بصمات

ابْنُ البيطار... وَالدَّرْسُ المَنْهَجِيُّ في عِلْمِ النَّبات!

بَنى العَرَبُ حَضارَةً في العُصورِ الوُسْطى أَخَذَتْ تُضيفُ إِلى مُخْتَلِفِ المَناحي العِلْمِيَّة، وَكانَ عِلْمُ النَّباتِ أَحَدَ المَجالاتِ الَّتي أَبْدَعَتْ فيها الحَضارَةُ العَرَبِيَّةُ الإِسْلامِيَّة، إِذْ تَمَّ التَّعاطي مَعَ النَّباتِ عَبْرَ أَكْثَرَ مِنْ مَدْخَلٍ وَاهْتِماماتٍ مُخْتَلِفَة، الأَمْرُ الذي كَوَّنَ رَصيدًا ضَخْمًا مِنَ المَعْرِفَةِ بِالنَّباتِ وَالتَّعْريفِ بِهِ وَشَرْحِ خَواصِّه، وَيَبْرُزُ هُنا اسْمُ العالِمِ ابْنِ البَيْطارِ (ت 646هـ/ 1248م) كَأَحَدِ أَهَمِّ عُلَماءِ النَّباتِ في العُصورِ الوُسْطى عَلى مُسْتَوى العالَم.

ابْنُ البيطار... وَالدَّرْسُ المَنْهَجِيُّ في عِلْمِ النَّبات!

عالَجَتِ الثَّقافَةُ العَرَبِيَّةُ مَوْضوعَ النَّباتِ عَبْرَ أَكْثَرَ مِنْ آلِيَّة، مِنْها الرَّصْدُ المُتَعَلِّقُ بِالنّاحِيَةِ اللُّغَوِيَّةِ البَحْتَةِ عَبْرَ ذِكْرِ أَسْماءِ النَّباتاتِ عِنْدَ العَرَبِ كَما فَعَلَ أَبو حَنيفَة الدّينَوَرِيّ وَمَنْ سارَ عَلى دَرْبِه، فَضْلًا عَنْ دِراسَةِ النَّباتِ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِ الفِلاحَةِ وَالبَسْتَنَة، وَكَذلِكَ دِراسَتِهِ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرٍ طِبِّيَّةٍ صَيْدَلِيَّةٍ تُصَنِّفُ النَّباتاتِ وِفْقًا لاسْتِخْدامِها الطِّبِّيِّ وَالعِلاجِيّ، وَلِلْحَقْلِ الأَخيرِ يَنْتَمي ابْنُ البَيْطارِ الذي عُرِفَ بِكِتابِهِ الرَّئيسِ "الجامِعُ لِمُفْرَداتِ الأَدْوِيَةِ وَالأَغْذِيَة".

وُلِدَ ابْنُ البَيْطارِ في الأَنْدَلُسِ في لَحْظَةٍ كانَتِ الثَّقافَةُ العَرَبِيَّةُ تَشْهَدُ فُصولَها الأَخيرَةَ هُناك، فَقَدْ وُلِدَ عامَ 593 هـ/1197م، في وَقْتٍ تَساقَطَتْ فِيهِ مُدُنُ الأَنْدَلُسِ أَمامَ المَدِّ الإِسْبانِيّ، وَتَزامَنَتْ وَفاتُهُ مَعَ سُقوطِ مَدينَةِ إِشْبيلِيَّةَ في يَدِ الإِسْبان، لَكِنَّهُ كانَ قَدْ غادَرَ الأَنْدَلُسَ مُبَكِّرًا إِلى بِلادِ المَغْرِب، وَأَنْفَقَ سَنَواتِ شَبابِهِ على التَّخَصُّصِ في عِلْمِ النَّباتِ وَالصَّيْدَلَة، وَزارَ مُعْظَمَ بِلادِ شَمالِ أَفْريقْيا وَبِلادِ الأَناضولِ وَاليونانِ وَالشّامِ وَمِصْر، وَفي الأَخيرَةِ اسْتَقَرَّ وَازْدَهَرَ تَحْتَ رِعايَةِ سَلاطينِ الأَيّوبِيّين، قَبْلَ أَنْ يُغادِرَ الحَياةَ في الشّام.

سجّل 200 دواء مُستَخرَج من نباتات واتّبع منهجية علمية لا تختلف عن المنهجية العلمية الحديثة

يَصِفُهُ تِلْميذُهُ ابْنُ أَبي أُصَيْبِعَة (ت 668هـ/1270م) في كِتابِهِ "عُيونُ الأَنْباءِ في طَبَقاتِ الأَطِبّاء" قائِلًا: "الحَكيمُ الأَجَلُّ... أَوْحَدُ زَمانِه، وَعَلّامَةُ وَقْتِهِ في مَعْرِفَةِ النَّبات، وَتَحْقيقِهِ وَاخْتِيارِه، وَمَواضِعِ نَباتِه، وَنَعْتِ أَسْمائِهِ عَلى اخْتِلافِها وَتَنَوُّعِها". وَيُشيرُ إِلى رِحْلاتِ ابْنِ البَيْطارِ في بِلادِ الإِغْريقِ وَأَقْصى بِلادِ الرّومِ (الدَّوْلَةِ البيزَنْطِيَّة)، "وَلَقِيَ جَماعَةً مِمَّنْ يُعانونَ هَذا الفَنّ، وَأَخَذَ عَنْهُمْ مَعْرِفَةَ نَباتٍ كَثير، وَعايَنَهُ في مَواضِعِه"، كَما اجْتَمَعَ بِعَدَدٍ آخَرَ مِنْ عُلَماءِ النَّباتِ في بِلادِ المَغْرِب. أَيْ إِنَّ ابْنَ البَيْطارِ الذي زارَ مِصْرَ وَالشّامَ جَمَعَ بَيْنَ المَعْرِفَةِ النَّظَرِيَّةِ عَبْرَ دِراسَةِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ مِثْلَ كُتُبِ ديسْقوريدُس (Pedanius Dioscoride) وَغالينوس (Gallienus)، وَالمَعْرِفَةِ العَمَلِيَّةِ عَبْرَ مُشاهَدَةِ النَّباتِ عَلَى الطَّبيعَةِ وَتَسْجيلِ خَواصِّه.

وَأَهَمِّيَّةُ شَهادَةِ ابْنِ أَبي أُصَيْبِعَةَ الطَّبيبِ أَنَّهُ الْتَقى ابْنَ البَيْطارِ في دِمَشْقَ في حُدودِ سَنَةِ 633هـ/1236م، فَيَقولُ إِنَّهُ وَجَدَ عِنْدَهُ "مِنَ الذَّكاءِ وَالفِطْنَةِ وَالدِّرايَةِ في النَّبات، وَفي نَقْلِ ما ذَكَرَهُ ديسْقوريدُسُ وَغالينوسُ فيه، ما يَتَعَجَّبُ مِنْه... وَلَقَدْ شاهَدْتُ مَعَهُ في ظاهِرِ دِمَشْقَ كَثيرًا مِنَ النَّباتِ في مَواضِعِه، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أَيْضًا تَفْسيرَهُ لِأَسْماءِ أَدْوِيَةِ كِتابِ ديسْقوريدُس، فَكُنْتُ أَجِدُ مِنْ غَزارَةِ عِلْمِهِ وَدِرايَتِهِ وَفَهْمِهِ شَيْئًا كَثيرًا جِدًّا".

أَوْدَعَ ابْنُ البَيْطارِ مَعْرِفَتَهُ الضَّخْمَةَ بِالنَّباتِ في كُتُبِهِ المُخْتَلِفَة؛ لَكِنْ يَظَلُّ أَهَمُّها كِتابُهُ "الجامِعُ" الذي رَتَّبَ مادَّتَهُ عَلى حُروفِ المُعْجَم، فَجاءَ الكِتابُ مَوْسوعَةً شامِلَةً يَصِفُها الأَبُ جورْجُ قَنَواتي في كِتابِهِ "تاريخُ الصَّيْدَلَةِ وَالعَقاريرِ" بِأَنَّها "أَكْبَرُ مَوْسوعَةٍ خاصَّةٍ بِالأَدْوِيَةِ المُفْرَدَةِ وَصَلَتْنا مِنَ القُرونِ الوُسْطى". وَتَأَخَّرَتْ مَعْرِفَةُ الأوروبِّيّينَ بِالكِتابِ حَتّى القَرْنِ التّاسِعِ عَشَر، وَشَكَّلَتْ تَرْجَمَتُهُ إِلى الفَرَنْسِيَّةِ عَلى يَدِ لوسْيانْ لوكْلِيرك (Lucien Leclerc)، صاحِبِ كِتابِ "تاريخُ الطِّبِّ العَرَبِيِّ" فَتْحًا لِمَعْرِفَةِ النَّصِّ المُهِمِّ في الغَرْب، وَوَصَفَها المُسْتَشْرِقُ ماكْسْ مايرْهوف (Max Meyerhof) بِأَنَّها "التَّرْجَمَةُ الوَحيدَةُ التي كانَتْ عَلى مُسْتَوى أَعْظَمِ كِتابٍ في الصَّيْدَلِيَّةِ ظَهَرَ في القُرونِ الوُسْطى".

يُقدّم لنا درسًا منهجيًا في كيفية بناء معرفة علمية تقوم على التراكُم المعرفي والخبرة الميدانية والعقل العلمي الناقد

وَيُثْبِتُ الباحِثُ إِبْراهيمُ بْنُ مُرادٍ أَنَّ ابْنَ البَيْطارِ سَجَّلَ 200 دَواءٍ مُسْتَخْرَجٍ مِنْ نَباتاتٍ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ في كِتابِه، لَكِنَّ الأَهَمَّ أَنَّ ابْنَ البَيْطارِ اتَّبَعَ مَنْهَجِيَّةً عِلْمِيَّةً لا تَخْتَلِفُ عَنِ المَنْهَجِيَّةِ العِلْمِيَّةِ الحَديثَة، إِذِ اتَّبَعَ عَمَلِيَّةَ الاسْتِقْراءِ الشّامِلِ لِلْمَصادِرِ القَديمَةِ وَالسّابِقَةِ عَلَيْهِا في مَجالِ عِلْمِ النَّبات، وَهُوَ يُصَرِّحُ بِذَلِكَ في مُقَدِّمَةِ كِتابِهِ عَبْرَ اسْتيعابِ ما جاءَ في كُتُبِ عُلَماءِ الإِغْريقِ وَالعَرَب. ثُمَّ يَدْعَمُ هَذِهِ المَعْرِفَةَ النَّظَرِيَّةَ بِمَعْرِفَةٍ عِلْمِيَّةٍ عَمَلِيَّةٍ عَبْرَ البَحْثِ المَيْدانِيِّ الذي اضْطَلَعَ بِهِ عَبْرَ رِحْلاتِهِ وَأَسْفارِهِ في مُجْتَمَعاتِ البَحْرِ المُتَوَسِّط، فَضْلًا عَنْ اعْتِمادِ شَهاداتِ المُخْبِرينَ المُعْتَمَدينَ لَدَيْهِ في مَعْرِفَةِ النَّباتاتِ التي لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها.

وَيُلَخِّصُ بْنُ مُرادٍ الأَهَمِّيَّةَ المُزْدَوِجَةَ لِكِتابِ ابْنِ البَيْطارِ قائِلًا: "أَوَّلًا لِما يُوَفِّرُهُ مِنْ إيرادٍ عِلْمِيٍّ لِلْباحِثينَ الرّاغِبينَ في وَضْعِ المُعْجَمِ التّاريخِيِّ لِعِلْمِ النَّباتِ العَرَبِيّ، وَثانِيًا لِما يُقَدِّمُهُ مِنْ مَنْهَجٍ عِلْمِيٍّ في البَحْثِ يَرْفُضُ التَّقَيُّدَ بِالمَعاييرِ اللُّغَوِيَّةِ الجَمالِيَّةِ وَالصَّفَوِيَّة". وَهُوَ يُشيرُ هُنا إِلى تَدْقيقِ ابْنِ البَيْطارِ الذي أَوْرَدَ أَسْماءَ النَّباتاتِ بِاللَّهَجاتِ العَرَبِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ فَضْلًا عَنِ اللّاتينِيَّة، فَهُوَ يُقَدِّمُ لَنا دَرْسًا مَنْهَجِيًّا في كَيْفِيَّةِ بِناءِ مَعْرِفَةٍ عِلْمِيَّةٍ تَقومُ عَلى التَّراكُمِ المَعْرِفِيِّ وَالخِبْرَةِ المَيْدانِيَّةِ وَالعَقْلِ العِلْمِيِّ النّاقِد، الأَمْرُ الذي يَسْتَلْزِمُ اسْتِدْعاءَ روحِ مُنْجَزِ ابْنِ البَيْطارِ في المَشْهَدِ المُعاصِر.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن