يبدو أن بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل آخذ في التصعيد في حروبه الثلاث (لبنان والضفة الغربية وغزة) ولو أن كلا منها يتخذ مسارا عسكريا وسياسيا مختلفا عن الآخر، من حيث الأهداف المعلنة رسميا وتلك غير المعلنة ولو أنها غير خفية لمن يتابع طبيعة الخطاب الحامل لتلك الأهداف. التوقيت بالطبع يرتبط بشكل مباشر في "حربه الانتخابية" بانتظار ساعة الحسم في موعد الانتخابات نهاية شهر أكتوبر القادم. فبقدر ما يكون الخطاب معبرا عن أهداف اليمين المتشدد، الديني والسياسي، الحاكم والمهيمن في إسرائيل بأطرافه ومكوناته المختلفة تنظيميا وعقائديا في إطار التشدد ذاته، بقدر ما يساهم في الدفع نحو عودة نتنياهو على رأس الليكود إلى السلطة.
خطاب يقوم على إلغاء الآخر هوية وطنية وحقوقا شرعية تستند إلى التاريخ وإلى القوانين والأعراف والقرارات الدولية ذات الصلة. أصولية دينية وأخرى استراتيجية تحكم السياسة الإسرائيلية في لعبة تحالفات داخلية متغيرة تخضع للاعتبارات السياسية "التقليدية" ولموازين القوى بين هذه الأطراف في لحظة معينة. يشجع على ذلك بالطبع غياب أي رادع دولي فاعل وذي مصداقية يوقف هذا التوجه في المجتمع الإسرائيلي. في غزة يتم التوسيع تدريجي "للخط الأصفر": تضيق الجغرافيا ويزداد الثقل الديمغرافى ليشكل حالة ضاغطة على الأرض ومتفجرة وبالتالى طاردة للسكان مع الوقت.
الأمر ذاته ازداد في الضفة الغربية حيث تتسارع وتتوسع عملية تهويد الجغرافيا والديمغرافيا (من خلال تشجيع الاستيطان المحاصر والخالق لأوضاع طاردة للسكان أيضا مع الوقت)، مع ما لذلك من مخاوف وتداعيات إذا ما استمرت على دول الجوار المباشر والأبعد. في لبنان الذي كان دائما ساحة صراع وحروب للآخرين أيا كانت العناوين لهذه الحروب، دون أن نعفي اللبنانيين من إسهامهم بشكل أو بآخر في هذه الحروب. هذا مع التأكيد، أو التذكير بالنسبة للبعض، أن إسرائيل كانت وتبقى دولة عدوة ومصدر خطر كبير على لبنان. لكن ذلك لا ينفي إسهام أطراف كثيرة في أوقات مختلفة ولأهداف وتحت عناوين مختلفة في إشعال أو تسخين "الجبهة اللبنانية". استراتيجيات كبرى لقوى إقليمية، ومعها قوى دولية، حاملة أو معبرة عن عقائد أو سياسات جذابة لمكونات سياسية متعددة في مراحل مختلفة ساهمت في جعل لبنان صندوق بريد لتبادل "الرسائل السياسية" ولعبة النفوذ في المنطقة.
الضعف أو الشلل أو الغياب الذي اتسم به دور الدولة في المجال الأهم في الأمن الوطني الذي هو أساسا من مسؤولياتها الرئيسية (قرار الحرب والسلم) أدى إلى جعل لبنان لسنوات طويلة "يقوم" بدور صندوق البريد لصراعات النفوذ في الإقليم. وكما نذكر دائما يتغير اللاعبون ولا تتغير اللعبة. إسرائيل اليوم ترفض احترام قرار وقف إطلاق النار وذلك منذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه في نوفمبر 2024. وما زال الموقف الإسرائيلي ذاته كما نرى نتائجه كل يوم على الأرض. يستمر ذلك، رغم التوصل إلى الاتفاق الإطارى التى لعبت واشنطن الدور الرئيسى فى بلورته، وثم رعاية الولايات المتحدة الأمريكية للمفاوضات المباشرة التي انطلقت في واشنطن قبل أن تنتقل إلى روما. أيا كانت مواقف هذا الطرف أو ذاك فيما يتعلق بالمفاوضات المباشرة أو فيما يتعلق بتحسين شروط المفاوضات المباشرة وكيفية إدارتها، يجب الانكباب على توظيف الأوراق التي يمكن توفيرها لتعزيز الموقف اللبناني.
الموقف الذي يهدف أساسا "للعودة إلى الدولة" من حيث مسئولياتها الكلية ومهامها ودورها في كل ما يتعلق بالأمن الوطني، والانتهاء من لعبة التسويات أو التفاهمات المؤقتة. التفاهمات التي تؤدى إلى وقف إطلاق النار أو إلى هدن تبقى مؤقتة، أو إلى خفض وتقييد أو تجميد الصراع العسكري، تنتهى بانتهاء دورها ووظيفتها بالنسبة لأي من الأطراف المتواجهة والممسكة بالوضع على الأرض، والأمثلة على ذلك كثيرة منذ تفاهم نيسان (1996) قبل التحرير والتفاهمات غير المكتوبة بعد حرب تموز 2006، والتي سقطت مع حرب إسناد غزة.
إن الخروج من منطق التسويات المؤقتة أيا كان مدى حياتها يمر أولا بإعطاء مصداقية للمفاوضات في بداياتها. يكون ذلك عبر احترام إسرائيل كليا لوقف إطلاق النار والتوقف منذ اليوم الأول كما نشهد عن إغراق مسار المناطق التجريبية أو النموذجية في "الرمال المتحركة" للشروط والتعقيدات المتزايدة لما يفترض أن يكون انسحابا تدريجيا مقابل انتشار تدريجي للجيش اللبناني. لعبة الوقت والعمل على خلق واقع جديد على الأرض ورفع سقف الشروط التعجيزية التي تكررها إسرائيل كلاما وفعلا لن تساعد في انطلاقة فعلية وفعالة للمفاوضات.
المطلوب من الشريك والراعي، والبعض يقول المهندس الأمريكي للمفاوضات، أن يتخذ موقفا حازما من خلال الضغط على إسرائيل لاحترام وقف إطلاق النار كليا أو تحديدا لوقف حربها المستمرة والبدء بمسار الانسحاب الكلي وليس الجزئي أو الانتقائي لإسرائيل، وتوفير المساعدات العسكرية والأكثر من ضرورية لسيطرة الجيش كليا على المنطقة الممتدة من جنوب الليطاني إلى الحدود الدولية للبنان (خط الهدنة أولا كما لحظته اتفاقية الهدنة عام 1949 والتى لا تملك إسرائيل حق إسقاطها) وبالتالي "تثبيت" الحدود اللبنانية مع إسرائيل التي هي الحدود الدولية للبنان التي رسمت مع فلسطين عام 1923.
هنالك دور كثر من ضروري لواشنطن بشكل خاص كونها المهندس الأساسي للمسار التفاوضي الذي ترعاه، وللدول الصديقة للبنان وتلك أيضا المعنية بالاستقرار في المنطقة عبر هذه "البؤرة الساخنة" والجاهزة دائما للانفجار، للدفع بهذا الاتجاه وإنجاحه. يكون ذلك عبر الضغط المباشر على إسرائيل، وواشنطن أساسا، وغيرها من العواصم الدولية، تملك أوراقا كثيرة لتوظيفها في هذا المجال الذي هو لمصلحة الاستقرار ليس فقط على صعيد الجبهة اللبنانية الإسرائيلية بل على المستوى الإقليمي أيضا.
(الشروق المصرية)

