صحافة

"المشهد اليوم".. واشنطن تَأْذَنُ لِإيرانَ بِبَيْعِ النّفطِ ولبنانُ يَتَرَقَّبُ المُفاوضَات!قاليباف يُناقِشُ مَضيقَ هُرْمُز في مَسقَط وروبيو يَستَعِدُّ لِجَوْلَةٍ خَليجِيَّة.. ورئيسُ الوزراءِ البَريطانِيُّ "يَتَنَحَّى"


رئيس البرلمان الإيرانيّ ونائب أمين عام مجلس الأمن القومي ونائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي على هامش محادثات سويسرا (الخارجية الإيرانية)

استحوذت نتائجُ المفاوضاتِ بين الوفودِ الأميركيّةِ والإيرانيّةِ، برعايةٍ باكستانيّةٍ قطريةٍ على سلّمِ الأحداثِ، خصوصًا بعد الإعلانِ عن توصّلِهَا إلى "تقدّمٍ مشجعٍ" يُمكنُ البناءُ عليه للتوصلِ إلى تسويةٍ نهائيّةٍ، على الرغمِ من أن البنودَ الأساسيّة بقيت عالقةً من دون البتِ فيها. بينما كان ملفُ لبنانَ في صدارةِ المحادثاتِ، بعد ربطِ طهرانَ أيّ التزامٍ بنصِ مذكرةِ التفاهمِ بوقفِ الحربِ على جميعِ الجبهاتِ ومن ضمنِهَا لبنانَ، الذي يشهدُ انخفاضًا ملحوظًا في العملياتِ العسكريةِ الإسرائيليّةِ بعدَ دخولِ الإدارةِ الأميركيّةِ عى الخطِ، وطلبِهَا من رئيسِ الوزراءِ بنيامين نتنياهو كبحَ جماحه، ووقفَ أيّ ضرباتٍ يمكن أن تُسهمَ في عرقلةِ الاتفاقِ أو تهديدِه. أما الأبرزُ فكانَ الإعلانُ خلالَ مفاوضاتِ سويسرا عن إنشاءِ آليةٍ لخفضِ التصعيدِ، تضمُّ كلًّا من واشنطنَ وطهرانَ وبيروتَ من دونِ أيِّ ذكرٍ لتلّ أبيب أو للمهامِ المنوطةِ بها، التي يمكنُ أن تتعارضَ بشكلٍ أو بآخرَ مع المسارِ التفاوضيّ المباشرِ الذي اختارَهُ لبنانُ وبنَى عليه منذُ بداية الحرب.

وتجدُ الدولةُ اللبنانيّةُ نفسَهَا في مأزقٍ، بعدما جهدت لكفِّ يدِ طهرانَ ووقفِ تدخلِهَا في التفاصيلِ الداخليّةِ، لكن ما أفرزته الوساطاتُ من توقيعٍ لمذكرةِ التفاهمِ بين الولاياتِ المتحدةِ وإيران أسهمَ في تعزيزِ قبضةِ النظامِ الإيرانيِّ بدلًا من إضعافها. حتى أن أكثر المحللينَ تفاؤلًا تحدّثَ عن أن الخطواتَ الأميركيّةَ الحاليةَ تدفعُ لبنانَ مجددًا للوقوعِ في "الحضنِ الإيرانيّ"، ما يُثيرُ الكثيرُ من الريبةِ والتوجسِ، خصوصًا أنه يترافقُ مع تكرارِ الرئيسِ دونالد ترامب الحديثَ عن إمكانيةِ دفعِ دمشق للتدّخلِ ضدَ "حزبِ الله"، ما رفضَهُ الرئيسُ أحمد الشرع متحدثًا عن أطرٍ جديدةٍ لتحسينِ العلاقاتِ وضبطِهَا، بعيدًا عن "رواسبِ الماضي". وتزامنَ "حسمُ الجدلِ" القائمِ منذ أيامٍ مع تصريحاتِ رئيسِ الجمهوريةِ اللبنانيةِ العماد جوزاف عون، التي جدّدَ فيها التمسكَ بالسيادةِ الكاملةِ وحقِّ لبنانَ الحصريِّ في إدارةِ شؤونِهِ والتفاوضِ بشأنِ قضاياه الوطنيّة. وأكد أن "أيّ مساعدةٍ خارجيّةٍ مرحَّبٌ بها ما دامت تصبُّ في خدمةِ إنهاءِ الحربِ وتثبيتِ الاستقرار، من دون أن تتحولَ إلى تدخلٍ في الشؤونِ الداخليّة". ولم يكن عون بعيدًا عن أجواءِ المفاوضاتِ المكثفةِ، التي عُقدت بينَ واشنطنَ وطهرانَ في منتجعِ بورغنستوك السويسري، فتلقى اتصالًا ضمَّ نائبَ الرئيسِ الأميركيّ جي دي فانس والمبعوثِ الأميركيّ جاريد كوشنر، ورئيسِ الوزراءِ القطريّ الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، تناولَ مسألةَ تثبيتِ وقفِ إطلاقِ النارِ في لبنانَ والخطوات الواجب اتخاذها في هذا الصدد.

قبل ذلك، أعلن فانس عن إنشاءِ آليةٍ لضبطِ وقفِ إطلاقِ النارِ بينَ إسرائيلَ و"حزب الله" الذي دعاه إلى وقفِ هجماتِهِ، بينما أشارَ إلى أن الأولويةَ هي لنزعِ سلاحِ الحزبِ والعملِ على ما أسماه "حمايةُ أمن إسرائيل وسيادة لبنان". في المقابلِ، اعتبرَ وزيرُ الخارجيةِ الإيرانيِّ عباس عراقجي، أن "الخليةَ الوقائيّةَ لإدارةِ النزاعاتِ في لبنانَ" ستكون "أول اختبارٍ حقيقيٍّ "للنوايا الأميركيّة". وأدى كل ذلك إلى تحويلِ لبنانَ إلى ساحةٍ لتبادلِ الرسائلِ السياسيّةِ، وإلى "لقمةٍ سائغةٍ" على "طاولةِ الكبارِ" بعدما أُدخلَ في أتونِ حربٍ "لا ناقةَ له فيها ولا جمل" سوى أن "حزب الله" أراد مجددًا أن يكون "بيدقًا" في يدِ "الحرسِ الثوري" وينفذُ تعليماتِهِ وأوامره، تمامًا كما جرى طوال السنواتِ الماضية. ويجنحُ لبنانُ نحوَ الديبلوماسيّةِ والحوارِ لإداراكه أن الأمورَ مُعقدةٌ، ويمكن أن تُفرزَ المزيدَ من الانقسامِ العموديّ بينَ مختلفِ الشرائحِ، بسببِ الاختلافِ العميقِ في الرؤيةِ إلى الدورِ الإيرانيّ وجدوى سلاح الحزب وترتيبات "اليوم التالي". هذه الأوضاعُ ليست بعيدةً عن إسرائيل، التي وافقت، على مضضٍ، على خفضِ وتيرةِ عملياتِهَا، فيما أفادت صحيفة "هآرتس"، نقلًا عن مصدرٍ مطّلعٍ، أن الجيشَ الإسرائيليّ سيُضطرُ إلى تنفيذِ انسحابٍ جزئيٍّ من "الخطِّ الأصفرِ" جنوبِ لبنان. وأشارَت، في الوقتِ عينه، إلى أن الجيشَ اللبنانيّ سيتولَى الانتشارَ والعملَ في المناطقِ التي ستنسحبُ منهَا هذه القوات، على أن تُنَفَّذُ هذه الخطوةُ تحت رقابةٍ وإشرافٍ أميركيين، ضمنَ الآليّةِ الُمتّفقِ عليها لمتابعةِ تنفيذِ الترتيباتِ الميدانيّة.

وسيطرت أجواءٌ من الحذر على مختلفِ البلداتِ الجنوبيّةِ والبقاعيّةِ، في حين قرّرَ بعض الأهالي العودةَ إلى قراهم وبلداتِهِم مجددًا، على الرغمِ من استمرارِ المخاطرِ المُحدقةِ والدمارِ الكبيرِ الذي خلّفه الاحتلال. في الأثناءِ، تفقّدَ قائدُ الجيشِ اللبنانيِّ العماد رودولف هيكل الوحداتِ العملانيّةِ المنتشرةِ في مناطق النبطيّة والجوار، مؤكدًا "أهمية الإجراءات المُتَخَذَة من أجل ضمانِ سلامةِ المواطنينَ في المناطقِ التي تعرّضت لاعتداءاتٍ إسرائيليّة". كما شدّدَ على دورِ الجيشِ والمؤسسةِ العسكريةِ "التي ستبقَى محلَ ثقة لدى جميع اللبنانيين". وتعيشُ البلادُ أيامًا صعبةً وشديدةَ الحساسيّة في انتظارِ ما ستُفضِي إليه نتائجُ الاتصالاتِ الدوليةِ والمفاوضاتِ المرتقبةِ في واشنطنَ في جولتِهَا الخامسةِ، ومدَى قدرة الأطراف المعنيّة على تحويلِ التفاهماتِ السياسيّةِ إلى التزامٍ واضحٍ وقابلٍ للتنفيذ. وطفَت بعضُ الخلافاتِ بينَ واشنطنَ وتلّ أبيب في مقاربةِ الملفِ اللبنانيِّ، ما نقلته صحيفةُ "معاريف" أيضًا، التي لفتَت إلى أن الإدارةَ الأميركيّة تنظرُ إلى جنوبِ لبنانَ ضمنَ سياقٍ إقليميٍ أوسعٍ يشملُ مضيقَ هُرمزَ وأسعارَ الطاقةِ والملفِ النووي الإيرانيّ، إضافةً إلى حاجةِ إدارةِ ترامب لتحقيقِ إنجازٍ دبلوماسيٍّ بعد تصاعدِ حدةِ الانتقاداتِ إليه مؤخرًا، بسبب عدمِ قدرتِهِ على تحقيقِ أهدافِ الحربِ على إيران.

في هذا السياق، يزعمُ كُثر بأن نتنياهو ورّطَ ترامب في هذه الحربِ "التي بدت وكأنها من دونِ نهايةٍ"، بعدَ أن حوّلتهَا طهرانَ إلى إقليميّةٍ وسعَت بجد إلى تكبيدِ العالمِ خسائرَ باهظة، إن عن طريقِ إغلاقِ مضيقِ هُرمزَ واستخدامه في إطارِ "الابتزازِ السياسيِّ" أو عبر الهجماتِ التي شنّتها على دولِ الخليجِ العربيّ. في موازاةِ ذلكَ، أكدَ اجتماعُ مجلسِ جامعةِ الدولِ العربيّةِ على المستوى الوزاريّ، خلالَ دورته الـ165 في العاصمة الأردنية عمّان، أهميةَ خفضِ التصعيدِ وتهيئةِ الأجواءِ لاتفاقٍ إيرانيٍّ أميركيٍّ شاملٍ يُعزّزُ الأمنَ والاستقرار. وناقشَ المجتمعونَ آخرَ التطوراتِ الإقليمّيةِ والدوليّةِ، مستعرضينَ مسيرةَ العملِ العربيِّ المشتركِ، وسبلَ دعمِ منظومةِ الجامعِة وتطويرِ آليات عملِهَا، بما يحقّقُ تطلعاتِ الدولِ الأعضاءِ فيها. وتبدو الجامعةُ العربيةُ اليوم، على أهميتِهَا، مُغيبةً عن الشأنِ العربي وهمومِ الشعوبِ، التي لم تجدْ فيها "مظلةَ" أمانٍ ولا حمايةً بعدما بات دورُهَا محصورًا بالبياناتِ والاستنكارات. ويُذكرُ أن الاجتماعَ حفلَ أيضًا بالإعلانِ عن اعتمادِ قرارِ تعيينِ نبيل فهمي أمينًا عامًا جديدًا للجامعةِ خلفاً لأحمد أبو الغيط، وتبدأُ ولايتُهُ مطلعَ الشهر المقبل وتستمرُ خمسةَ أعوام. والدورُ العربيُّ، وتحديدًا الخليجيّ، لم يغبْ عن المحادثاتِ التي عقُدَت بين واشنطنَ وطهرانَ، فبرزَت العاصمةُ القطريةُ الدوحة، من خلالِ الوساطةِ التي رعتهَا إلى جانبِ باكستان. وقال رئيسُ الوزراءِ وزيرُ الخارجيةِ القطريِّ الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إن مذكرةَ التفاهمِ المُبرمة "تمثلُ إطارًا مؤسسيًا للعمليةِ التفاوضيّةِ"، موضحًا أنها تتناولُ الملفَ النوويّ، إضافةً إلى ملفاتٍ أخرى ستناقشها إيرانُ مع الإقليمِ، في إطارٍ أمنيٍّ إقليميٍّ بالتنسيقِ مع دولِ مجلسِ التعاونِ الخليجيِّ، خصوصًا ما يتعلقُ بمضيقِ هُرمزَ الذي ينبغي إيجاد حلٍ دائمٍ له وفقَ رؤيةٍ خليجيّةٍ موحدةٍ، بحسبِ تعبيره.

وتحوّلَ هذا الممرُّ الحيويُّ الحساسُ إلى نقطةِ خلافٍ، خصوصًا أن طهرانَ وجدت فيه "ضالتَهَا" طوالَ المدةِ الماضيةِ، وهدَّدَت بإغلاقِهِ بين حينٍ وآخرَ في إطارِ سعيها إلى تحقيقِ مطالبها. ويؤكدُ النظامُ الإيرانيُّ أن الأمورَ في المضيقِ "لن تعودَ إلى سابقِ عهدِهَا"، وهو ما كانَ مدارَ بحثٍ خلالَ زيارةِ رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إلى سلطنةِ عُمان، بعد ساعاتٍ من عودته من سويسرا. وبحسب "وكالة الأنباء العُمانية"، فإن الأخير عقد لقاءً مع وزير الخارجيّة بدر البوسعيدي، في مسقط، بحضورِ الوفدِ المرافقِ، شدّدا خلاله على أهميةِ توظيفِ اللحظةِ الدبلوماسيّةِ الراهنةِ لإسنادِ مساعي السلام، وتعزيزِ التهدئةِ والاستقرارِ، وفقًا لمبادئِ القانونِ الدوليِّ وحسنِ الجوارِ، بما يُعزّزُ فرصَ التهدئةِ، ويحفظُ أمنَ المنطقةِ وسلامةِ الملاحةِ البحريةِ في مضيقِ هُرمزَ والممرات الدوليّة. في غضونِ ذلك، انتهت الجولةُ السياسيّةُ الأولى التي عُقِدَت في سويسرا، على مدارِ 18 ساعة من المباحثاتِ المُكثفةِ، بإعلانِ إطارٍ تنظيميٍّ للتفاوضِ: لجنةٌ عليا، ومجموعاتُ عملٍ فنيةٍ، وخطُ اتصالٍ خاصٍ بمضيقِ هُرمزَ، وخليةُ خفضِ التصعيدِ في لبنان. غير أن استمرارَ المسارَ سيعتمدُ على قدرةِ هذه الآليات على تثبيتِ وقفِ القتالِ وفتح الطريق أمام الملفاتِ الأكثرَ تعقيدًا. وفي سياقٍ متصلٍ، رحبت الخارجية السويسرية بما وصفته بـ"التقدمِ البنّاءِ" الذي تحقّقَ خلالَ المفاوضاتِ الدبلوماسيةِ، معتبرةً أن ما أسمته خريطةَ الطريقِ الُمتفقِ عليها "توفرُ الظروفَ لاستئنافٍ فوريٍ لمحادثاتٍ فنيةٍ جديدة".

بدورِهَا، لم تخرجْ تصريحات ترامب عن "النمطِ المعهودِ"، إذ هّددَ طهرانَ مجددًا بأنه "سيفعلُ ‌ما ​يجب ‌عليه ⁠فعله"، ​إذا لم ⁠تلتزمْ باتفاقِهَا مع ⁠واشنطن. كما لفتَ إلى أن الأموالَ ‌التي سيُفرجُ عنهَا لصالحِ النظامِ الإيرانيِّ ستُخصّصُ لشراءِ الغذاءِ حصرًا من الولاياتِ المتحدةِ، موضحًا أن "كل هذه الأموال ستعودُ على ‌شكلِ مشترياتٍ غذائيةٍ هم في أمسِ الحاجةِ إليها. لديهم ⁠91 ⁠مليون نسمة، ولا يستطيعون إطعامهم. لذا، فإن الأموالَ التي نرفعُ عنها التجميد ستذهبُ إلى مزارعينا". من جانبِهِ، أوضحَ محافظُ البنكِ المركزي الإيرانيّ عبد الناصر همتي أنه "إذا كانت أسعارُ وجودةُ المنتجاتِ الزراعيةِ الأميركيّةِ أفضل فلا يوجدُ ما يمنع شراءَهَا"، وفقَ ما نقلته وكالةُ "تسنيم" الإيرانيّة. في إطارٍ ذي صلة، أصدرت وزارةُ الخزانةِ الأميركيّةِ ترخيصًا عامًا مؤقتًا لمدة 60 يومًا يُتيحُ إنتاجَ وتسليم وبيع النفطِ الخام والمنتجاتِ البتروكيماويةِ والنفطيّةش ذات المنشأ الإيرانيّ. وهي خطوةٌ يُنظرُ إليها بوصفهَا أولَ إجراءٍ عمليٍّ لتنفيذِ البندِ المتعلقِ بتخفيفِ القيودِ على صادراتِ النفطِ الإيرانيّةِ ضمنَ التفاهمِ الذي توصلَ إليه الجانبان. هذه المستجداتُ وغيرُها ستكونُ على جدولِ أعمالِ وزير الخارجية الأميركيّ ماركو روبيو، الذي يستعدُ لجولةٍ تشملُ الإمارات والكويت والبحرين، لعرضِ بنودِ الاتفاقِ المبدئيّ مع إيرانَ على "حلفاءِ" واشنطن. وتأتي تلك الجولةُ بعدما أثيرت ضجةٌ، في وقتٍ سابقٍ، لجهةِ احتمالِ تخصيصِ صندوقٍ قيمته 300 مليار دولارٍ لإعادةِ إعمارِ إيرانَ، والذي يتوقعُ قادةٌ خليجيونَ أن تستخدمه "الجمهوريةُ الإسلاميّةُ" في إعادةِ بناءِ قدراتِهَا العسكرية، وتمويلِ جماعاتٍ مُواليةٍ لها في المنطقة.

الحراكُ الديبلوماسيّ الذي يترافقُ مع المفاوضاتِ ومحاولاتِ إعادةِ ضبطِ الأوضاعِ، يُلاقيه، على الضفةِ الأخرى، تحذيرات إسرائيليّة من الدورِ المتعاظمِ لتركيا. إذ رأت صحيفةُ "معاريف" أن أنقرة تشكلُ تهديدًا أكبرَ وأكثرَ خطورةً على إسرائيلَ من إيرانَ، في ضوءِ امتلاكِهَا ثاني أكبر جيشٍ في حلف شمالِ الأطلسي (الناتو)، ووصولِهَا إلى نحو 80 في المئة من الاكتفاءِ الذاتيّ في صناعاتِهَا الدفاعيّة. وارتفعَت وتيرةُ التصعيدِ مؤخرًا، خصوصًا بعد التصريحاتِ "عالية النبرة" للرئيسِ رجب طيب أرودغان، التي لا يمكن أن تكون بعيدةً عن تعاظمِ دورِهَا داخلَ سوريا، لا سيما بعد سقوطِ النظامِ السابقِ، ما تنظرُ إليه تلّ أبيب بعينِ الريبةِ والتوجّس. والملفُ التركيُّ ليسَ وحدَهُ، إذ تسعَى إسرائيلُ إلى اتخاذِ خطواتٍ تصعيديةٍ عسكريةٍ بهدفِ نزعِ سلاحِ حركةِ "حماس". فوفق القناة الثالثة عشرة الإسرائيلية، عقدَ رئيسُ الأركان إيال زامير، مساءَ أمسِ الاثنين، اجتماعًا مع كبارِ مسؤولي الجيشِ لمناقشةِ هذه المسألة، إلى جانبِ ما تصفه بتزايدِ نفوذِ الحركةِ في قطاعِ غزّة. ولم يلتزمْ الاحتلالُ بتطبيقِ بنودِ اتفاقِ وقفِ النار، بل عمدَ إلى خرقِهِ مرارًا وسطَ تصاعدِ العملياتِ العسكريةِ و"حمامِ الدمِ" الذي يحصدُ يوميًا المزيدَ من الفلسطينيين. في الأخبارِ الأخرى، فرضت الولاياتُ المتحدة عقوباتٍ على 3 أفرادٍ و6 شركاتٍ في أوروبا والشرق الأوسط وغرب أفريقيا، بتهمةِ تسهيلِ معاملاتٍ ماليةٍ لتنظيمِ الدولةِ الإسلاميةِ "داعش"، ونقل أموالٍ بين فروعه الإقليمية.

أما دوليًا، فأعلنَ رئيسُ الوزراء البريطانيّ كير ستارمر استقالتَهُ بعد أقلِّ من عامينِ في منصبِهِ، على خلفيةِ المطالباتِ المتزايدةِ بتنحِيهِ إثرَ انتكاساتٍ سياسيّةٍ مرَّ بهَا، تزامنَت مع ظروفٍ إقليميةٍ مُعقدة. وقال ستارمر، في كلمةٍ أمام مقرّ رئاسةِ الوزراء، إن "كل قرارٍ اتخذته كان هدفُهُ وضعَ البلدِ الذي أحبُهُ أولًا. ولهذا السبب سأستقيلُ من قيادةِ حزبِ العمال". وأوضحَ أن عمليةَ اختيار زعيمٍ جديدٍ للحزبِ ستنطلقُ الشهرَ المقبل، وأنه سيبقَى رئيسًا للوزراءِ إلى حين اختيارِ خلفِهِ، على أن يتولَى الأخيرُ منصبَهُ في شهرِ أيلول/ سبتمبر. هذا وأسفرَ إطلاقُ نارٍ وقعَ، أمسِ الاثنين، في حيٍّ يهوديٍّ في مونتريال عن مقتلِ ثلاثةِ أشخاصٍ، من ضمنهم المشتبهُ فيه بتنفيذِ الهجومِ، وفقَ ما أعلنت الشرطة الكندية، التي لم تحدّدْ بعد ملابساتِ العمليةِ ودوافعها.

وفي الآتي، إليكم موجزٌ بأهم التحليلات والمقالات التي وردت في الصحف الصادرة اليوم الثلاثاء في عالمنا العربي:

كتبت صحيفة "الغد" الأردنية: "دخلت الولايات المتحدة الحرب الأخيرة ضد إيران بأجندة واسعة، شملت الملف النووي والصاروخي والنفوذ الإقليمي، مرت أشهر الحرب بين ضغط عسكري وتفاوض، وكانت اليد العليا فيها أميركية، بينما استثمرت إيران الوقت استراتيجيًا، وكان الظن السائد أن واشنطن ستفرض إرادتها بالقوة، لكن مذكرة التفاهم بددت هذا الظن، وأثبتت أن إيران أعلى كعبًا تفاوضيًا، وأن صبرها واستثمارها للوقت يدفعان خصمها إلى التنازل". وأضافت أنه "تنفس العالم الصعداء عندما أعلنت باكستان الاتفاق، لكن المنخرطين في الملف صعقوا من حجم التنازل الأميركي والفخاخ المنصوبة في كل فقرة، ما يطرح أسئلة مشروعة: هل خدع فريق أميركي متعجل يعشق الصفقات؟ أم أن واشنطن تعرف حقيقة النص وقبلته شراءً للوقت بانتظار فشل المفاوضات والعودة إلى الحرب، أم أنها اقتنعت أن القوة العسكرية لن تجدي؟ تنازلت واشنطن عن أهم أوراق ضغطها مبكرًا، فالمذكرة لم تعكس موازين القوة، بل أظهرت قدرة طهران على تحويل أوراق ضعفها إلى مكتسبات تفاوضية بدل أن تكون أسبابًا لمعاقبتها".

هذا ونبهت صحيفة "الرياض" السعودية إلى أن "بعض الانتقادات الموجهة إلى الاتفاق بين واشنطن وطهران في محلها، خاصة تلك التي أثارها محللون خليجيون، إلا أنه يجب أن نتذكر أن مذكرة التفاهم ليست اتفاقًا نهائيًا، بل إطارًا تفاوضيًا مؤقتًا، يصاحبه تهديد أميركي باستئناف الحرب بشراسة أكبر في حال تأخرت إيران في تنفيذ التزاماتها الواردة في المذكرة". وأعربت عن أملها بأنه "إذا جرت إدارة المفاوضات على الحلّ النهائيّ بالشكل الصحيح يمكن لمذكرة التفاهم أن تكون نقطة انطلاقٍ لحوارٍ حقيقيٍ يؤكد المبادئ التي ينصّ عليها ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وعدم استخدام القوة أو التهديد بها، بل تسوية الخلافات بالوسائل السلمية، ما سيمهد الطريق لتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار لشعوب المنطقة ويعزز فرص التعاون بينها في جميع المجالات".

السياق عينه تناولته صحيفة "الصباح" العراقية، التي رأت أنه "إذا كانت الحرب قد أضرت بمصداقية الولايات المتحدة، فقد عززت في الجانب الإيراني جانبًا يُصعب قياسه وقصفه. فقد استوعبت إيران فقدان قيادتها العليا وتدمير جزء كبير من بنيتها التحتية العسكرية، ومع ذلك لم تنهار الدولة. بل حافظت على قدر كافٍ من التماسك القيادي للرد، وإغلاق مضيق هُرمز، والسيطرة على التصعيد بنفسها". وقالت إن "صمود المجتمع والدولة الإيرانية في وجه الضربة الغربية والإسرائيلية الاستباقية قد غيّر النظرة العالمية إلى من يستطيع تحمل مثل هذه الضربة والبقاء صامداً على طاولة المفاوضات. لا يدور هذا النقاش حول مزايا الحكومة الإيرانية، التي تختلف الآراء بشأنها بشكل مشروع، بل يدور حول الرسالة الاستراتيجية التي حملتها الحرب".

من جانبها، اعتبرت صحيفة "الوطن" القطرية أن المفارقة أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان "لا يبدو مرتبطًا فقط بحساباتٍ أمنيةٍ أو ميدانيةٍ، بل يتجاوز ذلك إلى اعتباراتٍ سياسيةٍ داخليةٍ باتت تشكل أحد المحركات الرئيسية لسلوك الحكومة الإسرائيلية الحالية. فنتنياهو، الذي يواجه ضغوطًا سياسيةً وقضائيةً متزايدةً، يدرك أن انتهاء الحرب بصورةٍ نهائيةٍ سيعيد إلى الواجهة ملفات الإخفاقات الأمنية والانقسامات الداخلية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، التي جرى تأجيلها تحت عنوان "ظروف الحرب"، فضلاً عن تسريع محاكمته وإدانته أمام القضاء". واستنتجت أن "لبنان هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر، فكلما طال أمد التجاذب بين واشنطن وطهران وتل أبيب، ازدادت المخاطر على الاستقرار اللبناني. ولذلك فإن مستقبل التهدئة في الجنوب لم يعد مرتبطًا فقط بالتوازنات المحلية، أو حتى بالحسابات الإسرائيليّة، بل بات جزءًا من معركة سياسيّة أوسع تدور حول شكل النظام الإقليمي الجديد، الذي تحاول القوى الكبرى رسم ملامحه بعد انتهاء الحرب الأميركية ـ الإيرانيّة".


(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن