بصمات

تَأليفُ الدَّولَةِ في الوَعي! نَحوَ إعادَةِ التَّفكيرِ في سُؤالِ الدَّولَةِ في المُجتَمَعاتِ العَرَبِيَّة

انْشَغَلَ الفِكْرُ السِّياسِيُّ الحَديث، على امْتِدادِ قَرْنَيْنِ تَقْريبًا، بِسُؤالِ بِناءِ الدَّوْلَة. فَقَدْ دارَتِ النِّقاشاتُ حَوْلَ الدُّسْتور، وَتَقْسيمِ السُّلُطات، والبيروقْراطِيَّة، واحْتِكارِ العُنْفِ المَشْروع، وَسِيادَةِ القانون، والقُدْرَةِ المُؤَسَّسِيَّة، حَتّى بَدا أَنَّ اكْتِمالَ هَذِهِ العَناصِرِ كَفيلٌ بِإِنْتاجِ الدَّوْلَةِ واسْتِقْرارِها. غَيْرَ أَنَّ التَّجْرِبَةَ التّاريخِيَّة، وَلا سِيَّما في المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّة، تَكْشِفُ أَنَّ بِناءَ المُؤَسَّساتِ لا يَقودُ بِالضَّرورَةِ إلى قِيامِ الدَّوْلَةِ بِوَصْفِها حَقيقَةً اجْتِماعِيَّةً مُسْتَقِرَّة، فَقَدْ تَنْشَأُ الوِزاراتُ والمَحاكِمُ والجُيوشُ والبَرْلَمانات، وَتُسَنُّ القَوانين، وَتُرْسَمُ الحُدود، وَمَعَ ذَلِكَ تَبْقى الدَّوْلَةُ كِيانًا هَشًّا سُرْعانَ ما تَتَراجَعُ سُلْطَتُهُ أَمامَ الطّائِفَةِ أَوْ القَبيلَةِ أَوْ الحِزْبِ أَوْ الجَماعَةِ الدّينِيَّة. هُنا يُصْبِحُ السُّؤالُ مُخْتَلِفًا: هَل تَكْمُنُ أَزْمَةُ الدَّوْلَةِ في ضَعْفِ بِنائِها، أَمْ في شَيْءٍ أَعْمَقَ يَتَعَلَّقُ بِعَلاقَتِها بِالوَعْيِ الِاجْتِماعِيّ؟.

تَأليفُ الدَّولَةِ في الوَعي! 
نَحوَ إعادَةِ التَّفكيرِ في سُؤالِ الدَّولَةِ في المُجتَمَعاتِ العَرَبِيَّة

لَقَدْ أَوْلَتِ الأَدَبِيّاتُ الكْلاسيكِيَّةُ عِنايَةً كَبيرَةً لِبِناءِ الدَّوْلَة، لَكِنَّها لَمْ تَمْنَحِ الِاهْتِمامَ عَيْنَهُ لِما يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِتَأْليفِ الدَّوْلَةِ في الوَعْي. فَالدَّوْلَةُ لا تَسْتَقِرُّ لِأَنَّها تَمْتَلِكُ مُؤَسَّساتٍ فَحَسْب، بَل لِأَنَّها تَنْجَحُ في أَنْ تُصْبِحَ المَرْجِعَ الطَّبيعِيَّ الذي يُفَكِّرُ الأَفْرادُ مِنْ خِلالِهِ في السُّلْطَةِ والحَقِّ والِانْتِماءِ والمَصْلَحَةِ العامَّة.

إِنَّ وُجودَ الدَّوْلَةِ القانونِيَّ لا يَعْني بِالضَّرورَةِ حُضورَها الِاجْتِماعِيّ، كَما أَنَّ اكْتِمالَ بُنْيَتِها المُؤَسَّسِيَّةِ لا يَعْني أَنَّها أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنَ الحِسِّ المُشْتَرَكِ الذي يُوَجِّهُ السُّلوكَ اليَوْمِي.

وَيُقْصَدُ بِتَأْليفِ الدَّوْلَةِ في الوَعْيِ العَمَلِيَّةُ التي تَنْتَقِلُ فيها الدَّوْلَةُ مِنْ وُجودِها بِوَصْفِها كِيانًا قانونِيًّا وَمُؤَسَّسِيًّا إلى حُضورِها بِوَصْفِها بُنْيَةً ذِهْنِيَّةً واجْتِماعِيَّة، بِحَيْثُ تَغْدو الإِطارَ الطَّبيعِيَّ الذي تُفْهَمُ مِنْ خِلالِهِ العَلاقاتُ السِّياسِيَّةُ والِاجْتِماعِيَّة. عِنْدَ هَذِهِ النُّقْطَةِ لا يَعودُ الِامْتِثالُ لِلقانونِ مُجَرَّدَ اسْتِجابَةٍ لِلإِكْراه، وَلا يُصْبِحُ الِانْتِماءُ إلى الدَّوْلَةِ خِيارًا سِياسِيًّا عابِرًا، وَإِنَّما يَتَحَوَّلُ إلى إِدْراكٍ راسِخٍ بِأَنَّ الدَّوْلَةَ هِيَ المَجالُ الذي تُدارُ داخِلَهُ الحَياةُ المُشْتَرَكَة، وَتُحْسَمُ فيهِ الخِلافات، وَتُصانُ فيهِ الحُقوق.

الدولة لا تترسّخ حين تشيّد مؤسساتها فقط بل حين تنجح في الانتقال من كيان قانوني إلى بنية ذهنية واجتماعية

وَيُمَثِّلُ هَذا التَّمْييزُ فارِقًا نَظَرِيًّا بَيْنَ عَمَلِيَّتَيْنِ كَثيرًا ما جَرى الخَلْطُ بَيْنَهُما؛ فَبِناءُ الدَّوْلَةِ يَتَعَلَّقُ بِإِنْشاءِ المُؤَسَّساتِ وَتَوْزيعِ الِاخْتِصاصاتِ وَصِياغَةِ القَوانين، أَمّا تَأْليفُ الدَّوْلَةِ في الوَعْيِ فَيَتَعَلَّقُ بِإِنْتاجِ المُواطِنِ الذي يَرى في الدَّوْلَةِ مَرْجِعَهُ الأَوَّل. الأولى عَمَلِيَّةٌ قانونِيَّةٌ وَإِدارِيَّة، والثّانِيَةُ عَمَلِيَّةٌ ثَقافِيَّةٌ وَتَرْبَوِيَّةٌ وَرَمْزِيَّة. الأولى يُمْكِنُ إِنْجازُها بِقَرارٍ سِياسِيٍ، أَمّا الثّانِيَةُ فَلا تَتَحَقَّقُ إِلّا عَبْرَ تَراكُمٍ تاريخِيٍّ طَويلٍ يُعيدُ تَشْكيلَ أَنْماطِ الإِدْراكِ والِانْتِماءِ والوَلاء.

وَلَعَلَّ هَذا ما يُفَسِّرُ المُفارَقَةَ التي عَرَفَتْها دُوَلٌ كَثيرَةٌ في العالَمِ العَرَبِيّ؛ إِذِ اسْتَطاعَتْ أَنْ تَبْنِيَ مُؤَسَّساتٍ حَديثَة، لَكِنَّها لَمْ تَنْجَحْ بِالقَدْرِ نَفْسِهِ في إِنْتاجِ وَعْيٍ حَديثٍ بِالدَّوْلَة. فَقَدْ بَقِيَتِ الدَّوْلَة، في نَظَرِ قِطاعاتٍ واسِعَةٍ مِنَ المُجْتَمَع، سُلْطَةً تَعْلو على الجَماعاتِ لا إِطارًا يَجْمَعُها، بَيْنَما احْتَفَظَتِ الطَّوائِفُ والعَشائِرُ والأَحْزابُ والرَّوابِطُ الأَوَّلِيَّةُ بِقُدْرَتِها على إِنْتاجِ الوَلاءِ والمَعْنى والهُوِيَّة. وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَتيجَةَ ضَعْفِ الدَّوْلَةِ القانونِيِّ وَحْدَه، بَل نَتيجَةَ عَجْزِها عَنْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إلى بُنْيَةٍ ذِهْنِيَّةٍ واجْتِماعِيَّةٍ تَسْتَقِرُّ في الوَعْيِ الجَمْعِيِّ بِوَصْفِها المَرْجِعَ الأَعْلى لِلحَياةِ العامَّة.

وَمِنْ هُنا فَإِنَّ السُّؤالَ الذي يُواجِهُ المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةَ اليَوْمَ لَمْ يَعُدْ يَقْتَصِرُ على كَيْفِيَّةِ إِصْلاحِ مُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ أَوْ تَعْزيزِ كَفاءَتِها، بَل يَمْتَدُّ إلى الكَيْفِيَّةِ التي يُمْكِنُ بِها تَأْليفُ الدَّوْلَةِ في الوَعْي. أَيْ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ مِنْ جِهازٍ إِدارِيٍّ إلى ثَقافَةٍ سِياسِيَّة، وَمِنْ سُلْطَةٍ تُمارِسُ القانونَ إلى مَعْنًى يُنَظِّمُ الِانْتِماء، وَمِنْ مُؤَسَّسَةٍ تُدارُ بِالنُّصوصِ إلى حَقيقَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ تَتَجَسَّدُ في المُمارَسَةِ اليَوْمِيَّة. فَالدَّوْلَةُ لا تُصْبِحُ قَوِيَّةً بِمُجَرَّدِ امْتِلاكِها أَدَواتِ السُّلْطَة، وَإِنَّما عِنْدَما يَكْتَسِبُ المُواطِنُ عادَةَ التَّفْكيرِ مِنْ خِلالِها، وَيَغْدو الِاحْتِكامُ إِلَيْها أَمْرًا بَدِيهِيًّا لا يَحْتاجُ إلى تَبْريرٍ مُتَجَدِّد.

الاستبداد يجد شروط ظهوره في غياب الوعي بالدولة

إِنَّ مَفْهومَ تَأْليفِ الدَّوْلَةِ في الوَعْيِ لا يَقْتَرِحُ اسْتِبْدالَ مَفاهِيمِ الدَّوْلَةِ الحَديثَة، بَل يَدْعو إلى اسْتِكْمالِها. فَهُوَ لا يُنْكِرُ أَهَمِّيَّةَ المُؤَسَّسات، وَإِنَّما يُمَيِّزُ بَيْنَ وُجودِها القانونِيِّ وَفاعِلِيَّتِها الِاجْتِماعِيَّة. وَإِذا كانَتْ نَظَرِيّاتُ بِناءِ الدَّوْلَةِ قَدِ انْشَغَلَتْ بِالسُّؤال: كَيْفَ تُنْشَأُ الدَّوْلَة؟ فَإِنَّ السُّؤالَ الذي يَطْرَحُهُ هَذا المَفْهومُ هُوَ: كَيْفَ تُصْبِحُ الدَّوْلَةُ جُزْءًا مِنَ الوَعْيِ الجَمْعِيّ؟ ذَلِكَ أَنَّ الدَّوْلَةَ لا تَتَرَسَّخُ حينَ تُشَيَّدُ مُؤَسَّساتُها فَقَط، بَل حينَ تَنْجَحُ في الِانْتِقالِ مِنْ كِيانٍ قانونِيٍّ إلى بُنْيَةٍ ذِهْنِيَّةٍ واجْتِماعِيَّة، وَمِنْ واقِعٍ سِياسِيٍّ مَفْروضٍ إلى أُفُقٍ مُشْتَرَكٍ يُعادُ إِنْتاجُهُ في الثَّقافَةِ والتَّرْبِيَةِ والمُمارَسَةِ اليَوْمِيَّة. وَعِنْدَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ فَقَطْ يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ الدَّوْلَةَ لَمْ تَعُدْ مَبْنِيَّةً فَحَسْب، بَل أَصْبَحَتْ مُؤَلَّفَةً في الوَعْي.

هَلْ يُمْكِنُ النَّظَرُ إلى الِاسْتِبْدادِ بِوَصْفِهِ مُجَرَّدَ انْحِرافٍ عارِضٍ في مُمارَسَةِ السُّلْطَة، أَمْ أَنَّهُ يَجِدُ شُروطَ ظُهورِهِ في غِيابِ الوَعْيِ بِالدَّوْلَةِ بِوَصْفِها مَجالًا عامًّا يَتَجاوَزُ إِرادَةَ الحاكِمِ والجَماعَة؟ فَحينَ لا تُؤَلَّفُ الدَّوْلَةُ في الوَعْيِ الجَمْعِيّ، وَحينَ تَبْقى مُجَرَّدَ جِهازٍ قانونِيٍّ وَمُؤَسَّساتِيٍّ مُنْفَصِلٍ عَنِ الثَّقافَةِ السِّياسِيَّةِ لِلمُجْتَمَع، قَدْ تَتَحَوَّلُ السُّلْطَةُ داخِلَها إلى مَجالٍ لِلغَنيمَةِ وَإِعادَةِ إِنْتاجِ الوَلاءاتِ الخاصَّةِ بَدَلَ أَنْ تَكونَ أَداةً لِخِدْمَةِ الصّالِحِ العامّ. وَمِنْ هُنا، يُشَكِّلُ تَأْليفُ الدَّوْلَةِ في الوَعْي، أَيْ انْتِقالُها مِنْ كِيانٍ مُؤَسَّسِيٍّ إلى بُنْيَةٍ ذِهْنِيَّةٍ واجْتِماعِيَّة، أَحَدَ الشُّروطِ الأَساسِيَّةِ لِلحَدِّ مِنْ قابِلِيَّةِ إِنْتاجِ الِاسْتِبْداد، عَبْرَ تَرْسيخِ تَصَوُّرٍ لِلسُّلْطَةِ بِاعْتِبَارِها وَظيفَةً عامَّةً لا امْتِيازًا خاصًّا!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن