بصمات

مَتى تَستَعيدُ البَشَرِيَّةُ بُعْدَها الإنسانيَّ المَهدور؟

لَمْ يَكُنْ رَحيلُ المُفَكِّرِ الفَرَنْسِيِّ إِدْغار موران (1921-2026) حَدَثًا عابِرًا بِالنَّظَرِ إلى نَوْعِيَّةِ المُنْجَزِ الفِكْرِيِّ الذي خَلَّفَهُ الرَّجُل، وَطَبيعَةِ المَرْحَلَةِ التّاريخِيَّةِ الَّتي تَعيشُها البَشَرِيَّةُ اليَوْم. فَعلى الرَّغْمِ مِنْ مَوْقِفِ بَعْضِ الأَطْرافِ الاخْتِزالِيِّ بِخُصوصِ تَنْديدِ موران بِهَجَماتِ حَرَكَةِ "حَماس" في 7 أُكْتوبَر/تِشْرين الأَوَّل 2023، فَإِنَّ المُطَّلِعَ على مُدَوَّنَةِ المُفَكِّرِ الرّاحِلِ لا يُمْكِنُهُ إِلّا تَأْكيدُ تَجَذُّرِ نَزْعَتِهِ الإِنْسانِيَّةِ التي عَكَسَتْها مُنْطَلَقاتُهُ المَعْرِفِيَّةُ وَالمَنْهَجِيَّةُ في مُناقَشَتِهِ لِقَضايا البَشَرِيَّةِ وَاسْتِشْرافِ آفاقِها.

مَتى تَستَعيدُ البَشَرِيَّةُ بُعْدَها الإنسانيَّ المَهدور؟

لَمْ يَعُدِ الحَديثُ اليَوْمَ عَنْ إِهْدارِ النَّزْعَةِ الإِنْسانِيَّةِ تَرَفًا نَظَرِيًّا أَوْ بَهْرَجًا خِطابِيًّا سَواءً في العالَمِ العَرَبِيِّ أَوْ في غَيْرِهِ مِنْ مَناطِقِ العالَم. إِذْ يُلاحَظُ على الصَّعيدِ العَرَبِيِّ تَراجُعُ قِيَمِ التَّضامُنِ وَلَوْ في حُدودِها الدُّنْيا. فَقَدْ كانَتْ عَديدُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ لا تَتَأَخَّرُ في تَقْديمِ مُساعَداتِها الإِنْسانِيَّةِ لِشَقيقاتِها العَرَبِيَّة، لا سِيَّما خِلالَ حُدوثِ كَوارِثَ طَبِيعِيَّة، أَوْ حَتّى في بَعْضِ الحُروبِ مِثْلَ حَرْبِ أُكْتوبَر/تِشْرين الأَوَّل 1973 التي دَعَمَ فيها بَعْضُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مِصْر.

إِذا تَجاوَزْنا المَجالَ السِّياسِيّ، وَتَأَمَّلْنا بَقِيَّةَ المَجالاتِ التي لا جِدالَ في طابِعِها الإِنْسانِيِّ مِثْلَ مَجالَيِ الصِّحَّةِ وَالتَّعْليم، فَإِنَّ المَرْءَ يُذْهَلُ مِنْ تَفاقُمِ النَّزْعَةِ الوُصولِيَّةِ الانْتِهازِيَّةِ إلى حَدٍّ أَضْحى فيهِ الحَقُّ في الصِّحَّةِ مُجَرَّدَ نَصٍّ مُدَوَّنٍ في الدَّساتير. أَمَّا واقِعِيًّا، فَمَنْ لا يَمْتَلِكُ الأَمْوالَ الكافِيَةَ لِتَأْمينِ عِلاجِهِ في المَصَحّاتِ الخاصَّةِ مُعَرَّضٌ لِشَتّى أَشْكالِ التَّسْويفِ وَالإِهْمال. وَلا يَخْتَلِفُ الوَضْعُ التَّعْليمِيُّ عَنِ الوَضْعِ الصِّحِّيِّ نَوْعِيًّا. فَقَدْ أَضْحى التَّعْليمُ في ظِلِّ الخَوْصَصَةِ المُفْرِطَةِ سِلْعَةً رابِحَةً لا يَقْتَصِرُ المُتَلاعِبونَ بِها على مُراكَمَةِ الثَّرَواتِ الطَّائِلَةِ مِنْها، وَإِنَّما شَهِدَتْ كَذَلِكَ تَغَلْغُلَ عَديدِ القُوى الإِقْليمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ لِتَحْقيقِ مَطامِحِها الاسْتراتيجِيَّةِ في العالَمِ العَرَبِيّ.

تحوّلت القوانين الدولية والأمم المتحدة إلى جزء من الماضي الرومانسي

قَدْ يَتَّخِذُ إِهْدارُ النَّزْعَةِ الإِنْسانِيَّةِ في المَجالِ الفِلَاحِيِّ شَكْلًا مِنْ أَشْكالِ "الإِرْهابِ الغِذائِيِّ" الذي لا يَسْتَهْدِفُ فَقَطِ التَّحَكُّمَ في تَوْزيعِ المُنْتوجاتِ الفِلَاحِيَّةِ في الأَسْواقِ وَالمُضارَبَةَ في أَسْعارِها، وَإِنَّما كَذَلِكَ التَّلاعُبَ بِجَوْدَتِها عَبْرَ الاسْتِخْدامِ المُكَثَّفِ وَالمُنْفَلِتِ عَنْ مُراقَبَةِ الأَدْوِيَةِ وَالأَسْمِدَة، مِمّا يُخَلِّفُ أَضْرارًا بيئِيَّةً وَصِحِّيَّةً جَسيمَةً تُهَدِّدُ صِحَّةَ المُسْتَهْلِكين. وَقَدْ تُفْضي بِهِمْ أَحْيانًا إلى الإِصابَةِ بِأَمْراضٍ خَطيرَةٍ أَوِ المَوْت. يَعودُ ذَلِكَ الخَوَرُ إلى ضَعْفِ الوازِعِ الأَخْلاقِيِّ وَمَحْدودِيَّةِ المُراقَبَةِ الصِّحِّيَّةِ وَالإِدارِيَّة، مِثْلَما تَشْهَدُ بِهِ مُخْتَلِفُ الإِحْصائِيّاتِ الرَّسْمِيَّةِ وَالتَّقاريرِ الإِعْلامِيَّةِ في بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة.

لَمْ يَكُنِ انْحِسارُ النَّزْعَةِ الإِنْسانِيَّةِ عَرَبِيًّا بِمَعْزِلٍ عَنِ المُسْتَجَدَّاتِ الدُّوَلِيَّة، وَإِنَّما توجَدُ عَلاقَةٌ جَدَلِيَّةٌ بَيْنَهُما. فَقَدْ تَحَوَّلَتِ القَوانينُ الدَّوْلِيَّةُ وَالأُمَمُ المُتَّحِدَةُ إلى جُزْءٍ مِنَ الماضي الرّومانْسِيّ. إِذْ أَصْبَحَ مِنَ النّادِرِ الاكْتِراثُ بِها مِثْلَما كَشَفَتْهُ حَرْبُ الإِبادَةِ الإِسْرائيلِيَّةُ المُسْتَمِرَّةُ على غَزَّة. وَالحَقيقَةُ أَنَّ ذَلِكَ التَّحَوُّلَ الرَّهيبَ بَرَزَ بِوُضوحٍ مُنْذُ تِسْعينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، وَاتَّخَذَ مَنْحًى تَصاعُدِيًّا خِلالَ احْتِلالِ العِراقِ سَنَةَ 2003، على الرَّغْمِ مِنَ المُعارَضَةِ الدَّوْلِيَّةِ الكُبْرى لِقَرارِ الحَرْبِ الأَميرْكِيِّ/البَريطانِيّ. وَازْدادَ الوَضْعُ قَتامَةً خِلالَ العَقْدَيْنِ الأَخيرَيْنِ مَعَ خُفوتِ الأَصْواتِ المُنادِيَةِ بِالحُرِّيَّةِ وَالعَدالَةِ وَالكَرامَةِ الإِنْسانِيَّةِ المُنَزَّهَةِ عَنْ لُعْبَةِ الأُمَم، وَالتَّوْظيفِ الاسْتِعْمارِيِّ الجَديدِ لِشِعاراتٍ حُقوقِيَّةٍ مَوْهومَةٍ وَتَصْديرِ ديموقْراطِيَّةٍ شَكْلِيَّةٍ قَصْدَ انْتِهاكِ سِيادَةِ الدُّوَل.

"الانفجار الكبير" يمكنه اتخاذ أشكال أكثر فتكًا ودمارًا بأقلّ مجهود ممكن

إِنَّ المُطَّلِعَ على مُخْتَلِفِ التَّجارِبِ الإِنْسانِيَّةِ يَتَيَقَّنُ مِنْ أَنَّ الأَزْمَةَ البَشَرِيَّةَ الرّاهِنَةَ مُرَشَّحَةٌ إلى انْفِجاراتٍ مُدَوِّيَةٍ غَيْرِ مَسْبوقَة، لِأَنَّ كُلَّ مُقَوِّماتِ انْفِجارِ الأَوْضاعِ قَدْ تَوَفَّرَت. وَقَدْ لا يَكونُ ذَلِكَ "الانْفِجارُ الكَبيرُ" في شَكْلِ حَرْبٍ عالَمِيَّةٍ مُدَمِّرَةٍ مِثْلَما حَدَثَ خِلالَ الحَرْبَيْنِ العالَمِيَّتَيْنِ الأولى وَالثّانِيَة، وَإِنَّما يُمْكِنُهُ اتِّخاذُ أَشْكالٍ أُخْرى أَكْثَرَ فَتْكًا وَدَمارًا بِأَقَلِّ مَجْهودٍ مُمْكِنٍ، مِثْلَما أَبانَتْ عَنْهُ جائِحَةُ كورونا سَنَةَ 2019 وَغَيْرُها مِنَ الفَيْروساتِ الفَتّاكَةِ المُرَشَّحَةِ لِحَرْبِ الفَيْروسات، أَوِ المَخاطِرُ المُتَرَتِّبَةُ عنِ اسْتِخْدامِ الإِنْسانِ الآلِيِّ وَالذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ في الحُروبِ أَوِ الحَرْبِ السّيبْرانِيَّة.

يُمْكِنُ اسْتِعادَةُ البُعْدِ الإِنْسانِيِّ المَهْدورِ إِذا ما تَمَّتِ المُصالَحَةُ مَعَ الذّاتِ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ مَدْخَلًا أَساسِيًّا لِكُلِّ عَمَلِيَّةِ تَغْييرٍ إيجابِيٍّ يَسْتَهْدِفُ المُراهَنَةَ على الإِنْسانِ بِصِفَتِهِ كائِنًا حَقَّانِيًّا انْفَرَدَ بِالتَّكْريمِ الإِلَهِيّ، وَاخْتارَ بِإِرادَةٍ مِنْهُ الحُرِّيَّةَ على العُبودِيَّةِ الأَبَدِيَّة. وَلا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضي التَّكْريسَ الفِعْلِيَّ لِحُقوقِ الإِنْسانِ مِنْ دونِ تَمْييزٍ أَوْ تَفْضيلٍ شوفينِيٍّ أَوْ إِثْنِيّ، مَعَ إِحْكامِ الصِّلاتِ بِالواقِعِ وَالمُحافَظَةِ على المَصالِحِ المُتَبادَلَةِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ المُجْتَمَعاتِ وَالأُمَم. فَلَيْسَ صَحيحًا دائِمًا أَنَّ الحَضاراتِ لا تُبْنى إِلَّا على أَنْقاضِ بَعْضِها بَعْضًا. فَما أَكْثَرَ التَّجارِبِ الإِنْسانِيَّةِ التي تُثْبِتُ أَصالَةَ قِيَمِ التَّفاعُلِ وَالتَّكامُلِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الحَضاراتِ وَالثَّقافات. وَهُوَ ما يُؤَكِّدُ أَهَمِّيَّةَ التَّرْكيزِ على المَصيرِ الإِنْسانِيِّ المُشْتَرَكِ لِاسْتِعادَةِ البُعْدِ الإِنْسانِيِّ المَهْدور.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن