الأمن القومي العربي

مَشْروعُنا القَوْمِيّ!

الجُغْرافْيا قَدْ تَكونُ لَعْنَةً على هذِهِ الدَّوْلَةِ أَوْ تِلْك، وَقَدْ تَكونُ نِعْمَةً على هذِهِ الدَّوْلَةِ أَيْضًا أَوْ تِلْك، وَفي الْحالَتَيْنِ تَظَلُّ الدَّوْلَةُ على مَوْعِدٍ مَعَ قَدَرِها الذي قَضَتْ بِهِ عَلَيْها الْجُغْرافْيا.

مَشْروعُنا القَوْمِيّ!

تَحْتَ النَّوْعِ الْأَوَّلِ تَنْدَرِجُ كُلُّ "الدُّوَلِ الْحَبيسَة"، وَلا مَعْنى لِهذا الْمُسَمّى الذي بَيْنَ الْأَقْواس، إِلّا أَنَّ الدَّوْلَةَ التي تَقَعُ تَحْتَهُ لا تُطِلُّ على بَحْرٍ وَلا مُحيط، وَلا شاطِئَ لَها وَلا مَرْفَأ، وَأَقْرَبُ مِثالٍ على ذَلِكَ إِثْيوبْيا التي لَمْ تَكُنْ حَبيسَةً حَتّى مَطْلَعِ التِّسْعِينِيّاتِ مِنَ الْقَرْنِ الْماضي، وَكانَ لَها شاطِئٌ طَويلٌ عَريضٌ على الْبَحْرِ الْأَحْمَر، وَلَكِنَّ المِساحَةَ التي تَضُمُّ هذا الشّاطِئَ اسْتَقَلَّتْ بِنَفْسِها، وَأَصْبَحَتْ دَوْلَةً ذاتَ سِيادَةٍ اسْمُها إِريتْرِيا، وَعاشَتْ إِثْيوبْيا مِنْ بَعْدِها حَبيسَةً تُقاتِلُ مِنْ أَجْلِ الْوُصولِ إلى الْبَحْر، وَفي كُلِّ مَرَّةٍ تَجِدُ مَنْ يَصُدُّها وَيُعيدُها إلى نِطاقِها الْجُغْرافِيِّ الْحَبيس.

وَتَنْدَرِجُ تَحْتَ النَّوْعِ الثّاني دَوْلَةٌ مِثْلُ الْبُرْتُغال، فَالْجُغْرافْيا كانَتْ نِعْمَةً بِالنِّسْبَةِ لَها، لَيْسَ فَقَطْ لِأَنَّها غَيْرُ حَبيسَة، وَلا لِأَنَّها تُطِلُّ على الْمُحيطِ الْأَطْلَنْطِيِّ بِشاطِئٍ مُمْتَدّ، وَإِنَّما لِأَنَّ لا جارَ لَها سِوى إِسْبانْيا، وَعِنْدَما تَكونُ دَوْلَةٌ مِثْلُها على جِوارٍ مَعَ دَوْلَةٍ واحِدَة، فَهذا مِنْ حُسْنِ حَظِّها الْجُغْرافِيِّ إِذا صَحَّ التَّعْبير، أَوْ إِذا جازَ أَنْ يوصَفَ الْمَوْقِعُ الْجُغْرافِيُّ بِسوءٍ أَوْ بِحُسْنِ حَظّ.

من سوء الحظ الجغرافي أن يكون موقع دول الخليج في بقعة تضمّها مع إيران

وَإِذا كانَ لِحُسْنِ الْحَظِّ الْجُغْرافِيِّ أَنْ يَتَجَسَّدَ في دَوْلَةٍ بِعَيْنِها، فَهذِهِ الدَّوْلَةُ سَوْفَ تَكونُ هِيَ الْوِلاياتُ الْمُتَّحِدَةُ الْأَميرْكِيَّةُ لا غَيْرُها تَقْريبًا. فَحُدودُها الشَّرْقِيَّةُ كُلُّها على الْمُحيطِ الْأَطْلَنْطِيّ، وَلا يوجَدُ أَيُّ خَطَرٍ بَرِّيٍّ عَلَيْها مِنْ هذِهِ الْجِهَة، وَحَتّى إِذا فَكَّرَ طَرَفٌ في الْعُدْوانِ عَلَيْها بَحْرِيًّا مِنَ الشَّرْق، فَهُوَ في حاجَةٍ إلى ساعاتٍ يَقْطَعُها لِيَصِلَ إِلَيْها، وَلا بُدَّ أَنَّها سَتَكونُ قَدِ اكْتَشَفَتْهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ أَوْ حَتّى يَقْتَرِب.

وَفي الْغَرْبِ تَمْتَدُّ حُدودُها كُلُّها على الْمُحيطِ الْهادي، وَلا يوجَدُ خَطَرٌ بَرِّيٌّ كَذَلِكَ يُهَدِّدُها مِنْ هذِهِ النّاحِيَة، فَما يُقالُ عَنْ جِهَةِ الشَّرْقِ يُقالُ هُنا عَنْ جِهَةِ الْغَرْب، وَلِذَلِكَ تَبْدو الْوِلاياتُ الْمُتَّحِدَةُ وَكَأَنَّها مُحَصَّنَةٌ مِنَ الْجِهَتَيْن.

وَلا خَوْفَ عَلَيْها مِنَ الشَّمالِ حَيْثُ تَقَعُ كَنَدا، التي تَظَلُّ دَوْلَةً شِبْهَ مُنْعَزِلَةٍ عَنِ الْعالَم، فَلا هِيَ تُفَكِّرُ في عُدْوانٍ على جارَتِها الْجَنوبِيَّة، وَلا تَخْطُرُ هذِهِ الْفِكْرَةُ على بالِها. وَلا خَوْفَ مِنَ الْجَنوبِ حَيْثُ الْمِكْسيكُ التي لا تَكادُ تُفَكِّرُ في شَيْء، قَدْرَ تَفْكيرِها أَوِ انْشِغالِها بِالطَّريقَةِ التي يُمْكِنُ أَنْ تَتَّقِيَ بِها شَرَّ الْوِلاياتِ الْمُتَّحِدَة!.

لا مشكلات إيرانية مع دول الجوار غير العربية

نَصِلُ إلى إيرانَ التي هِيَ الْقَصْدُ مِنْ وَراءِ هذِهِ السُّطور. ذَلِكَ أَنَّ دُوَلَ جِوارِها الْخَليجِيَّةَ السِّتَّ تَشْعُرُ وَكَأَنَّ مِنْ سوءِ حَظِّها الْجُغْرافِيّ، أَنْ يَكونَ مَوْقِعُها في هذِهِ الْبُقْعَةِ مِنَ الْعالَمِ التي تَضُمُّها مَعَ إيران، فَلا يَفْصِلُ بَيْنَ الْفَريقَيْنِ إِلّا مَجْرى الْخَليجِ الْعَرَبِيِّ بَيْنَ الْإيرانِيّينَ شَرْقًا وَالْخَليجِيّينَ غَرْبًا.

وَلا تَعْرِفُ لِماذا بَقِيَ سوءُ الْحَظِّ مُلازِمًا لِلدُّوَلِ الْعَرَبِيَّةِ الْجارَةِ لِإيران، وَلَمْ يَمْتَدَّ إلى الدُّوَلِ الْجارَةِ غَيْرِ الْعَرَبِيَّة. فَلا مُشْكِلاتٌ إيرانِيَّةٌ تَقْريبًا مَعَ باكِسْتان، وَلا مَعَ أَفْغانِسْتان، وَلا مَعَ تُرْكَمانِسْتان، وَلا مَعَ أَذَرْبَيْجان، وَلا مَعَ أَرْمينْيا، وَلا مَعَ تُرْكْيا، وَكُلُّها دُوَلُ جِوارٍ مُباشِرٍ مَعَ إيران، وَلَكِنَّها كَما نَرى غَيْرُ عَرَبِيَّة. أَمّا الْمُشْكِلاتُ الْكَبيرَةُ وَغَيْرُ الْكَبيرَةِ فَكُلُّها مَعَ دُوَلِ الْخَليجِ السِّتِّ وَمَعَها الْعِراق.

طَبْعًا هُناكَ سَبَبٌ يوضِحُ ذَلِك، وَهذا السَّبَبُ يَرْجِعُ إلى فِبْرايِر/شُباط 1979 عِنْدَما قامَتِ الثَّوْرَةُ الْإيرانِيَّة، وَطارَ الْخُمَيْنِيّ مِنْ باريسَ على مَتْنِ طائِرَةٍ فَرَنْسِيَّةٍ لِيَهْبِطَ في إيران، وَيُؤَسِّسَ لِنِظامِ حُكْمٍ آخَرَ مَكانَ نِظامِ حُكْمِ الشّاه. وَقْتَها قالَ الْخُمَيْنِيّ في رِوايَةٍ شَهيرَةٍ تَكَرَّرَتْ عَنْهُ وَلَمْ يَنْفِها أَحَد، إِنَّ في الْعالَمِ الْإِسْلامِيِّ ثَلاثَةَ شُعوب، أَوَّلُها الْعُثْمانِيُّ التُّرْكِيّ، وَالثّاني الْعَرَبِيّ، وَالثّالِثُ الْفارِسِيُّ الْإيرانِيّ، وَإِنَّ الْأَوَّلَ وَالثّاني جَرَّبا حَظَّهُما في قِيادَةِ هذا الْعالَم، وَإِنَّ الدَّوْرَ قَدْ جاءَ على الشَّعْبِ الذي يَنْتَمي هُوَ إِلَيْه.

ضرورة أن يتعامل العرب مع المشروع الإيراني من خلال مشروع قومي يضمّهم مجتمعين

هذِهِ رِوايَةٌ تَجْري عَنْه، وَحَتّى إِذا لَمْ يَكُنْ قَدْ قالَها، فَسُلوكُ بِلادِهِ السِّياسِيُّ مُنْذُ مَجيئِهِ إلى الْحُكْمِ يَقولُها، وَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ في أَنْ يَقولَها هُوَ أَوْ يَقولَها سُلوكُ بِلادِهِ السِّياسِيّ، وَلَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ أَلّا تَجِدَ في مُقابِلِها مَشْروعًا عَرَبِيًّا قَوْمِيًّا يَقِفُ لَها وَيَتَعامَلُ مَعَها بِما تَسْتَوْجِبُه. وَلَقَدْ تَساءَلَ الْكَثيرونَ مِرارًا عَنْ مُبَرِّرِ غِيابِ مِثْلِ هذا الْمَشْروع، وَعَنْ حَتْمِيَّةِ أَنْ يَحْضُر، وَعَنْ ضَرورَةِ أَنْ يَتَعامَلَ الْعَرَبُ مَعَ الْمَشْروعِ الْإيرانِيِّ مِنْ خِلالِ مَشْروعٍ قَوْمِيٍّ يَضُمُّهُمْ مُجْتَمِعينَ لا فُرادى.

هذِهِ السُّطورُ إِشارَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ إلى أَنَّ حَرْبَ الْوِلاياتِ الْمُتَّحِدَةِ وَإِسْرائيلَ على إيران، تَجْعَلُ اسْتِدْعاءَ مَشْروعِ الْعَرَبِ الْمُتَأَخِّرِ أَمْرًا لا يَحْتَمِلُ التَّأْجيلَ أَكْثَر. فَمِنْ دونِهِ سَتَزْدادُ وَطْأَةُ لَعْنَةِ الْجُغْرافْيا التي قَضَتْ بِوُجودِ إيرانَ في مَوْقِعِها بِالنِّسْبَةِ لَنا، وَرُبَّما يُؤَدّي غِيابُهُ إلى أَنْ تُصْبِحَ اللَّعْنَةُ لَعَنات.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن