لا توجَدُ ضَرورَةٌ لِإِعادَةِ اخْتِراعِ البُنْيَةِ القانونِيَّةِ لِتَسْهيلِ تَأْسيسِ الأَعْمالِ وَالتَّخارُجِ مِنْها وَمَنْعِ وَمُكافَحَةِ الفَساد، وَيُمْكِنُ اسْتِنْساخُها مِنْ دُوَلٍ نامِيَةٍ وَناهِضَةٍ لَدَيْها بُنْيَةٌ قانونِيَّةٌ ساعَدَتْها عَلى اسْتِنْهاضِ الاسْتِثْماراتِ المَحَلِّيَّةِ وَجَذْبِ الاسْتِثْماراتِ الأَجْنَبِيَّة، مِثْلَ الصّينِ وَفْيِتْنامَ وَتايْلانْد وَماليزْيا وَالهِنْد.
أَمَّا البُنْيَةُ الأَساسِيَّة، فَيُمْكِنُ أَنْ تُعْطى الأَوْلَوِيَّةُ فيها لِخِدْمَةِ المَناطِقِ وَالمَشْروعاتِ التي سَتُحَقِّقُ قيمَةً مُضافَةً لِلاقْتِصادِ وَتَخْلُقُ فُرَصَ عَمَلٍ لاسْتيعابِ العاطِلينَ وَاللّاجِئينَ العائِدينَ إلى الوَطَن، عَلى أَنْ تَكونَ مُوَزَّعَةً بِشَكْلٍ عادِلٍ على مَناطِقِ الدَّوْلَةِ كافَّة. وَيُمْكِنُ تَمْويلُ إِنْشائِها مِنَ الإيراداتِ العامَّةِ في حُدودِ المُمْكِن، إِضافَةً إلى فَتْحِ بابِ الاكْتِتاباتِ العامَّةِ لاسْتِنْهاضِ المُساهَماتِ الشَّعْبِيَّةِ لِإِنْشاءِ مَشْروعاتِ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ التي تَدِرُّ عائِدًا مِثْلَ المَوانِئِ وَالطُّرُقِ السَّريعَةِ التي يَتِمُّ تَحْصيلُ رُسومٍ عَلى المُرورِ مِنْها، على أَنْ يَكونَ هُناكَ حَدٌّ أَدْنى مِنَ العائِدِ تَضْمَنُهُ الدَّوْلَةُ لِلْمُساهِمين، بِناءً عَلى دِراساتِ الجَدْوى. وَفي حالاتٍ خاصَّةٍ وَاسْتِثْنائِيَّة، يُمْكِنُ اللُّجوءُ إلى مُشارَكَةِ القِطاعِ الخاصِّ في بَعْضِ تِلْكَ المَشْروعاتِ عَلى أَنْ يُعيدَ مِلْكِيَّتَها كُلِّيًّا لِلدَّوْلَة، بَعْدَ فَتْرَةٍ مُحَدَّدَةٍ يَتِمُّ الاتِّفاقُ عَلَيْها.
ضرورة قصر المشروعات العقارية على السوريين لتفادي استنزاف حصيلة النقد الأجنبي
أَمَّا الخَريطَةُ التَّفْصيلِيَّةُ لِلْمَشْروعاتِ الاسْتِثْمارِيَّةِ التي يُمْكِنُ أَنْ تَنْجَحَ في كُلِّ مِنْطَقَةٍ مِنَ الجُغْرافْيا السّورِيَّة، بِناءً عَلى دِراساتِ الجَدْوى وَالمَواردِ البيئِيَّةِ في كُلِّ مُحافَظَة، فَيُمْكِنُ حَصْرُها وَدِراسَتُها مِنْ خِلالِ لَجْنَةٍ مِنَ الخُبَراءِ الاقْتِصادِيّينَ تَقومُ بِرَسْمِ خَريطَةٍ اسْتِثْمارِيَّةٍ لِسورْيا بِكُلِّ مُحافَظاتِها، بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَيُّ مُسْتَثْمِرٍ سورِيٍّ يُفَكِّرُ في العَوْدَة، أَوْ مُسْتَثْمِرٌ عَرَبِيٌّ أَوْ أَجْنَبِيٌّ، ماذا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ في كُلِّ مِنْطَقَةٍ في سورْيا. وَمِنَ الطَّبيعِيِّ أَنْ تَتَوَطَّنَ المَشْروعاتُ وَالصِّناعاتُ الزِّراعِيَّةُ في المَناطِقِ الرّيفِيَّةِ التي تَتَوَفَّرُ فيها الأَرْضُ وَالمِياهُ وَالثَّرْوَةُ الحَيَوانِيَّةُ وَالإِنْتاجُ الزِّراعِيُّ وَالحَيَوانِيُّ الذي سَيَجْري تَصْنيعُهُ أَوْ تَجْهيزُهُ وَتَعْبِئَتُه، أَوْ تَحْويلُ مُخَلَّفاتِهِ مِثْلَ أَحْطابِ القُطْنِ وَالذُّرَةِ وَقَشِّ القَمْحِ وَناتِجِ تَقْليمِ الأَشْجار، إلى وَرَقٍ أَوْ كَرْتونٍ أَوْ خَشَبٍ حبيبِيٍّ أَوْ أَعْلافٍ جافَّة. وَمِنَ الطَّبيعِيِّ أَيْضًا أَنْ تَتَوَطَّنَ مَشْروعاتُ مَزارِعِ الأَسْماكِ وَما يَرْتَبِطُ بِها مِنْ صِناعاتِ أَعْلافٍ وَأَدَواتٍ وَصِناعاتِ تَجْهيزٍ وَحِفْظٍ وَتَعْليب، في مَناطِقِ السَّاحِلِ أَوْ قُرْبَ مَواردِ المِياهِ العَذْبَةِ التي سَتُقامُ فيها مِثْلُ تِلْكَ المَزارِع. وَتَتَوَطَّنُ الصِّناعاتُ المَعْدِنِيَّةُ وَالمَحْجَرِيَّةُ وَالكيماوِيَّةُ في مَناطِقِ وُجودِ الخاماتِ الخاصَّةِ بِها، أَمَّا الصِّناعاتُ الهَنْدَسِيَّةُ وَالصِّناعاتُ عالِيَةُ التِّقْنِيَّةِ فَتَتَرَكَّزُ في أَماكِنِ تَواجُدِ البَشَرِ الذينَ سَيَقومونَ بِتَشْغيلِها في كُلِّ الجُغْرافْيا السّورِيَّة، على أَنْ تَكونَ الصِّناعاتُ المُكَرَّسَةُ لِلتَّصْديرِ قَريبَةً مِنَ المَوانِئِ وَالمَعابِرِ الحُدودِيَّة.
الصِّناعاتُ التَّحْويلِيَّةُ وَقِطاعُ العَقاراتِ وَالصِّناعاتُ المُغَذِّيَةُ لَه... قاطِرَةُ الاقْتِصاد
تُشَكِّلُ الصِّناعاتُ التَّحْويلِيَّةُ وَقِطاعُ العَقاراتِ وَالصِّناعاتُ المُغَذِّيَةُ لَه، في بَلَدٍ تَهَدَّمَتْ نِسْبَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ عَقاراتِه، القِطاعاتِ القائِدَة، أَوِ القاطِرَةَ التي يُمْكِنُها جَرُّ الاقْتِصادِ السّورِيِّ إلى الأَمام. وَيَنْبَغي أَنْ تَتَوَطَّنَ تِلْكَ الصِّناعاتُ سَواءً في صورَةِ تَجَمُّعاتٍ عَلى تُخومِ مَناطِقَ عُمْرانِيَّةٍ قائِمَة، أَوْ مُدُنٍ صِناعِيَّةٍ جَديدَة، في مَناطِقِ تَرَكُّزِ الخاماتِ المَعْدِنِيَّةِ وَالمَحْجَرِيَّةِ وَالزِّراعِيَّة، مَعَ مُراعاةِ العَدالَةِ الجُغْرافِيَّةِ في تَوْزيعِها حَتّى لا تَكونَ هُناكَ فُرْصَةٌ لِإِثارَةِ أَيِّ حَساسِيَّاتٍ عِرْقِيَّةٍ أَوْ دينِيَّةٍ أَوْ مَذْهَبِيَّة.
وَإِذا كانَتْ هُناكَ ضَرورَةٌ لِلتَّرْكيزِ عَلى القِطاعِ العَقارِيِّ لِمُعالَجَةِ مُشْكِلَةِ نَقْصِ العَقارات، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الدَّوْلَةِ الشُّروعُ في تَخْطيطِ مَشْروعاتٍ عَقارِيَّةٍ شَعْبِيَّةٍ وَمُتَوَسِّطَةٍ وَمُعْتَدِلَةِ الأَسْعار، عَلى أَنْ يَتِمَّ تَنْفيذُها مِنْ خِلالِ الدُّفُعاتِ المُقَدَّمَةِ وَالأَقْساطِ التي سَيَدْفَعُها الحاجِزونَ لِلْوَحَداتِ في تِلْكَ المَشاريع. وَهُناكَ ضَرورَةٌ لِقَصْرِ المَشْروعاتِ العَقارِيَّةِ عَلى السّورِيِّينَ في الدّاخِلِ وَالخارِج، سَواءً لِوَفْرَةِ الخِبْراتِ اللّازِمَةِ لِتَنْفيذِها، أَوْ لِتَفادي اسْتِنْزافِ حَصيلَةِ النَّقْدِ الأَجْنَبِيِّ لَوْ تَمَّ السَّماحُ لِلْعَرَبِ وَالأَجانِبِ بِالعَمَلِ في هَذا القِطاعِ بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ تَحْويلِ أَرْباحِهِمْ إلى الخارِجِ بِالعُمْلاتِ الحُرَّة.
البداية ليست اقتصادية بل هي سياسية - أمنية وهي التحدي الأكبر أمام السلطة الانتقالية
وَبِالارْتِباطِ مَعَ الخَريطَةِ الاسْتِثْمارِيَّة، يَجِبُ عَمَلُ مَسْحٍ شامِلٍ عَنْ قُوَّةِ العَمَلِ السّورِيَّة (مُشْتَغِلينَ وَعاطِلين) مِنْ ناحِيَةِ العَدَدِ وَالمَهاراتِ التِّقْنِيَّةِ وَالعِلْمِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ وَالتَّوْزيعِ الجُغْرافِيِّ لَها على خَريطَةِ سورْيا، وَمُسْتَوَياتِ الأُجورِ السّائِدَة. وَهَذا المَسْحُ سَيَكونُ مُفيدًا لِأَيِّ مُسْتَثْمِرٍ مَحَلِّيٍّ أَوْ أَجْنَبِيٍّ يُريدُ تَأْسيسَ أَيِّ اسْتِثْمارٍ مُباشِر، لِأَنَّ وُجودَ قُوَّةِ العَمَلِ المُتَنَوِّعَةِ المَهاراتِ وَالمُعْتَدِلَةِ الأَجْر، يُشَكِّلُ أَمْرًا مُهِمًّا لِأَيِّ مُسْتَثْمِر.
سورْيا وَالعِراق... آفاقٌ هائِلَةٌ لِتَبادُلِ المَنافِعِ لَدى إِصْلاحِ العَلاقاتِ السِّياسِيَّة
يُؤَدّي الجِوارُ الجُغْرافِيُّ بَيْنَ أَيِّ دَوْلَتَيْنِ لِتَقْليلِ نَفَقاتِ النَّقْلِ وَالتَّأْمينِ عَلى حَرَكَةِ الأَشْخاصِ وَالبَضائِعِ بَيْنَهُما، وَيَخْتَصِرُ زَمَنَ ذَلِكَ النَّقْل، وَيَخْلُقُ ميزاتٍ اقْتِصادِيَّةً لِلْعَلاقاتِ الاقْتِصادِيَّةِ بَيْنَهُما عَلى قاعِدَةِ تَبادُلِ المَنافِعِ وَاحْتِرامِ كُلِّ طَرَفٍ لِسِيادَةِ الآخَر. وَضِمْنَ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، يُعَدُّ العِراقُ نَموذَجًا لِلْبَلَدِ الذي تَتَوافَقُ إِمْكانِيّاتُهُ الاقْتِصادِيَّةُ مَعَ سورْيا، بِما يَسْتَوْجِبُ إِصْلاحَ العَلاقاتِ السِّياسِيَّةِ مَعَه، وَتَطْويرَ البُنْيَةِ الأَساسِيَّةِ التي تَرْبِطُ الدَّوْلَتَيْن، وَعَقْدَ اتِّفاقِيّاتٍ مَضْمونَةٍ دَوْلِيًّا لِنَقْلِ النّفْطِ وَالغازِ العِراقِيَّيْنِ مِنْ حُقولِ الشَّمالِ وَالوَسَطِ في كَرْكوكَ وَالمَوْصِلِ وَشَرْقِ بَغْداد، إلى البَحْرِ المُتَوَسِّطِ مُباشَرَةً عَبْرَ سورْيا وَلَيْسَ عَبْرَ المِنْطَقَةِ الكُرْدِيَّةِ وَتُرْكْيا. وَيُمْكِنُ لِسورْيا أَنْ تَتَحَوَّلَ إلى مَرْكَزٍ دَوْلِيٍّ لِصِناعَةِ البِتْروكيماوِيّاتِ وَلِتَكْريرِ النَّفْطِ وَتَصْديرِهِ كَمُنْتَجات، اعْتِمادًا على النّفْطِ العِراقِيّ، وَلِصِناعَةِ سَمادِ اليورْيا بِالاعْتِمادِ عَلى الغازِ العِراقِيّ.
يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ هُناكَ مَساراتٍ مُتَعَدِّدَةً لاسْتِنْهاضِ الاقْتِصادِ السّورِيِّ وَتَعْزيزِ قُدْرَتِهِ عَلى اسْتِعادَةِ اللاجِئينَ وَالتَّخْفيفِ عَنِ الدُّوَلِ المُستَضيفَةِ لَهُم، لَكِنَّ البِدايَةَ لَيْسَتِ اقْتِصادِيَّة، بَلْ هِيَ سِياسِيَّةٌ - أَمْنِيَّة، وَهِيَ التَّحَدّي الأَكْبَرُ أَمامَ السُّلْطَةِ الانْتِقالِيَّة، وَالاخْتِبارُ الحَقيقِيُّ لِإِرادَةِ إِعادَةِ الإِعْمارِ وَبِناءِ الدَّوْلَةِ وَاسْتِعادَةِ اللاجِئين.
لقراءة الجزء الأول
(خاص "عروبة 22")

