لِلعَرَبِ عَلاقَةٌ تحالُفِيَّةٌ مَعَ العالَمِ الغَرْبِيّ، وتحديدًا مَعَ الدَّوْلَةِ الأَقْوى، وَهِيَ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ الأَميرِكِيَّة، وَالسُّؤال: هَلْ تُعْتَبَرُ البُلْدانُ العَرَبِيَّة، وَتَحْديدًا دُوَلُ الخَليج، دُوَلًا حَليفَةً لها؟ يَأْتي هَذا السُّؤالُ بَعْدَ مُعايَنَةٍ لِلسِّياساتِ الأَميرِكِيَّة، لِنَرى هَلْ كانَ الفِعْلُ السِّياسِيُّ وَالأَمْنِيُّ وَالعَسْكَرِيُّ لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ يُلَبّي مَصالِحَ هذِهِ الدُّوَلِ في المِنْطَقَة؟ وَالسُّؤالُ الآخَر: هَلْ كانَتْ تِلْكَ الدُّوَل، بِما تَمْتَلِكُهُ مِنْ إِمْكاناتٍ وَمَوارِد، تَسْتَطيعُ أَنْ تُؤَثِّرَ في وِجْهَةِ السِّياساتِ الأَميرِكِيَّة، وَأَنْ تَلْعَبَ دَوْرًا عَبْرَ وَسائِلِ الضَّغْطِ في البُنى الأَميرِكِيَّةِ الحاكِمَةِ بِما يُؤَمِّنُ مَصالِحَها؟.
بِمَعْنًى آخَر، أَيْنَ اللّوبِيُّ العَرَبِيُّ بَيْنَ اللّوبِيّاتِ القَوِيَّةِ في أَميرِكا، وَعَلى رَأْسِها اللّوبِيُّ اليَهودِيّ، وَاللّوبِيُّ الإيرانِيُّ الذي اسْتَطاعَ أَنْ يُؤَمِّنَ لِنَفْسِهِ مَوْطِئَ قَدَمٍ داخِلَ دَوائِرِ القَرارِ الأَميرِكِيّ، في الكُونْغِرِسِ وَالمُؤَسَّساتِ الأُخْرى، وَأَنْ يَنْسِجَ عَلاقاتٍ ساهَمَتْ في تَأْمينِ مَصالِحِ السِّياساتِ الإيرانِيَّة؟.
المسأَلة تتعلّق بمنظومة مُتكاملة من المؤسسات ومراكز الأبحاث والجامعات والمنابر الإعلامية
عِنْدَ البَحْثِ في أَسْبابِ الانْحِيازِ الأَميرِكِيِّ التَّقْليدِيِّ لإِسْرائيل، لا يُمْكِنُ تَجاوُزُ الدَّوْرِ الذي لَعِبَتْهُ الشَّبَكاتُ المُؤَيِّدَةُ لَها داخِلَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، وَالتي نَجَحَتْ خِلالَ عُقودٍ طَويلَةٍ في بِناءِ حُضورٍ مُؤَثِّرٍ داخِلَ المُؤَسَّساتِ السِّياسِيَّةِ وَالإِعْلامِيَّةِ وَالاقْتِصادِيَّةِ وَالفِكْرِيَّة. فَالمَسْأَلَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِمُجَرَّدِ جَماعاتِ ضَغْطٍ داخِلَ الكُونْغِرِسِ أَوْ خِلالَ الحَملاتِ الانْتِخابِيَّة، بَلْ بِمَنْظومَةٍ مُتَكامِلَةٍ مِنَ المُؤَسَّساتِ وَمَراكِزِ الأَبْحاثِ وَالجامِعاتِ وَالمَنابِرِ الإِعْلامِيَّةِ التي أَسْهَمَتْ في تَرْسيخِ وِجْهاتٍ سِياسِيَّةٍ وَثَقافِيَّةٍ تَجْعَلُ مِنْ دَعْمِ إِسْرائيلَ جُزْءًا مِنَ الثَّوابِتِ الرّاسِخَةِ لَدى قِطاعاتٍ واسِعَةٍ مِنَ النُّخْبَةِ الأَميرِكِيَّة.
وَيَزْدادُ هَذا النُّفوذُ تَعْقيدًا عِنْدَما يَتَقاطَعُ مَعَ ظاهِرَةٍ أُخْرى لا تَقِلُّ أَهَمِّيَّة، تَتَمَثَّلُ في التَّحالُفِ بَيْنَ إِسْرائيلَ وَالتَّيّاراتِ الإِنْجيلِيَّةِ الصُّهْيونِيَّةِ في الوِلاياتِ المُتَّحِدَة. فَهَذا التَّحالُفُ لا يَقومُ فَقَطْ عَلى حِساباتٍ اسْتِراتيجِيَّةٍ أَوْ مَصالِحَ سِياسِيَّة، بَلْ يَسْتَنِدُ أَيْضًا إِلى تَصَوُّراتٍ دينِيَّةٍ وَعَقائِدِيَّةٍ تَرى في قِيامِ إِسْرائيلَ وَتَفَوُّقِها الإِقْليمِيِّ جُزْءًا مِنْ مَسارٍ تاريخِيٍّ ذي أَبْعادٍ خَلاصِيَّةٍ وَنُبوئِيَّة، على حِسابِ شُعوبِ المِنْطَقَةِ وَاسْتِبْدالِهِم بِيَهودِ أوروبا.
في المُقابِل، يَبْرُزُ سُؤالٌ جَوْهَرِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِغِيابِ لوبِيٍّ عَرَبِيٍّ فاعِلٍ داخِلَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ، عَلى الرَّغْمِ مِمّا يَمْتَلِكُهُ العالَمُ العَرَبِيُّ مِنْ ثَرَواتٍ مالِيَّةٍ وَإِمْكاناتٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَمَوْقِعٍ جِيوسِياسِيٍّ بالِغِ الأَهَمِّيَّة. فَخِلالَ العُقودِ الماضِيَة، اتَّجَهَتِ السِّياساتُ العَرَبِيَّةُ إِلى بِناءِ عَلاقاتٍ رَسْمِيَّةٍ مَعَ الإِداراتِ الأَميرِكِيَّة، مِنْ دونِ الاسْتِثْمارِ الكافِي في بِناءِ نُفوذٍ طَويلِ الأَمَدِ داخِلَ المُجْتَمَعِ الأَميرِكِيّ. وَلَمْ تُبْذَلْ جُهودٌ مُؤَسَّسِيَّةٌ مُماثِلَةٌ لِتِلْكَ التي شَهِدَتْها جَماعاتُ ضَغْطٍ أُخْرى مِنْ أَجْلِ الحُضورِ في الجامِعاتِ وَمَراكِزِ الدِّراساتِ وَصِناعَةِ السّينَما وَالمُؤَسَّساتِ الإِعْلامِيَّة، وَالفَضاءاتِ التي تُصاغُ فيها الأَفْكارُ وَتُنْتَجُ فيها النُّخَبُ وَتُبْنى مِنْها الصُّوَرُ الذِّهْنِيَّةُ المُؤَثِّرَةُ في القَرارِ السِّياسِيّ.
الثروة وحدها لا تصنع تأثيرًا ما لم تُترجَم إِلى حضور في دوائر الإعلام والثقافة وصناعة النُّخب
وَلَعَلَّ المُفارَقَةَ تَكْمُنُ في أَنَّ التَّأْثيرَ الحَقيقِيَّ في الدُّوَلِ الكُبْرى لا يُصْنَعُ فَقَطْ داخِلَ أَرْوِقَةِ السِّياسَة، بَلْ يَبْدَأُ قَبْلَ ذَلِكَ بِكَثيرٍ، مِنَ المَدْرَسَةِ وَالجامِعَةِ وَمَراكِزِ الأَبْحاثِ وَالصِّحافَةِ وَالفُنونِ وَالسّينَما وَشَبَكاتِ التَّمْويلِ الثَّقافِيّ. فَهذِهِ المَجالاتُ هِيَ التي تُحَدِّدً، عَلى المَدى البَعيد، طَبيعَةَ الخِطاباتِ المُهَيْمِنَةِ وَصورَةَ الصَّديقِ وَالخَصْمِ وَحُدودَ المَقْبولِ وَالمَرْفُوضِ في النِّقاشِ العام. وَمِنْ هُنا، فَإِنَّ السُّؤالَ لا يَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِقُوَّةِ اللّوبِيّاتِ الأُخْرى، بَلْ أَيْضًا بِمَدى قُدْرَةِ العَرَبِ عَلى تَحْويلِ ما يَمْتَلِكونَهُ مِنْ مَوارِدَ وَإِمْكاناتٍ إِلى نُفوذٍ مُؤَسَّسِيٍّ وَثَقافِيٍّ طَويلِ الأَمَد، بَلْ عَلى العَكْسِ نَرى التَّهْميشَ وَتَصْويرَ العَرَبِ بِصورَةِ "المُتَخَلِّفِ الإِرْهابِيّ"!. فَالثَّرْوَةُ وَحْدَها لا تَصْنَعُ تَأْثيرًا دائِمًا ما لَمْ تُتَرْجَمْ إِلى حُضورٍ في دَوائِرِ الإِعْلامِ وَالثَّقافَةِ وَصِناعَةِ النُّخَب، وَهِيَ المَجالاتُ التي تُبْنى فيها مَوازينُ القُوَّةِ الحَقيقِيَّةِ داخِلَ المُجْتَمَعاتِ الحَديثَة.
أَمّا اللّوبِيُّ الإيرانِيُّ في الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، فَمَكَّنَ طَهْرانَ مِنْ لَعِبِ دَوْرِ قُوَّةِ التَّوازُنِ داخِلَ نِطاقِ النُّفوذِ الأَميرِكِيِّ في المِنْطَقَة، وَمَنَحَها هامِشًا واسِعًا لِلتَّأْثيرِ في قَرارِ أَكْثَرَ مِنْ عاصِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ عَلى حِسابِ مَصالِحِ الشُّعوبِ العَرَبِيَّة. وَقَدْ أَسْهَمَ هَذا الواقِعُ في تَفْتيتِ نَسيجِ عَدَدٍ مِنَ المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّة، إِذْ قامَ ذَلِكَ التَّوازُنُ الأَميرِكِيُّ ـ الإيرانِيّ، في جانِبٍ مِنْه، عَلى إِدارَةِ الصِّراعاتِ الإِقْليمِيَّةِ وَتَغْذِيَةِ الانْقِساماتِ المَذْهَبِيَّةِ السُّنِّيَّةِ ـ الشّيعِيَّة، وَما نَتَجَ عَنْها مِنْ حُروبٍ أَهْلِيَّةٍ وَأَزْماتٍ عَميقَةٍ تَرَكَتْ آثارَها عَلى اسْتِقْرارِ المِنْطَقَةِ وَوَحْدَتِها الاجْتِماعِيَّة.
كلّ التحوُّلات الإقليمية جرت في ظلّ عجز عربي عن التأثير في القرار الأميركي أو تعديل اتجاهاته
في المُحَصِّلَة، يَبْرُزُ سُؤالٌ يَصْعُبُ تَجاهُلُه: ماذا جَنَتِ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ مِنْ تَحالُفِها الطَّويلِ مَعَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة؟ فَعلى صَعيدِ القَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّة، لَمْ تَتَراجَعْ إِسْرائيل، بَلْ واصَلَتْ تَوْسيعَ نُفوذِها وَفَرْضَ وَقائِعَ جَديدَةٍ عَلى الأَرْضِ بِفِعْلِ الإِباداتِ وَالزِّيادَةِ في احْتِلالِ الأَراضي. وَعلى صَعيدِ التَّوازُناتِ الإِقْليمِيَّة، شَهِدَتِ المِنْطَقَةُ تَمَدُّدًا مُتَزايدًا لِلقُوَّةِ الإيرانِيَّة، فِيما اسْتَمَرَّتِ الصِّراعاتُ وَالانْقِساماتُ وَالحُروبُ التي أَنْهَكَتِ المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّة. كَما لَمْ تَتَرَدَّدْ واشِنْطُن، في تَوْظيفِ التَّناقُضاتِ الدّاخِلِيَّةِ وَدَعْمِ تَرْتيباتٍ وَقُوًى أَسْهَمَتْ في إِضْعافِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ العَرَبِيَّة، بَلْ عَمِلَتْ عَلى لَعِبِ دَوْرٍ في تَقْسيمِ الدُّوَل. وَالأَهَمُّ أَنَّ كُلَّ هذِهِ التَّحَوُّلاتِ جَرَتْ في ظِلِّ عَجْزٍ عَرَبِيٍّ عَنِ التَّأْثيرِ في القَرارِ أَوْ تَعْديلِ اتِّجاهاتِه، عَلى الرَّغْمِ مِمّا تَمْتَلِكُهُ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ مِنْ ثَرَواتٍ وَإِمْكاناتٍ اسْتراتيجِيَّة. فَهَلْ تَكْمُنُ المُشْكِلَةُ في طَبيعَةِ السِّياساتِ الأَميرِكِيَّةِ وَحْدَها، أَمْ أَيْضًا في هَشاشَةِ الحُضورِ داخِلَ مَراكِزِ النُّفوذ، وَفي غِيابِ أَدَواتِ ضَغْطٍ قادِرَةٍ عَلى حِمايَةِ المَصالِحِ العَرَبِيَّة؟.
(خاص "عروبة 22")

