حين تستعيد سوريا جغرافيتها ودورها

احتفال السوريين خارج المسجد العمري بدرعا وذلك عقب صدور حكم قضائي سوري بإعدام عاطف نجيب المسؤول عن حملة القمع بالمدينة (د.ب.أ)

ثمة لحظات في تاريخ الشعوب يكون وصفها بـ "التغيير السياسي" أقلَّ بكثيرٍ من حقيقتها. فما يتغير فيها ليس الحاكم وحده، ولا شكل السلطة، وإنما منظومة كاملة من المعاني التي حكمت علاقة الإنسان بنفسه، والدولة بمجتمعها، والجغرافيا بتاريخها، والوطن بالعالم. وربما تكون سوريا اليوم في قلب واحدةٍ من هذه اللحظات.

ففي الفلسفة التاريخية للشعوب، يمكن النظر إلى الاستبداد بوصفه شكلاً من العدمية الهيكلية؛ لأنه لا يكتفي بسلب الإنسان إرادته السياسية، وإنما يعيد بالتدريج تشكيل المجتمع والدولة حول الفراغ. فهو يضعف المبادرة، ويبدد الثقة، ويختزل الوطن في السلطة، ثم يفرغ الجغرافيا نفسها من معناها التاريخي، حتى يتحول البلد صاحب الميراث والموقع والدور إلى ساحة صراع، أو منطقة نفوذ، أو ورقة تفاوض على موائد الآخرين. ولهذا لا يكون الخروج الحقيقي من الاستبداد مجرد انتقال للسلطة. إنه، في مستواه الأعمق، استردادٌ للمعنى. وهذا تحديداً ما يجعل اللحظة السورية الراهنة أكبر من مجموع أحداثها.

فحين تنكسر بنيةٌ تاريخية استمرت عقوداً، لا تتحرك السياسة وحدها. وإنما تتحرك معها طاقة المجتمع، وصورة الدولة، ومفهوم السيادة، وموقع البلد في العالم، وحدود الممكن في خيال الناس. ويبدأ التاريخ، كأنه يستعيد مساره بعد انحراف طويل، بإعادة وصل الأشياء بوظائفها الأصلية: المواطن بالإرادة، والدولة بالمصلحة العامة، والجغرافيا بالدور، والقانون بالعدالة. فهل يمكن، من هذه الزاوية، أن نفهم ذلك التدفق المدهش في التحولات السورية خلال فترة زمنية قصيرة؟ والحقيقة أن الأخبار الاقتصادية المتلاحقة، من الاكتفاء بإنتاج القمح إلى الاستثمارات والمشروعات والشراكات الدولية والعربية، ليست هي القصة بحد ذاتها. إنها شواهد على قصة أعمق تتمثل في أن اقتصاداً عاش طويلاً بمنطق الندرة والعقوبات والبقاء بدأ يستعيد معنى الإنتاج والمستقبل. فالمستثمر الذي يأتي اليوم لا يشتري أصلاً اقتصادياً فقط.. إنه يراهن، بصورة أو بأخرى، على سوريا الغد.

لكن التحول الأعمق ربما يظهر في الجغرافيا. فالجغرافيا ليست جبالاً وبحاراً وحدوداً. الجغرافيا، حين تدخل التاريخ، تصبح وظيفةً ودوراً وقدراً سياسياً. وسوريا تحديداً لم تكن، عبر تاريخها الطويل، هامشاً جغرافياً في هذه المنطقة؛ فقد جعلها موقعها، دائماً، عقدة اتصال بين الأناضول والعراق والجزيرة والبحر المتوسط والعمق العربي، ولذلك كان ضعف الدولة السورية يعني أن تتحول قيمة الموقع من مصدر قوة للسوريين إلى مصدر إغراء للآخرين. وهذا ما حدث في أقسى صوره خلال السنوات الماضية. كانت سوريا حاضرة بقوة في استراتيجيات الجميع، وغائبة أحياناً عن استراتيجيتها هي. قواعد وجيوش ووكلاء وممرات ومناطق نفوذ، فيما أصبح السؤال المتكرر: ماذا تريد روسيا في سوريا؟ ماذا تريد إيران؟ ماذا تريد أمريكا؟ ماذا تريد تركيا وإسرائيل؟

أما التحول التاريخي الحقيقي فيبدأ عندما ينقلب السؤال: ماذا تريد سوريا؟ هنا تسترد الجغرافيا عقلها التاريخي. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة إعادة بناء العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والعالم العربي وأوروبا، وما يجري في ملفات حميميم والمنشآت البحرية وغيرها. بمعنى أن قيمة هذه الوقائع لا تكمن في كل اتفاق أو تفاوض منفرد، وإنما في عودة الدولة السورية تدريجياً لتحويل موقعها من مساحةٍ تستخدمها استراتيجيات الآخرين إلى أداة في استراتيجيةٍ وطنية سورية.

وهذا فارق هائل بين امتلاك الجغرافيا.. وامتلاك معناها. لكن "قيامة المعنى" لا تكتمل إذا استعادت الجغرافيا وظيفتها، وبقي الزمن القديم حاضراً في علاقة القوة بالعدالة. ولهذا تحمل صورة عاطف نجيب أمام القضاء السوري كثافةً رمزية استثنائية. فالرجل الذي ارتبط اسمه ببدايات الثورة في درعا، والذي كان ينتمي إلى جهاز امتلك سلطة السؤال والاعتقال والعقاب، أصبح بعد خمسة عشر عاماً في موقع من يُسأل ويُحاكم، فيما تصدر أحكام غيابية بحق بشار الأسد وماهر الأسد وآخرين. ومع وجوب أن تبقى عدالة سوريا الجديدة عدالة قانون ومؤسسات وضمانات، فإن المعنى التاريخي للصورة يتجاوز الأشخاص والأحكام.

إنه انقلابٌ للعلاقة بين القوة والزمن. فالاستبداد لا يريد من الناس فقط أن يخافوا قوته، وإنما يريدهم أن يؤمنوا بأبديتها. وهذه ربما أخطر آلياته النفسية: أن يحول لحظةً تاريخيةً عابرةً إلى قدر، وأن يقنع المجتمع بأن الحاكم سيبقى حاكماً، والسجين سجيناً، ومن يحاسب الناس خارج الحساب إلى الأبد. ثم يتحرك التاريخ، فيكتشف الجميع أن "الأبد" لم يكن سوى مرحلة. هنا تلتقي المحكمة بحقل القمح، والاستثمار بحميميم، والسيادة بالقانون. ليس لأن بينها علاقة مباشرة، وإنما لأنها جميعاً مظاهر لعملية تاريخية واحدة: عودة الأشياء إلى معانيها.

أي أن يعود الاقتصاد ليعني الإنتاج لا البقاء، وأن تعود الجغرافيا لتعني القوة لا الاستباحة، وأن تعود الدولة لتعني المصلحة العامة لا امتلاك السلطة لها، وأن تعود السيادة لتعني القدرة على القرار، وأن يعود القانون ليعني أن أحداً لا ينبغي أن يكون فوق الحساب. لكن التاريخ لا يمنح ضمانات. فالتحرر يستطيع أن يهدم منظومة، لكنه لا يبني تلقائياً بديلاً عنها. واستعادة المعنى يمكن أن تتوقف أو تنتكس إذا لم تتحول إلى مؤسسات وثقافة وقواعد مستقرة. ولهذا، فإن الاختبار الأكبر لسوريا لن يكون في محاكمة رجال الأمس، وإنما في بناء دولة يستحيل فيها ظهور رجال فوق القانون غداً؛ ولن يكون في استعادة موقع جغرافي، وإنما في امتلاك مشروع يعرف كيف يستخدمه؛ ولن يكون في تدفق الاستثمارات، وإنما في تحويلها إلى قدرة إنتاجية وفرص وازدهار مستدام.

هنا يصبح الوعي التاريخي ضرورةً، لا ترفاً فكرياً. فمن يرى الأحداث منفردة سيجد أمامه أخباراً اقتصادية وسياسية وقضائية متلاحقة. أما من يبتعد قليلاً ليرى الصورة الكبرى فقد يكتشف شيئاً آخر تماماً: بلداً يحاول، بعد عقود من الاستنزاف والاختطاف والحرب، أن يستعيد العلاقة الطبيعية بين الإنسان والمكان والدولة والتاريخ! وتلك ربما هي القصة السورية الكبرى اليوم.

وهذه القصة ليست في القمح، ولا الاستثمار، ولا حميميم، ولا المحكمة. فهذه شواهدها. أما القصة فهي أن وطناً جرى طويلاً تفريغه من معناه يستعيده قطعةً قطعة؛ وأن جغرافيا تحولت إلى ساحة للآخرين بدأت تستعيد عقلها التاريخي؛ وأن شعباً، عاش طويلاً داخل مستقبلٍ يكتبه سواه، استعاد فرصة نادرة لأن يكتب مستقبله بنفسه. وربما تكون هذه، في أعمق معانيها، قيامة سوريا الحقيقية: قيامة المعنى.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن