اقتصاد ومال

تَآكُلُ الطَّبَقَةِ المُتَوَسِّطَة: مِنْ مُجتَمَعاتِ التَّوازُنِ إلى مُجتَمَعاتِ الهَشاشَة!

شَكَّلَتِ الطَّبَقَةُ المُتَوَسِّطَةُ لِعُقودٍ طَويلَةٍ العَمودَ الفِقْرِيَّ لِلِاسْتِقْرارِ الاقْتِصادِيِّ وَالِاجْتِماعِيِّ وَالسِّياسِيِّ داخِلَ المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ، بِاعْتِبارِها الفِئَةَ التي حَمَلَتْ تاريخِيًّا قِيَمَ التَّعْليمِ وَالعَمَلِ وَالإِنْتاجِ وَالِاسْتِهْلاكِ المُعْتَدِل، كَما لَعِبَتْ دَوْرَ الوَسيطِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَعِ وَبَيْنَ الفِئاتِ المَيْسورَةِ وَالفِئاتِ الهَشَّة؛ غَيْرَ أَنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ يَعيشُ اليَوْمَ واحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ المَراحِلِ تَعْقيدًا مُنْذُ عُقود، بِفِعْلِ تَراكُمِ الأَزْماتِ الاقْتِصادِيَّةِ وَالمالِيَّةِ وَالمُناخِيَّةِ وَالجِيوسِياسِيَّة، وَهُوَ ما أَدّى إلى تَآكُلٍ مُتَواصِلٍ لِلطَّبَقَةِ المُتَوَسِّطَةِ وَاتِّساعِ الفَوارِقِ الِاجْتِماعِيَّةِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مَسْبوق.

تَآكُلُ الطَّبَقَةِ المُتَوَسِّطَة: مِنْ مُجتَمَعاتِ التَّوازُنِ إلى مُجتَمَعاتِ الهَشاشَة!

لا يُمْكِنُ فَهْمُ ما يَحْدُثُ اليَوْمَ لِلطَّبَقَةِ المُتَوَسِّطَةِ العَرَبِيَّةِ مِنْ دونِ اسْتِحْضارِ التَّحَوُّلاتِ العَميقَةِ التي عَرَفَها الِاقْتِصادُ العالَمِيُّ وَالإِقْليمِيُّ خِلالَ العَقْدَيْنِ الأَخيرَيْن؛ فَبَعْدَ تَداعِياتِ الأَزْمَةِ المالِيَّةِ العالَمِيَّةِ لِسَنَةِ 2008، جاءَتْ جائِحَةُ كورونا، ثُمَّ الحَرْبُ الرّوسِيَّةُ - الأوكْرانِيَّة، ثُمَّ التَّوَتُّراتُ المُتَصاعِدَةُ في الشَّرْقِ الأَوْسَط، لِتُدْخِلَ الِاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّةَ في دَوّامَةٍ مِنَ الضُّغوطِ التَّضَخُّمِيَّةِ وَالِاخْتِلالاتِ المالِيَّة. وَاليَوْمَ لَمْ نَعُدْ أَمامَ تَضَخُّمٍ "صادِمٍ" فَقَطْ كَما حَدَثَ في فَتَراتٍ سابِقَة، بَلْ أَمامَ تَضَخُّمٍ أَكْثَرَ هُدوءًا مِنْ حَيْثُ الأَرْقامُ العامَّة، وَأَكْثَرَ قَسْوَةً مِنْ حَيْثُ انْعِكاسَاتُهُ اليَوْمِيَّةُ على الأُسَرِ العَرَبِيَّة، خاصَّةً مَعَ ارْتِفاعِ أَسْعارِ الطّاقَةِ وَالنَّقْلِ وَالخِدْماتِ الأَساسِيَّة.

في دُوَلٍ مِثْلَ المَغْرِبِ وَتونِسَ وَالجَزائِر، وَعلى الرَّغْمِ مِنْ وُجودِ حَدٍّ أَدْنى مِنَ الِاسْتِقْرارِ المُؤَسَّساتِيِّ مُقارَنَةً بِبَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الأُخْرى، فَإِنَّ الطَّبَقَةَ المُتَوَسِّطَةَ أَصْبَحَتْ تَعيشُ ضَغْطًا اقْتِصادِيًّا مُتَزايِدًا؛ فَفي المَغْرِبِ مَثَلًا، وَعلى الرَّغْمِ مِنَ التَّراجُعِ النِّسْبِيِّ لِبَعْضِ المُؤَشِّراتِ التَّضَخُّمِيَّةِ مُقارَنَةً بِمَرْحَلَةِ ما بَعْدَ الجائِحَة، فَإِنَّ الأُسَرَ لا تَزالُ تُواجِهُ ارْتِفاعًا مُسْتَمِرًّا في تَكاليفِ النَّقْلِ وَالطّاقَةِ وَالمَوادِّ الغِذائِيَّةِ وَالخِدْمات، في وَقْتٍ لَمْ تَعْرِفْ فيهِ الأُجورُ الوَتيرَةَ نَفْسَها مِنَ التَّحَسُّن؛ أَمّا في تُونِس، فَقَدْ ساهَمَتِ الأَزْمَةُ المالِيَّة، وَارْتِفاعُ المَدْيونِيَّةِ وَتَراجُعُ النُّمُوّ، في إِضْعافِ القُدْرَةِ الشِّرائِيَّةِ وَتَقَلُّصِ حَجْمِ الطَّبَقَةِ المُتَوَسِّطَةِ بِشَكْلٍ واضِح، بَيْنَما تَعيشُ الجَزائِرُ بِدَوْرِها تَحَدِّياتٍ مُرْتَبِطَةً بِتَقَلُّباتِ أَسْعارِ الطّاقَةِ وَضَعْفِ التَّنْويعِ الِاقْتِصادِيّ، على الرَّغْمِ مِمّا تُوَفِّرُهُ عائِداتُ النَّفْطِ وَالغازِ مِنْ هامِشٍ لِلدَّعْمِ الِاجْتِماعِيّ.

الاقتصاد العربي يُنتج الثروة بشكل أكبر مما يُنتج العدالة الاجتماعية

تُصْبِحُ الصّورَةُ أَكْثَرَ قَتامَةً في دُوَلٍ مِثْلَ السّودانِ وَاليَمَنِ وَسورْيا وَالصّومالِ وَليبْيا، حَيْثُ لَمْ تَعُدِ الأَزْمَةُ مُرْتَبِطَةً بِالتَّضَخُّمِ أَوِ البِطالَةِ وَحَسْب، بَلْ بِانْهِيارِ الدَّوْلَةِ أَوِ الحَرْبِ أَوْ غِيابِ الأَمْنِ وَالِاسْتِقْرار. فَفي سورْيا مَثَلًا، دَفَعَتِ الحَرْب، وَالِانْهِيارُ الِاقْتِصادِيّ، آلافَ العائِلاتِ المَيْسورَةِ وَالمُتَوَسِّطَةِ إلى الهِجْرَة، بَيْنَما شَهِدَ لُبْنانُ خِلالَ السَّنَواتِ الأَخيرَةِ انْهِيارًا شِبْهَ كامِلٍ لِلطَّبَقَةِ المُتَوَسِّطَةِ نَتيجَةَ الأَزْمَةِ المَصْرِفيةِ وَانْهِيارِ العُمْلَةِ وَالتَّضَخُّمِ المُفْرِط.

وَفي المُقابِل، تَبْقى دُوَلُ الخَليجِ حالَةً مُخْتَلِفَةً نِسْبِيًّا، على الرَّغْمِ مِنَ الضُّغوطِ الحالِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِالتَّوَتُّراتِ الجِيوسِياسِيَّةِ وَأَزْمَةِ "مَضيقِ هُرْمُز" وَتَقَلُّباتِ أَسْعارِ الطّاقَة؛ فَهذِهِ الدُّوَلُ لا تَزالُ تَتَوَفَّرُ على هَوامِشَ مالِيَّةٍ وَاسْتِثْمارِيَّةٍ كَبيرَة؛ وَمَعَ ذَلِكَ، حَتّى داخِلَ بَعْضِ المُجْتَمَعاتِ الخَليجِيَّةِ بَدَأَتْ تَظْهَرُ مُؤَشِّراتٌ على تَغَيُّرِ أَنْماطِ التَّوْظيفِ وَارْتِفاعِ كُلْفَةِ المَعيشَةِ وَالضَّغْطِ على بَعْضِ الشَّرائِحِ المُتَوَسِّطَة، خاصَّةً مَعَ التَّحَوُّلاتِ الِاقْتِصادِيَّةِ الكُبْرى التي تَعْرِفُها المِنْطَقَة.

وَالأَخْطَرُ في كُلِّ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ المِنْطَقَةَ العَرَبِيَّةَ أَصْبَحَتْ تَعيشُ مُفارَقَةً حادَّة، فَفي الوَقْتِ الذي تَتَآكَلُ فيهِ الطَّبَقَةُ المُتَوَسِّطَةُ وَتَتَوَسَّعُ دائِرَةُ الفَقْرِ وَالهَشاشَة، يَتَزايَدُ عَدَدُ الأَثْرِياءِ الكِبارِ وَالمِلْيارْديراتِ بِشَكْلٍ لافِت؛ وِفْقَ تَقاريرَ دَوْلِيَّة، فَإِنَّ نِسْبَةً مُهِمَّةً مِنَ الثَّرْوَةِ في عَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ أَصْبَحَتْ مُتَمَرْكِزَةً لَدى أَقَلِّيَّةٍ مَحْدودَة، وَهُوَ ما يَعْكِسُ اخْتِلالًا عَميقًا في تَوْزيعِ الثَّرْوَةِ وَالفُرَص. كَما أَنَّ الِاقْتِصادَ العَرَبِيَّ أَصْبَحَ يُنْتِجُ الثَّرْوَةَ بِشَكْلٍ أَكْبَرَ مِمّا يُنْتِجُ العَدالَةَ الِاجْتِماعِيَّة، وَهُوَ ما يُفَسِّرُ تَصاعُدَ الشُّعورِ بِالغُبْنِ وَفُقْدانِ الثِّقَةِ في عَدَدٍ مِنَ المُؤَسَّساتِ وَالسِّياساتِ الِاقْتِصادِيَّة.

تَداعِياتُ التَّآكُلِ الِاجْتِماعِيِّ وَمَخاطِرُ المُسْتَقْبَلِ وَسُبُلُ الخُروجِ مِنَ الأَزْمَة

إِنَّ تَراجُعَ الطَّبَقَةِ المُتَوَسِّطَةِ لا يُمَثِّلُ فَقَطْ مُشْكِلَةً اجْتِماعِيَّة، بَلْ تَهْديدًا مُباشِرًا لِلِاسْتِقْرارِ الِاقْتِصادِيِّ وَالسِّياسِيّ؛ فَالطَّبَقَةُ المُتَوَسِّطَةُ هِيَ التي تُحَرِّكُ الِاسْتِهْلاكَ الدّاخِلِيّ، وَتَدْعَمُ الِاسْتِثْمارَ الصَّغيرَ وَالمُتَوَسِّط، وَتُساهِمُ في الِاسْتِقْرارِ الضَّريبِيِّ وَالِاجْتِماعِيّ؛ وَعِنْدَما تَتَآكَلُ هذِهِ الفِئَة، يَدْخُلُ الِاقْتِصادُ في حَلْقَةٍ مُفْرَغَةٍ مِنْ ضَعْفِ الطَّلَبِ الدَّاخِلِيّ، وَارْتِفاعِ الِاحْتِقانِ الِاجْتِماعِيّ، وَتَراجُعِ الثِّقَةِ في المُؤَسَّسات. كَما أَنَّ اتِّساعَ الهُوَّةِ بَيْنَ الأَغْنِياءِ وَالفُقَراءِ يَخْلُقُ شُعورًا مُتَزايِدًا بِالغُبْنِ وَفُقْدانِ العَدالَةِ الِاجْتِماعِيَّة، خاصَّةً لَدى الشَّبابِ المُتَعَلِّمِ الذي يَجِدُ نَفْسَهُ عاجِزًا عَنِ الِانْدِماجِ الِاقْتِصادِيِّ وَالِاجْتِماعِيّ، وَهُوَ ما يُفَسِّرُ جُزْئِيًّا تَصاعُدَ مَوْجاتِ الهِجْرَة، وَتَنامِيَ الِاقْتِصادِ غَيْرِ المُهَيْكَل، وَارْتِفاعَ مَنْسوبِ القَلَقِ الِاجْتِماعِيِّ وَالسِّياسِيِّ في عَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة.

من غير المنطقي أن تستمرّ كلّ دولة عربية في مواجهة التحوُّلات مُنفردة

ثُمَّ إِنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ يُواجِهُ اليَوْمَ تَحَدِّياتٍ جَديدَةً أَكْثَرَ تَعْقيدًا مِنَ السّابِق. فَإلى جانِبِ الأَزْماتِ التَّقْليدِيَّة، هُناكَ تَحَوُّلاتٌ تِكْنولوجِيَّةٌ كُبْرى مُرْتَبِطَةٌ بِالذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ وَالأَتْمَتَةِ وَالِاقْتِصادِ الرَّقْمِيّ، وَهِيَ تَحَوُّلاتٌ قَدْ تُؤَدّي إلى اخْتِفاءِ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الوَظائِفِ التَّقْليدِيَّة، خاصَّةً في الدُّوَلِ التي تُعاني أَصْلًا مِنْ هَشاشَةِ سوقِ الشُّغْلِ وَضَعْفِ الِاسْتِثْمارِ في التَّعْليمِ وَالبَحْثِ العِلْمِيّ.

وَفي ظِلِّ هذِهِ التَّحَدِّيات، يَطْرَحُ سُؤالُ التَّعاوُنِ العَرَبِيِّ نَفْسَهُ بِقُوَّة؛ لَكِنَّ الواقِعَ يَكْشِفُ أَنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ لا يَزالُ يَعيشُ بِمَنْطِقِ السِّياساتِ الأُحادِيَّةِ وَالقُطْرِيَّةِ الضَّيِّقَة، في وَقْتٍ تَحْتاجُ فيهِ المِنْطَقَةُ إلى مُقارَبَةٍ جَماعِيَّةٍ في مَجالاتِ الأَمْنِ الغِذائِيّ، وَالأَمْنِ الطّاقِيّ، وَالتَّحَوُّلِ الرَّقْمِيّ، وَالبَحْثِ العِلْمِيّ، وَسوقِ العَمَلِ العَرَبِيَّةِ المُشْتَرَكَة؛ فَمِنْ غَيْرِ المَنْطِقِيِّ أَنْ تَسْتَمِرَّ كُلُّ دَوْلَةٍ في مُواجَهَةِ هذِهِ التَّحَوُّلاتِ مُنْفَرِدَة، بَيْنَما تَمْتَلِكُ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ مُجْتَمِعَةً إِمْكانِيّاتٍ مالِيَّةً وَبَشَرِيَّةً وَطاقِيَّةً هائِلَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن