادِيِّ المَرْكَزِيّ، فَظَهَرَ أَنَّ الإِدارَةَ العُمومِيَّةَ وَالمَصالِحَ البيروقْراطِيَّةَ المُسَيْطِرَةَ هِيَ التي صَنَعَتْ ما أَصْبَحَ يُسَمّى على نِطاقٍ واسِعٍ بِالمُعْجِزَةِ الصّينِيَّةِ التي نَلْمَسُها بِوَتيراتٍ مُتَبايِنَةٍ في دُوَلِ شَرْقِ وَجَنوبِ آسْيا، حَيْثُ اضْطَلَعَتِ الدَّوْلَةُ بِالجانِبِ الأَوْفَرِ مِنَ التَّحْديثِ الاقْتِصادِيّ.
كانَ المُفَكِّرُ المَغْرِبِيُّ عَبْد اللهِ العَرَوِيّ قَدْ طَرَحَ في نِهايَةِ السِّتّينِيّات - مِنْ مَنْظورٍ مارْكْسِيٍّ نَقْدِيّ - ضَرورَةَ المُرورِ بِالحالَةِ اللّيبيرالِيَّةِ الرَّأْسِمالِيَّةِ مِنْ أَجْلِ تَحْديثِ المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ قَبْلَ انْتِقالِها إلى خِيارِ الثَّوْرَةِ الاشْتِراكِيَّة، وَهُوَ الجُهْدُ المَوْكولُ لِلنُّخَبِ السِّياسِيَّةِ الحاكِمَة.
وَلا شَكَّ أَنَّ مَظاهِرَ الخَلَلِ البارِزَةِ في الانْتِقالِ الاقْتِصادِيِّ في البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ راجِعَةٌ بِالأَساسِ إلى قُصورِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ وَفَشَلِها في قِيادَةِ التَّحَوُّلِ التّاريخِيِّ المَنْشود.
(خاص "عروبة 22")

