تتسارعُ وتيرةُ التطوراتِ في المنطقةِ وتتشتتُ الأنظارُ نحو أكثرَ من ملف، حتى وإن كان موضوعُ مذكرة التفاهم المُبرمة بين طهرانَ وواشنطنَ في صدارةِ القضايا الحساسة، إلى جانبِ الجبهةِ اللبنانيّة المفتوحةِ على جميعِ السيناريوهات. إذ باتت هذه الجبهة تعتبرُ ساحةً "رديفةً" للنظام الإيرانيّ، الذي يستميت للحفاظ عليها وتعزيز نفوذه الإقليميّ، خصوصًا أن ورقة "الأذرع" لم تُذكَرْ في نص الاتفاق. وهذا ما يعطي طهران حيّزًا واسعًا للتحايل وإبقاء الأمور على ما كانت عليه حتى قبل شنّ الحرب عليها. وتدرك الدول العربية والخليجيّة حقيقة هذا الأمر، حتى وإن سعت إلى وقف مفاعيل القتال ووضع حدٍّ له، لكنها تتحرك في كل اتجاهٍ لضمان أمنها وسيادتها وإيجاد ممراتٍ جديدةٍِ لنفطها ومواردها، بعيدًا عن "ألغام" مضيق هُرمزَ لإيمانها العميق بأن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه. فالحذر واجبٌ والتخطيط الفعليّ للبدائل بات يحتلُّ الأولويةَ في نظرها، ومن هناك ترتسمُ معالمَ مرحلةٍ وتوازناتٍ جديدةٍ، ما يمكنُ الاستدلالُ عليه من خلال الاجتماعِ الرباعيّ التشاوري الذي عُقدَ في القاهرة.
فالاجتماعُ الذي ضمَّ وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظراءَهُ السعوديّ فيصل بن فرحان، والتركي هاكان فيدان، والباكستاني محمد إسحاق دار، يأتي في مرحلةٍ شديدةِ التعقيدِ، وعلى وقعِ المفاوضاتِ التي كانت تلتئمُ، في الوقتِ عينه، في سويسرا بين وفديّ واشنطنَ وإيرانَ للبحثِ في أطرِ الوصولِ إلى اتفاقٍ نهائيٍّ وشامل. واستحوذت الحربُ على طهرانَ وتبعاتِهَا على أولويةِ النقاشاتِ، فاعتبَرَ المجتمعون مذكرةَ التفاهمِ "تطورًا هامًا وخطوةً بنّاءةً نحو خفضِ التصعيدِ وإنهاءِ النزاعِ الذي كان يشكّلُ مخاطرَ كبيرةً على الأمنِ والاستقرارِ الإقليميين. فضلًا عن تداعيات هذا النزاع على أسواق الطاقةِ ومساراتِ الملاحةِ البحرية وسلاسلِ الإمداد العالميّةِ والتجارة الدولية". لكن الأهم في ما ورد في البيانِ المشتركِ عقب الاجتماع، كان تشديدُ وزراءِ خارجيّةِ الدولِ الأربع على وجوبِ أن تراعي هذه الجهود "شواغلَ دولِ المنطقةِ، لا سيّما ما يتعلقُ بأمنِ واستقرارِ دولِ الخليجِ ومنطقةِ المشرق العربيّ، بما يُسهمُ في تعزيزِ الأمنِ الجماعيِّ وترسيخِ الاستقرارِ على المدى الطويل". وهنا يكمنُ لبُّ القضيّةِ لأن العواصمَ الخليجيّة والعربيّة التي اختبرت عن قُربٍ المُسيّرات والصواريخ الإيرانيّة، التي دكّت منشآتِهَا الحيوية والمدنيّة، لن تتغاضَى عن ذلكَ بسهولةٍ، تمامًا كما موضوع مضيق هُرمزَ، الذي باتَ قضيةً لها وزنها، مع محاولاتٍ عديدةٍ لإيجادِ ممراتٍ أخرى تجرّدُ طهرانَ من هذه الورقة الهامة، التي تُقارعُ فيها العالم و"تبتزه" عبرها.
فعلى الرغم من أن باكستان كانت تعتبرُ الوسيطَ الأساسيَّ في بلورةِ التسويةِ بينَ الجانبين الأميركيّ والإيراني عبرَ الجهودِ المضنيةِ التي بذلتها مع الدوحة، ولا تزالُ، بهدفِ تقليصِ الفجواتِ، إلا أن القاهرة والرياض وأنقرة لم تكن بعيدةً عن هذه الأجواء. إذ سعت لدى الإدارة الأميركيّة من أجل وقف تداعياتِ الصراعِ خوفًا من الانزلاقِ نحو المجهول، بعد أن تحولت الحربُ إلى صراعٍ مفتوحٍ مع خسائر جسيمة. فلطالما كانت مصالح الدول هي الحافز الرئيسيّ أمام رسمِ توزاناتٍ معينةٍ ووضعِ خططٍ مستقبليّةٍ بناءً على الحيثيات الحاليّة. ومن هنا، لا يمكن النظر إلى الاجتماعِ الرباعي باعتبارِهِ عاديًا أو ضمنَ السياق المتبع، بل هو أكثر من ذلك، لأنه يرسمُ خارطةَ طريقٍ للمستقبلِ ضمنَ تحالفاتٍ إقليميّةٍ جديدة. بالتزامنِ، كانت الأعينُ شاخصةً نحو المفاوضاتِ بينَ واشنطنَ وطهرانَ، التي استمرت طوالَ يومِ أمسِ الأحد، في منتجعِ بورغنشتوك في سويسرا. وجرى حديثٌ عن "تقدّمٍ مشجعٍ" شملَ إنشاءَ آليةٍ لمواصلةِ المحادثاتِ الفنيّةِ، ما عبّرَ عنه البيانُ القطري الباكستاني المشترك، الذي أوضحَ أن أعمالَ اليومِ الأولِ جرت في أجواءٍ إيجابيّةٍ وبناءّة. وأشار إلى أن الأطراف اتفقت على إنشاءِ لجنةٍ رفيعةِ المستوى تتولّى الإشرافَ السياسي على جهودِ الوساطةِ، على أن يرفع كبيرا المفاوضين تقاريرَ دوريةً إليها، إلى جانبِ قيادتهما مجموعاتِ عملٍ متخصصةٍ تُعنَى بالملفِ النووي والعقوباتِ والمتابعةِ وتسويةِ النزاعاتِ، بما يضمنُ التنفيذَ الفعّالَ لمذكرةِ التفاهمِ، فضلًا عن بحثِ المسائلَ الأخرى ذات الصلة.
وضمن هذه المسائل، كان الملف اللبنانيّ حاضرًا بقوة، إذ خيّمت تداعياته على أجواء المفاوضات، لا سيّما أن إيران استبقت المحادثات بالإعلان عن إغلاق مضيق هُرمز ردًا على ما اعتبرته "خرقًا" لمذكرة التفاهم، التي نصّت على وقف القتال على مختلف الجبهات. ودفع هذا الأمر الإدارة الأميركيّة إلى التحرّك لدى تلّ أبيب لكبح تحركاتها، وصولًا إلى الإعلان عن وقف إطلاق النار بعد يومينِ من العملياتِ العسكريةِ "الدموية". ونجحت إيران في ربط المسارين، على الرغم من أن الولايات المتحدة كانت واضحةً في مسألةِ "فكِّ الارتباطِ" وإعادةِ الدورِ إلى الدولةِ الرسميّةِ، التي وجدت نفسها في "مأزقٍ". فهي لا تستطيع التراجع عن المسار الذي اختارته في واشنطن بعد خوضها أربع جولاتٍ من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وليست في وارد التسليم بتحويل البلاد إلى "رهينةٍ" بيد طهران، خصوصًا بعد السجال الكلامي المباشر بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وعددٍ من المسؤولين الإيرانيين. وينظر "نظام الثورة الإسلامية" إلى لبنان اليوم باعتباره "حديقةً خلفيةً" له، مع رفضه التفريط بدور "حزب الله"، ما أقرّ به رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف. ومن هنا، كان لبنان ضمن دائرة الاهتمامات، وتجسّد ذلك من خلال اتفاقِ طرفي الصراعِ على إنشاءِ مجموعةِ عملٍ لتفادي التصعيد، تضمّ الجانبين والجمهورية اللبنانية، وبمواكبة من الوسطاء، لضمان الالتزام بوقف العمليات العسكرية داخل البلاد. ويحملُ إشراك الدولة اللبنانيّة دلالةً على أنها ليست مغيّبةً عن "طاولة" المفاوضات، إلا أن السؤال المحوري يبقى: هل ستكون هذه المجموعة بديلًا عن مسار واشنطن؟ وأين موقع إسرائيل ودورها، في ظلّ عدم التطرق أصلًا إلى آلية تمثيلها ضمن هذه المجموعة؟
في غضون ذلك، اختار ترامب "فتح النار" على إيران مع تلويحه باستئناف الضربات العسكرية، إذا لم توقف "وكلاءها" في لبنان عن "إثارة المشاكل"، في إشارةٍ واضحةٍ إلى "حزب الله". وفي مقابلةٍ نُشرت أمس الأحد، ذهبَ أبعدَ من ذلك، مهددًا بسيطرة الولايات المتحدة على مضيق هُرمز إذا فشلت المباحثات، وأنها قد تفرض رسومًا على عبور السفن. وقال إنه أبلغ الإيرانيين بأن إغلاق المضيق ستكون له "عواقب وخيمة"، مضيفًا أن إطار وقف إطلاق النار والمفاوضات لمدة 60 يومًا "مجرد خيار". في المقابل، نقلت وكالتا "فارس" و"تسنيم" التابعتان لـ"الحرس الثوري" عن مصادر مُطلعة إشارتها إلى أن استمرار المفاوضات أصبح موضع غموض بعد تصريحات ترامب الأخيرة. في حين ردّ قاليباف على ترامب، معتبرًا أن بلاده لا تحسب للتهديدات الأميركيّة حسابًا. وقال "ألا يفكّرون أنه لو كانت تهديداتهم مجدية لما وصلوا إلى حالة العجز التي هم عليها اليوم؟". ودعاهم إلى أن يكونوا "أكثر حذرًا في تصريحاتهم، لأن قواتنا المسلّحة مستعدة للردّ عليهم بطريقةٍ أخرى. كلما تحدثوا أكثر، فنحن الذين نتحرك وننفذ". وجاء هذا الموقف "العالي النبرة" بعد ساعاتٍ من تأكيد الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان أن طهران لن تتخلى عن حقها في تخصيب اليورانيوم. وقال إن "الأمر المؤكد أننا لن نتراجع أبدًا عن حقنا في التخصيب، والطرف الآخر مضطر أيضًا إلى قبول هذا الحق". والجدال الحاصل يعكس بوضوحٍ وجود خلافاتٍ جوهريةٍ لم يُبتّ فيها قبل التوقيع الرسميّ لمذكرة التفاهم، بما يعني عمليًا أن مهمة الوسطاء لا تزال مُعقّدة.
فكلام إيران يؤكد أنها متمسكة بـ"خطوطها الحمراء" التي لن تتراجع عنها، لا تحت الضغط العسكري ولا الاقتصادي، في حين تبدو واشنطن أكثر سعيًا إلى بلورة تسويةٍ تُنهي الصراع وتضع حدًّا له. ولفت نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي يُنظر إليه اليوم باعتباره طرفًا أساسيًّا في الاتفاق، إلى أن أيّ تحوّلٍ في العلاقة مع إيران مشروطٌ بتخلي طهران عمّا وصفه بدورها "كمصدرٍ لعدم الاستقرار الإقليميّ"، وعن أيّ طموحاتٍ نوويةٍ عسكريةٍ طويلة الأمد. كما أوضح أن الولايات المتحدة تريد عبر الدبلوماسيّة "إحداث تغييرٍ في الشرق الأوسط"، والانتقال إلى مستقبلٍ يمكن فيه للأطراف العمل معًا لتعزيز "السلام والازدهار". وأبدى العديد من المراقبين ملاحظاتٍ عدةٍ على مسار اليوم الأول من المحادثات المباشرة، خصوصًا بعدما كشفت الوقائع أن الوفد الإيرانيّ رفض المشاركة في صورةٍ مشتركةٍ أو مصافحةٍ أمام الكاميرات مع الوفد الأميركيّ، ما أدى إلى إلغاء مراسم التصوير ووقف البثّ المباشر قبل بدء الجلسة. من جهته، أكد رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلال مشاركته في المفاوضات، أن "هذه مجرد بداية ونعمل من أجل مستقبلٍ أفضلٍ لمنطقتنا". بينما أعرب رئيس الوزراء الباكستانيّ شهباز شريف عن تطلّعه إلى الخروج بنتائج ملموسة تعزّز فرص السلام. وأضاف: "نعيش يومًا مهمًا في مسار تحقيق السلام العالميً". ولم تنعكسْ هذه التصريحات "المتفائلة" على الجانب الإسرائيليّ، مع استمرار تلّ أبيب في "التنكّر" للأمور، واعتبارها ليست طرفًا في الاتفاق المُبرم، وبالتالي غير مُلزمَةٍ بالنتائجِ الصادرةِ عنه.
وفي هذا الإطار، كرّر رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو "السردية عينها" بأنه لن يسمح لإيران بامتلاكِ سلاحٍ نوويٍ "سواء جرى التوصل إلى اتفاقٍ أم لا"، مشددًا على أن الجيش سيبقى في "المناطق الأمنيّة" في لبنان وسوريا وغزّة. وقال: "سنُبرم اتفاقًا مع لبنان عندما نتخلص من تهديد حزب الله، وأتطلع إلى هذا". أما وزير الدفاع يسرائيل كاتس، فأعلن أن القوات العسكرية لن تنسحب من المواقع التي تسيطر عليها جنوبي لبنان. وبرزت في الأيام الماضية تبايناتٌ بين الموقف الأميركيّ والإسرائيليّ وسلسلةٍ من الانتقاداتِ التي وجهها ترامب لحليفه و"شريكه" نتنياهو، مع تشكيك كُثر بإمكانية أن تسهم في فكّ "الشراكةِ الاستراتيجيّةِ بينهما". لكن ما كشفته تلك التصريحات يعكس قدرة واشنطن على التأثير، حتى ولو رفض المسؤولون في إسرائيل الاعتراف بذلك. بدوره، خرج الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم في تصريحٍ جديدٍ ليشنّ هجومه المعتاد على أن المسار التفاوضيّ الذي تخوضه الدولة اللبنانيّة برعايةٍ أميركيّة، معتبرًا أنه "يُشكل مساسًا بسيادة لبنان وخروجًا عن الثوابت الوطنيّة". وأضاف: "فليعرف الإسرائيليّ وغير الإسرائيليّ، أن البقاء على الأرض اللبنانيّة مستحيل، لا توجد مناطق أمنيّة لإسرائيل، ولا توجد قطعة تشرف من داخل لبنان على لبنان بوجود الجيش الإسرائيليّ، نحن لدينا جيشٌ وطني هو الذي ينتشر، وهو المسؤول عن حفظ السيادة، وهو الذي نتعاون معه". وجاء هذا الموقف بالتزامن مع رفع لافتات على طول الطريق المؤدي إلى مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت حملت عبارات شكرٍ لإيران، على خلفية دورها في الاتصالات التي سبقت التوصل إلى وقف إطلاق النار.
ويشكر "حزب الله" طهران ويرفع صور قادتها ويقلّل من أهمية دور الدولة اللبنانيّة والجهود، التي بذلها الرئيسان جوزاف عون ونواف سلام، في تعميقٍ إضافيٍّ للأزمةِ، خصوصًا أن الموقف الرسميّ يبدو واضحًا لجهة الإصرار على الاستمرار في مفاوضات واشنطن، على الرغم من التهم التي يُكيلها الحزب وبيئته. في الأثناء، خرج رئيس مجلس النواب نبيه بري، في تصريحٍ لصحيفة "الشرق الأوسط"، أكد فيه أنه على تواصلٍ دائمٍ مع رئيسَي الجمهورية والحكومة، على الرغم من أن "لديهما أفكارًا غير أفكاري". لكنه أضاف: "لا أظن أن هناك مشكلة بيننا، ما دام يجمعنا انسحاب إسرائيل أولًا من الجنوب، ونشر الجيش اللبناني، وعودة الأهالي إلى مدنهم وقراهم، وإطلاق الأسرى، ووضع خطة لإعمار ما دُمِّر منها بدعمٍ عربيٍ ودوليٍ، لتمكينهم من البقاء في أرضهم التي يتمسكون بها". وجاء كلام الأخير عشية انطلاقِ الجولةِ الخامسةِ من المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة، التي يُتوقع أن تناقش البنود العالقة وأهمها إنشاء "المناطق التجريبية"، التي تُعتبرُ مبدئيًا موضع رفضٍ من بري و"حزب الله" على حدٍّ سواء. في الأثناء، شهدت البلدات والقرى في جنوب لبنان والبقاع هدوءًا حذرًا، مع دخول قرار وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ للمرّة الأولى منذ اندلاع الحرب في الثاني من آذار/مارس الماضي. وتخطت الخسائر البشرية الـ4 آلاف قتيل بحسب معطيات وزارة الصحة، بينما عمل الجيش اللبنانيّ على فتح عدة طرقٍ وسطَ دعواتٍ للأهالي للتريثِ وعدمِ العودةِ في انتظار ما ستحمله الساعات المقبلة. إلى ذلك، عادت تصريحات ترامب عن التدخل السوري في لبنان إلى الواجهة، مع تكراره الأمر أكثر من مرة، لكن الرئيس أحمد الشرع حاول مقاربة الأمر من جانبٍ آخر خلال المقابلة الإعلاميّة التي أجراها مع إحدى القنوات العربيّة.
وقال الشرع في المقابلة إنه "لدينا من الشجاعة ما يكفي لإعلان دخولنا أي صراعٍ أو حربٍ بشكلٍ علّنيٍ إذا قررنا ذلك"، مؤكدًا أن الدور السوري "إيجابيّ بحت" في لبنان، وهو يتحدد وفق المصالح المشتركة بين البلدين، بما يخدم استقرار لبنان وسوريا على حدٍّ سواء. وإذ أوضح أن ترامب أبدى انزعاجه مما يجري في لبنان، ويسعى إلى وقف الحرب الدائرة هناك، لفت إلى أن كلامه "فُهم بشكلٍ خاطئٍ، وكأن دمشق تستعدُّ لدخولِ لبنانَ عسكريًا". وشّدد على أن "الحلول المجتزأة" لا تحققُ الاستقرارَ، بل تخلقُ مشكلاتٍ أكبر، منوهًا إلى ضرورةِ بناءِ صلاتِ ربطٍ بين مختلف القوى اللبنانية، من ضمنها "حزب الله"، للوصولِ إلى معالجاتٍ شاملةٍ ومستدامة. وعكست تصريحاته "كلامًا رصينًا"، وسطَ مخاوفَ من إصرارِ واشنطنَ على توريطِ دمشقَ وبيروتَ في صراعٍ لن يجلب سوى المزيد من الفوضى والخراب، لا سيما أن سوريا لم تتعافَ بعد من تداعياتِ الحربِ الداخليّةِ التي استمرت نحوَ 14 عامًا. في موازاةِ ذلكَ، أعلنت وزارةُ الخارجيةِ والمغتربين السورية، أمس الأحد، تعيينَ 17 مسؤولًا جديدًا في مناصب قياديةٍ تشمل مديري إدارات ومستشارين، من ضمنهم أربع سيدات. كما شمل التعيين عودة "لافتة" إلى الدبلوماسي جهاد مقدسي، المتحدث السابق باسم وزارة الخارجيّة خلال عهد الرئيس السوري السابق بشار الأسد، الذي حصل على منصب مستشارٍ للشؤون الأميركيّة.
في الأخبار الأخرى، أعلنت وزارة الداخلية القطرية، فجر اليوم، إصابة 54 شخصًا في حادث انفجارٍ وقع في مصنعٍ في رأس لفان شمالي قطر نتيجة عطلٍ فنيّ. ودوليًا، يُتَوَقَعُ أن يتنحَى رئيسُ الوزراءِ البريطاني كير ستارمر من منصبِهِ تحت وطأةِ ضغوطٍ شديدةٍ تعرّضَ لها خلال الأسابيع الماضية، على الرغم من تمسّكه في وقتٍ سابقٍ بالمنصب. وتأتي هذه التطورات بعد فوز خصم ستارمر السياسيّ آندي برنهام في انتخاباتٍ تشريعيّةٍ فرعيةٍ، يوم الجمعة الماضي، بمقعدٍ نيابيٍ، بات يؤهّله لمنافسةِ ستارمر على منصبي زعيم حزب العمال ورئيس الوزراء. وفي حدثٍ آخر، فاز المحامي البارز المدعوم من الولايات المتحدة، أبيلاردو دي لا إسبريا، بفارقٍ ضئيلٍ في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسيّة في كولومبيا.
وفي الآتي، أبرز ما أوردته الصحف العربيّة الصادرة اليوم الاثنين، في مقالاتها وتحليلاتها:
أشارت صحيفة "الغد" الأردنية إلى أن "مذكرة التفاهم المبرمة بين واشنطن وطهران، هى إقرار أميركي بخسارة الحرب على إيران، ممهور بتوقيع ترامب الشخصي. وفي التوقيع سابقة بروتوكولية غريبة، فالرئيس الذي فقد صبره وهو ينتظر موافقة الإيرانيين، لم يتردد في التوقيع على الاتفاق عن بعد؛ ليس من مكتبه البيضاوي، بل من قصر فرساي الفرنسي، وعلى يمينه الرئيس المتشفي ماكرون، الذي طالما هاجمه ترامب بقسوة، لامتناعه، وسائر القادة الأوروبيين عن تقديم المساعدة في الحرب على إيران". واعتبرت أن "مصالح إسرائيل، وهذا هو المهم، لم تكن في حسابات ترامب عندما وقع المذكرة. ولهذا من المستبعد أن تلتزم حكومة نتنياهو بوقف إطلاق النار في لبنان أو الانسحاب من الشريط الحدودي، لكنها لن تجرؤ على مهاجمة إيران بشكل علني ومباشر، وستلجأ على الأرجح لحرب استخبارية طالما برعت بها".
ورأت صحيفة "الخليج" الإماراتية أن "المفاوضات كانت دائمًا بديلًا استراتيجيًا للحرب، حيث تهدف إلى تحويل مكاسب الصراع الميداني، أو احتواء التصعيد، إلى تسويات سياسية ودبلوماسية لتجنب خسائر التدمير، فإن النجاح النهائي بمجرد وقف الحرب يقاس بمدى القدرة على بناء واقع جديد يجعل العودة إلى الحرب أكثر صعوبة، ويعزز في الوقت نفسه الأمل بإقامة علاقات جديدة تقوم على احترام المصالح المتبادلة، وتوفير بيئة أكثر أمنًا لسلام، إقليمي وعالمي، لكن هذا مشروط بأن تكون المفاوضات جديّة وصريحة، وتتميز بالحكمة والعقلانية، والقناعة بضرورة التوازن النسبي، بحيث لا يشعر طرف بالغلبة، وطرف آخر بالظلم، وتوظيف مهارات التواصل الفعال لطمأنة الأطراف بالتوصل إلى حلول عادلة". وأضافت أن "القوة ليست في القدرة على الحرب، بل في القدرة على منعها، ووقفها حين يجب أن تتوقف، طالما أن حسمها غير مضمون، واستمرارها سوف يكون كارثياً على الجميع، خصوصًا على إيران التي ذهبت بعيدًا في استعداء دول الجوار في الخليج العربي، وتجاوزت حسن الجوار، وكل القوانين الدولية".
من جانبها، كتبت صحيفة "عكاظ" السعودية تحت عنوان "حتى لا يُلدغ الخليج مرتين" أنه "فعلياً، لا تعالج مذكرة التفاهم التي وقعها الجانبان الأميركي والإيراني سوى تداعيات الحرب، وهي تداعيات لم تكن موجودة قبل شن الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران". وقالت: "ليست مشكلة إيران في قدراتها العسكرية بقدر ما هي في عقيدتها السياسية القائمة على أيديولوجيا متطرفة تعتبر جيرانها أعداء دائمين، وبمثل هذه العقلية والسياسة لن يتحقق السلام على أسس دائمة، بل على أسس لطالما لجأ إليها النظام الإيراني في مراحل علاقاته مع جيرانه، وخاصة الجارة الكبرى السعودية، التي منحت ثقتها لعلاقات طبيعية مع إيران في عهود رفسنجاني وخاتمي وروحاني بل وحتى نجاد دون أن تجني سوى المراوغة لزعزعة استقرار المنطقة وأمن دولها بشكل مباشر أو من خلال أدواتها ومليشياتها في دول العراق واليمن ولبنان!".
في الإطار عينه، لفتت صحيفة "الوطن" البحرينية إلى أن "دول المنطقة التي رحّبت بالاتفاق مع إيران وتتطلع إلى أن يكون حقيقيًا وراسخًا، هي الأكثر إدراكًا لثمن الوهم؛ لأنها دفعته من قبل، ولهذا فإن ترحيبها مشروط بما ستُثبته الأيام الستون، لا بما أعلنته طهران. وفي ظل هذه التناقضات، تصبح مهلة الستين يومًا مجرد "استراحة محارب" وهدنة هشة، كفيلة - كما عهدنا السلوك الإيراني- بأن تمنح طهران الفرصة المعتادة لالتقاط أنفاسها وإعادة ترتيب أوراقها لجولة ابتزاز قادمة". وتابعت أن "الهجمات والاعتداءات الأخيرة التي طالت دول الخليج نسفت جسور الثقة الهشة التي بنيت سابقًا، وأفرزت أزمة ثقة حادة تجعل من المستحيل الحديث عن أي تعاون اقتصادي أو تمويل لإعادة الإعمار قبل إعادة بناء هذه الثقة على أسس حقيقية وملموسة". وخلصت إلى أن "التاريخ يشهد أن إيران سخرت إمكانياتها المادية الضخمة لتجهيز ميليشيات عاثت خرابًا في المنطقة، وعليها اليوم أن تتحمل وحدها العواقب الكارثية لأفعالها المتهورة، وأن تدرك أن أمن الممرات الدولية ليس ورقة مساومة لإنقاذ اقتصادها المنهار".


