يُعيدُ الرئيسُ الأميركيّ دونالد ترامب خلطَ الأوراقِ في المنطقةِ عبرَ التصريحاتِ التي أطلقَهَا على مدارِ اليومينِ الماضيينِ، وتحديدًا خلال مشاركتِهِ في قمةِ "مجموعةِ السبع" التي عُقِدَت في مدينةِ إيفيان الفرنسيّة. وكشفَت القمةُ عن تناقضاتٍ واسعةٍ في وجهاتِ النظرِ حولَ العديدِ من الملفاتِ الأساسيّةِ، خصوصًا أنها وضعَت على جدولِ مباحثاتِهَا مواضيعَ الساعةِ، من الاتفاقِ مع إيرانَ وانعكاساتِهِ ومنها الحربُ على لبنانَ، كما الصراعُ المستمرُّ في أوكرانيا وسطَ مساعٍ أوروبيّةٍ واضحةٍ لوضعِ حدٍّ لهذهِ الأزمةِ، مع اهتمامٍ "غير كافٍ" بالقضيةِ الفلسطينيّةِ وما يجري في غزّة والضفة الغربيّة. واستمعَ الرأيُ العامُ إلى تلك التصريحات، التي بدا بعضُهَا "مستغربًا" و"مُستهجنًا"، خصوصًا أن ترامب تناولَ في معظمِهَا علاقاتِهِ مع قادةِ دولِ الخليجِ العربي، وعلى رأسهم الإمارات والسعودية. كما تطرّقَ إلى سوريا أكثرَ من مرّة، محاولًا تأكيدَ محوريةَ دورِ دمشق وأهميةَ خطواتِ رئيسهَا أحمد الشرع. لكنه أيضًا حاولَ توريطَ الشرع في الأزمةِ اللبنانيّةِ عبرَ تكرارِ مقترحِ تعاملِ "سوريا الجديدة" مع "حزب الله".
ويعتبرُ هذا الاقتراحُ وصفةً جاهزةً لحربٍ أهليّةٍ لا يمكنُ أن تقتنعَ بها سوريا، إذ إنها تحاولُ لملمةَ جراحَ 14 عامًا من القتالِ، وإعادة النسيجِ الاجتماعيِّ بعد أيامٍ من التظاهراتِ والأحداثِ الأمنيّةِ على خلفيةِ المطالبةِ بمحاسبةِ "فلولِ النظامِ السابق". فدمشق اليوم في حاجةٍ ماسةٍ، أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى، إلى التركيزِ على شؤونِهَا الداخليّةِ والانطلاقِ نحو مسارِ إعادةِ الإعمارِ، لا سيّما أنها تحظَى بمظلةِ دعمٍ عربيّةٍ تركيّةٍ واضحةٍ، ما يُمكّنهَا من استقطابِ مشاريع ضخمة بدلًا من الغرقِ في "المستنقعِ اللبنانيّ". فلن ينتجَ عن هذا المستنقعِ سوى الدمِ وتعقيدِ العلاقاتِ التي أكدَ الشرعُ أكثرَ من مرّةٍ بأنه يسعَى إلى تحسينِهَا وفقَ أطرِ حسنِ التعاملِ مع الجوارِ، رافضًا، في تصريحِهِ الأخيرِ قبل مواقفِ ترامب الأخيرة، وجودَ نيّةٍ للتدّخل. وفي انتظارِ ما سيصدرُ عن دمشقَ في حالِ قررَ الشرعُ الرّدَ، يبدو أن واشنطنَ تدفعُ نحو إعادةِ مسارِ المحادثاتِ بين سوريا وإسرائيل بعد فترةٍ من التوقفِ، بالتوازي مع المفاوضاتِ المباشرةِ التي تستمرُّ في واشنطن بين لبنانَ وإسرائيل. هذا وتمرُّ العلاقاتُ الأميركيّة – الإسرائيليّة بمرحلةٍ حساسةٍ، بسببِ استمرارِ الانتقاداتِ التي يوجّهُهَا ترامب إلى صديقِهِ "بيبي"، أي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بسببِ ما قالَ إنه اختلافٌ في وجهاتِ النظرِ حولَ كيفيةِ التعاملِ مع الملفِ اللبنانيّ، ناصحًا إياه بأن يكون "أكثرَ تسامحًا". ورأى أن تلّ أبيب "لا تبلي بلاءً حسنًا في مواجهةِ حزبِ الله"، لكنه أيضًا لم ينفِ وجودَ "شراكةٍ رائعةٍ" تجمعُهُ به. وأحدثت هذه التصريحاتُ بلبلةً لدى نتنياهو والمسؤولينَ الإسرائيليينَ، فالتأمَ المجلسُ الأمنيُّ والسياسيُّ المُصغرُ (الكابينت)، وعقدَ اجتماعًا استمرَ نحوَ خمسِ ساعاتٍ، بمشاركةِ السفيرِ الإسرائيليّ لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر، لمناقشةِ مختلفِ الجبهاتِ والتطوراتِ الإقليميّة.
وترتابُ تلّ أبيب من أن يكونَ ثمن توقيع مذكرةِ التفاهمِ بين واشنطنَ وإيرانَ، يوم الجمعة في جنيف، هو مطالبتُهَا بالانسحابِ الفوري من لبنانَ بهدفِ عدمِ عرقلةِ الاتفاقِ، ما ترفضه جملةً وتفصيلًا. فيما تستمرُ خروقاتُ اتفاقِ وقفِ النارِ، في إطارِ تأكيدهَا أنها غير ملتزمة بما جرَى التوصلُ إليه في مفاوضاتِ إسلام آباد. وذكرت "القناةُ الثالثة عشرة" أن إسرائيلَ تعملُ على إعدادِ خطةٍ لتقليصِ حجمِ قواتِهَا، بما يتيحُ لجيشِهَا الإبقاءَ على وجودِهِ في مواقعَ استراتيجيّةٍ داخلَ مناطق العمليات. في الأثناءِ، اتهمت "منظمةُ العفو الدوليّة" الجيشَ الإسرائيليَّ بتوسيعِ استخدامِ أوامرِ إخلاءٍ جماعيّةٍ "غير قانونيّةٍ" في لبنانَ، قائلةً إن منعَ عشراتِ الآلافِ من المدنيينَ من العودةِ إلى مناطقِهِم في الجنوبِ يرقَى إلى "جريمةِ حرب". وأصدرَ العدوُ العشرات من أوامرِ الإخلاءِ الجماعيّةِ طوالَ الفترةِ الماضيةِ، ما سبَّبَ حالةً من الهلعِ وارتفاعِ أعدادِ النازحينَ، في حين أشارت المعطياتُ الميدانيّةُ إلى أن الاحتلالَ واصلَ، أمسِ الأربعاء، اعتداءاتِهِ على أكثرِ من بلدةٍ جنوبيّةٍ، بالتزامنِ مع استمرارِ حركةِ عودةِ الأهالي لتفقّدِ منازلِهِم وقراهِم على الرغمِ من المخاطرِ العالية. وبين الرفضِ اللبنانيِّ الجلّيِ لأيِّ تدخلٍ سوريٍّ في البلادِ وسعيها إلى الحدِّ من التغلغلِ والنفوذِ الإيرانيّ، كرّرَ رئيسُ الجمهوريةِ جوزاف عون الموقفَ الرسميَّ عينه لجهةِ إصرارِ الدولةِ على استقلاليةِ مسارِ لبنانَ في المفاوضات. وقال: "كنا بالتأكيد مع وقفِ إطلاقِ النارش ومع أيّ دولةٍ تساعدُنا، ومن ضمنها إيران"، لكنه أوضحَ أن "الدولةَ اللبنانيّةَ تُفَاوِضُ عن نفسِهَا، وهي سيدةُ قرارِهَا وما من أحدٍ يأخذُ مكانَهَا، وأيُّ تسويةٍ ستُعقَدُ ستكونُ من خلالِنَا لا على حسابِنَا".
كلامُ عون تلاقيه على الضفةِ الأخرى تصريحاتُ الأمينِ العام لـ"حزبِ الله" نعيم قاسم، الذي يصرُّ على شكرِ إيرانَ وربطِ ملفِ بيروتَ بطهران، من دونِ أيِّ اعتبارٍ للقرارِ اللبنانيّ. ففي هذا الإطار، اعتبرَ قاسم أن "المقاومةَ نجحَت في كسرِ مشروع إسرائيل الكبرى، وحماية الوجود اللبنانيّ من مخططاتِ الإبادةِ والتهجير". وشدّدَ على أن "سقفَ المفاوضاتِ مع الاحتلالِ يرتكزُ حصرًا على مُعادلةِ الأمنِ المتبادل". كما جدّدَ رفضَ الحزبِ المطلقِ لأيِّ مشاريع تتضمنُ نزعَ سلاحِهِ، واصًفا إياها بالـ"وصفةِ الإسرائيليّةِ" التي لن تمرّ. أما رئيسُ مجلسِ النوابِ نبيه بري، فأكدَ أهميةَ بقاءِ قواتِ "اليونيفيل" العاملةِ في جنوبِ لبنان وفقَ ولايتِهَا المحددةِ في القرارِ 1701 إلى حين تطبيقِهِ كاملًا. وشدّدَ على ضرورةِ استمرارِهَا في مؤازرةِ الجيشِ اللبنانيِّ في مهمتِهِ الوطنيّةِ بالانتشارِ على الحدودِ الدوليّةِ بعدَ إنهاءِ الحربِ الإسرائيليةِ على لبنانَ وانسحابِ إسرائيلَ إلى ما وراءِ الحدودِ الدوليّة. ويتخبطُ لبنانُ بسببِ ما يمرّ بِهِ، لكنه يسعَى إلى استمرارِ المفاوضاتِ من جهةٍ، والحصولِ على دعمٍ لوقفِ المخططاتِ الإسرائيليّةِ من جهةٍ ثانيةٍ، ما سيكونُ مدارَ بحثٍ خلال اللقاءَ الذي سيجمعُ رئيسَ الحكومة نواف سلام بالرئيسِ الفرنسيّ إيمانويل ماكرون في باريس. وتهدفُ الزيارةُ "السريعةُ"، التي تمتدّ يومًا واحدًا فقط، إلى الاطّلاعِ على ما دارَ في قمةِ "مجموعةِ السبع"، وتحديدًا ما يتعلقُ بوضعِ لبنانَ على ضوءِ المواقفِ التي أطلقَهَا ترامب وغيره من القادةِ الذين اجتمعوا هناك.
إلى ذلكَ، يبدو أن واشنطنَ تُقاربُ الملفَ اللبنانيَّ باعتباره "تفصيلًا صغيرًا" و"موضوعًا هامشيًا"، بينما تستكملُ خطواتِهَا في توقيعِ التسويةِ مع طهران. وجزمَ المتحدثُ باسمِ وزارِة الخارجيّةِ الإيرانيّةِ إسماعيل بقائي، أمسِ الأربعاء، بأن بلادَهُ والولاياتَ المتحدةَ وقعتَا إلكترونيًا مذكرةَ تفاهمٍ لإنهاءِ الحربِ، لتمهّدا بذلك إلى المرحلةِ الثانيةِ من المفاوضاتِ خلالَ 60 يومًا بهدفِ التوصلِ إلى اتفاقٍ نهائيّ. ووفق موقعِ "أكسيوس"، وقَّعَ ترامبُ شخصيًا نسخةً من الاتفاقيةِ، خلال عشاءٍ مع الرئيسِ الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر "فرساي". وأُرسِلَت صورةٌ من الاتفاقيّةِ الموقعةِ إلى الإيرانيينَ والدولِ الوسيطةِ، ما يعني أن المذكرةَ دخلَت حيّزَ التنفيذ. وفي أولى ردودِ الفعلِ، وصفَ رئيسُ البرلمانِ وكبيرُ المفاوضينَ الإيرانيينَ محمد باقر قاليباف مذكرةَ التفاهمِ بأنها أشبه بـ"هزيمةٍ لواشنطن". وإذ أكدَ أن إيرانَ تعتزمٌ فرضَ رسومٍ على السفنِ التي تعبرُ مضيقَ هُرمزَ، كرّرَ بأن "المضيقَ لن يعودَ إلى ما كان عليه قبل الحرب". كما أوضحَ أن لبلادِهِ "حقٌ سياديٌ في المضيقِ، وبالطبعِ سنجبي رسومًا مقابلَ هذه الخدمات". ويهدفُ هذا الموقفُ إلى شدِّ العصبِ واستمرارِ طهرانَ في إرسالِ رسائلَ غير مباشرةٍ "لمن يعنيهم الأمرُ" بأنها لا تزالُ ممسكةً بالملفِ برمته، وأنها لن تقايضَ ما تدّعِي أنه "خطوطُهَا الحمراء". بدورِهِ، يبدو ترامبُ "واثقًا" من أن "إيرانَ لن تمتلكَ سلاحًا نوويًا"، مُشيدًا بأن التسويةَ الحاليةَ انعكسَت إيجابًا على حركةِ الأسواق، مع ارتفاعٍ كبيرٍ في مؤشراتِ الأسهمِ وانخفاضٍ حادٍ في أسعارِ النفط. وأشارَ إلى أن الإيرانيينَ سينفذونَ مذكرةَ التفاهمِ، محذرًا من أنه "إذا لم يفعلوا سنعاودُ القصف".
ولا يزالُ الطريقُ طويلًا ويتخلّله الكثيرُ من "المطباتِ"، لأنه لم يُبَتّ في الملفاتِ الحساسةِ بل تُرِكَت إلى المحادثاتِ التي ستُعقدُ في المرحلةِ المقبلة. وتدخلُ بنودُ التسويةِ في إطارِ التكهناتِ مع نشرِ العديدِ من وسائلِ الإعلامِ تسريباتٍ بشأنها، في حين أوضحَ نائبُ الرئيسِ الأميركيّ جيه دي فانس أن نصَ المذكرةِ سيُنشرُ يومَ الجمعةِ المقبلِ على أقصَى تقدير. وأشارَ إلى أن واشنطنَ تحاولُ الدفعَ نحوَ نشرِهِ قبل ذلكَ الموعدِ، لإطلاعِ الشعبِ الأميركيِّ على تفاصيلِ الاتفاق. وأوضحَ أن المزايا الاقتصاديةَ الممنوحةَ لإيرانَ ستكونُ مشروطةً باستجابتِهَا لمطالبِ واشنطنَ المتعلقةِ بـ"وقفِ تمويلِ الإرهابِ والتخلي عن السعي إلى امتلاكِ سلاحٍ نووي". وبحسب ما جرى تداولُهُ، تنصُّ المذكرةُ على: أولًا، الإنهاء الفوري والدائم للعملياتِ العسكريةِ على جميعِ الجبهاتِ، من ضمنِهَا لبنان. ثانيًا، إنهاءُ الحصارِ البحريِ الأميركيِ على إيرانَ خلال 30 يومًا، على أن تعودَ حركةُ السفنِ تدريجيًا إلى مستوياتِ ما قبلِ الحرب. كما تتعهدُ الولاياتُ المتحدةُ بإبعادِ قواتِهَا عن محيطِ إيران. ثالثًا، تتعهدُ الولاياتُ المتحدةُ مع شركاء إقليميينَ بالعملِ على إنشاءِ صندوقٍ لا تقلّ قيمتُهُ عن 300 مليار دولارٍ لإعادةِ إعمارِ إيرانَ وتنميتِهَا الاقتصاديةِ، على أن يرتبطَ تنفيذُ ذلكَ بمسارِ الاتفاقِ النهائيّ. رابعًا، إبقاءُ مضيقِ هُرمزَ مفتوحًا ومن دونِ رسومٍ لمدةِ 60 يومًا. أما في ما يتعلقُ بالملفِ النوويِ ورفعِ العقوباتِ والأموالِ المُجمدةِ، فلا يزالُ الغموضُ والضبابيةُ يكتنفانِ هذا الملف، فيما تعملُ واشنطنُ على "التسترِ" على مضامينِ التسويةِ إلى حينِ موعدِ التوقيعِ الرسمي، حتى أن المعلوماتِ المتداولة ذكرَت بأنها رفضَت إطلاعَ تلّ أبيب عليها.
في موازاةِ ذلكَ، ترتفعُ الأصواتُ المنتقدةُ لأداءِ واشنطنَ في الحربِ على إيرانَ، خصوصًا أنها لم تحققْ الأهدافَ التي رفعتها. فلا استطاعَت تغييرَ النظامِ ولا إزالةَ التهديدِ النوويِ، كما لم تتوصّلْ إلى حلٍّ بشأنِ اليورانيومِ المُخصبِ، بل تُوَجَّهُ إليهَا اتهاماتٌ "ضمنيّةٌ" بأنها تخلَّت عن الشعبِ الإيرانيِّ، الذي وعَدَهُ ترامبُ بحمايتِهِ وتوفيرِ ظروفٍ أفضل له. وضمن هذا السياق، رأَت صحيفةُ "نيويورك تايمز" أن واشنطنَ انتهَت إلى قبولِ هدنةٍ هشةٍ مشروطةٍ بدلًا من "الاستسلامِ غيرِ المشروطِ" الذي طالبَ به ترامب. فكشفَ هذا الأمرُ نقاطَ ضعفٍ جوهريةٍ في القاعدةِ الصناعيّةِ العسكريةِ، وأثارَ مخاوفَ متزايدة بشأنِ جاهزيةِ الولاياتِ المتحدةِ لمواجهةِ خصومٍ أكبرَ مستقبلًا. وأضافَت أن الحلفاءَ الإقليميينَ لواشنطنَ باتوا يطرحونَ تساؤلاتٍ متزايدةٍ حول جدوى استضافةِ القواتِ العسكريةِ الأميركيةِ، بعد تعرّضِ قواعدَ وسفاراتٍ ومنشآتٍ عديدة لهجماتٍ إيرانيةٍ انتقاميةٍ. وضاعفَ ذلكَ الهواجسَ من تحوّلِ وجودِ هذه القوات إلى مصدرِ تهديدٍ لأمنِ تلكَ الدولِ بدلًا من توفيرِ الحماية. وخلّفَت الحربُ الأميركية – الإسرائيلية على إيرانَ تداعياتٍ عديدة ستُوضَعُ "تحتَ المجهر" في المرحلةِ المقبلة. لكنها ستطرحُ أكثرَ من علامةِ استفهامٍ حولَ أهميةِ استعادةِ الثقةِ مع جوارِهَا العربيّ، بعدما دَكَّت المُسيراتُ والصواريخُ الإيرانيّةُ مراكزَهَا الحيويةَ والمدنيةَ، على حدٍّ سواء.
وعليه، ينظرُ كلُّ طرفٍ إلى التسويةِ المنوي إبرامُهَا بعينِ "المنتصرِ" و"الرابحِ"، الذي كبّدَ الآخرَ خسائرَ جسيمة. لكن كل تلك الحسابات يصعبُ قياسُهَا أو تقييمُهَا الآن في انتظارِ ما ستؤولُ إليه الأمورُ خلالَ مفاوضاتِ الـ60 يومًا. إذ إن العبرةَ تبقَى في الخواتيمِ والنهاياتِ، على الرغمِ من تشكيكِ كُثرٍ بأنَ احتمالَ "فشلِهَا" أكبر من "نجاحِهَا". واستطاعَت هذه الحربُ أن تخطفَ الأضواءَ من ملفاتٍ أخرى لا تقلُّ أهميةً، وتحديدًا التطوراتُ في قطاعِ غزّة. إذ أعلنت حركة "حماس"، على لسان المتحدث باسمها حازم قاسم، عن تحقيق "توافقاتٍ واسعةٍ" و"تقاربٍ كبيرٍ" في مباحثاتها مع الوسطاء وممثلي مجلس السلام الدوليّ بشأن استكمال تنفيذ اتفاق وقف النار في القطاع، والدخول في مرحلته الثانية. وأكدت أنها تبدي "مرونةً وإيجابيّةً" في التعامل مع مختلف القضايا المطروحة، بهدف الوصول إلى توافقات تضع مصلحة الفلسطينيين في قطاع غزّة في مقدمة الأولويات. يأتي ذلك على وقع تزايد الاعتداءات الإسرائيليّة واستمرار "حمّام الدم"، وسط وضعٍ إنسانيٍّ مزرٍ يمرُّ به السكان نتيجة استمرار التحكم بالمعابر وفرض حصارٍ خانق. لكن هذه الممارسات ليست وليدة الصدفة، بل هي تكريسٌ لنهج "التهجير" الذي لم يتخلّ عنه الاحتلال، إنما يعمل عليه ليل نهار عبر حرمان السكان من أدنى مقومات الحياة. في إطارٍ متصلٍ، أشار وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس إلى أن تلّ أبيب تعاونت سرًا ولأعوام مع إقليم أرض الصومال الانفصاليّ، معربًا عن أمله في "الارتقاء بالتعاون الأمنيّ" بينهما إلى مستوى جديد.
عربيًا أيضًا، نظّم عشرات السوريين تظاهراتٍ ليليّةٍ في حي المزة في دمشق، مطالبين بمحاسبة الموالين لنظام الرئيس السابق بشار الأسد، ضمن تحركاتٍ انطلقت في مناطق عدة ودفعت السلطات للتحذير من الاحتكام إلى منطق "الانتقام" و"الثأر". أما على الصعيد الليبيّ، فكشف مسؤول أميركي، أمس الأربعاء، أن الولايات المتحدة تسعى إلى التوسط في اتفاقٍ لتقاسم السلطة بين الإدارتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها، في محاولةٍ لتوحيد البلد الغني بالنفط. وقال مستشار ترامب، مسعد بولس، لصحيفة "فايننشال تايمز" إنه يعمل على توحيد مؤسسات الدولة المتفرقة تحت سلطةٍ واحدةٍ، مع تشجيع شركات النفط الأميركيّة على الاستثمار. كما أشار إلى أن شركتي "كونوكو فيليبس" و"شيفرون" وقّعتا بالفعل اتفاقياتٍ مع ليبيا عام 2026. أما دوليًا، فتعهّد قادة ألمانيا وكندا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، خلال قمة "مجموعة السبع"، بـ"تعزيز الضغوط على الاقتصاد الحربي لروسيا". كما اتفقوا على "زيادة تزويد أوكرانيا بقدرات الدفاع الجوي والمنظومات والصواريخ الاعتراضيّة الإضافية وقدرات بعيدة المدى".
وفي الجولة الصباحية على الصحف الصادرة اليوم في العالم العربي، تركيّزٌ على الملفات الآتية:
أشارت صحيفة "الغد" الأردنية إلى أنه "لا يمكن أن تتدخل الدولة السورية في لبنان بهذه البساطة ودون مقدمات، في بلد عربي عانى تاريخيًا من التدخل السوري في عهد حافظ الأسد ونجله بشار. فقد يجري افتعال حادث أمني كبير داخل سورية، أو تنفيذ محاولة اغتيال تُنسب إلى "حزب الله"، أو افتعال حادثة أمنية على الحدود السورية اللبنانية، أو حتى تورط جهات مجهولة في أعمال دموية ضد اللاجئين السوريين في لبنان، ثم تحميل "حزب الله" المسؤولية، بما يدفع دمشق الرسمية إلى التدخل العسكري". وأوضحت أن "من يخطط للمنطقة يسعى إلى إشعال حرب مذهبية، لأن أي تورط سوري في لبنان ضد حزب الله قد يؤدي إلى تحرك العلويين في سورية ضد النظام، اصطفافًا مع الحزب، كما قد يدفع آلاف المقاتلين من الفصائل الشيعية العراقية إلى التسلل نحو سورية لتخفيف الضغط عن "حزب الله"، وعندها ستختلط الأوراق كافة، ونكون أمام معركة مدمرة يقتل فيها أبناء المنطقة بعضهم بعضًا على أسس مذهبية، وتمتد من سورية إلى لبنان والعراق، وربما إلى دول أخرى".
أما صحيفة "الوطن" البحرينية، فلفتت إلى أن "النظام الإيراني مستعد للتنازلات، مستعد للتخلي عن أي شيء مقابل بقائه، بشرط أن لا تنشر تلك التنازلات على شعبه وأتباعه من العرب، وبشرط أن تترك له حرية نشر السردية التي يريدها، وترامب كما نرى لم يترك له مجالًا لتمرير الصورة التي يعمل على تسويقها، إلا هذه المرة، إذ يبدو أن شرطاً من شروط التوقيع أن لا يتحدث ترامب عن البنود قبل توقيعها". وتابعت أن "هذه الاستماتة في الاحتفاظ وتسويق صورة المنتصر ليس القصد منها الاحتفاظ بماء الوجه كما يروج، بل القصد منها الاحتفاظ بالأتباع، والاستمرار في التفاف مريديه حوله، حتى لا ينفضوا من حوله، ذلك ما يخشاه ويخافه، ويتساوى عنده فقد مريديه مع فقده لليورانيوم المخصب".
وتحت عنوان "خيار السلام"، كتبت صحيفة "الرياض" السعودية: "في زمنٍ تتزاحم فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح وتتعاظم فيه التحديات، تبرز أصوات العقل بوصفها الحاجة الأكثر إلحاحًا في عالم يئن تحت وطأة الصراعات الممتدة. ومن هنا جاء تأكيد المملكة، خلال منتدى أوسلو، أن شعوب المنطقة تستحق مستقبلًا يقوم على السلام والتنمية والتعاون، لا على الصراعات المستدامة ودورات العنف المتكررة، ليعكس رؤية سياسية راسخة تنطلق من إيمان عميق بأن الإنسان هو الغاية الأولى لأي جهد سياسي أو تنموي". وقالت: "لقد دفعت شعوب المنطقة أثمانًا باهظة نتيجة الحروب والنزاعات التي استنزفت الموارد وعطلت فرص التنمية وأهدرت طاقات الأجيال. وبينما كانت بعض القوى تراهن على استمرار الصراع باعتباره واقعًا لا يمكن تجاوزه، كانت السعودية تطرح رؤية مختلفة تقوم على أن المستقبل يصنعه التعاون لا الخصومة، وأن المصالح المشتركة أقدر على صناعة الاستقرار من حسابات الصدام والمواجهة".
(رصد "عروبة 22")

