اقتصاد ومال

القُدْرَةُ الشِّرائِيَّةُ العَرَبِيَّة!

إِذا كانَ مَوْضوعُ اقْتِصادِ الأَرْقامِ يَخْتَلِفُ عَنْ مَوْضوعِ سوسْيولوجْيا المَعيشِ في تَحْليلِ القَضايا وَالظَّواهِرِ الِاجْتِماعِيَّة، فَإِنَّهُما مَعًا يَتَقاطَبانِ مَنْهَجِيًّا في فَهْمِ وَتَفْسيرِ الكَيْفِيّاتِ التي تُنْتَجُ بِها الثَّرْوَةُ وتَحْصيلِ الطُّرُقِ التّي تُوَزَّعُ بِها، فَضْلًا عَنْ تَبَيُّنِ واقِعِ المَعيشِ اليَوْمِيِّ لِلأَفْرادِ وَتَحَوُّلاتِه.

القُدْرَةُ الشِّرائِيَّةُ العَرَبِيَّة!

إِذا كانَ اقْتِصادُ الأَرْقامِ يَخْتَصُّ بِقِياسِ المُؤَشِّراتِ الكَمِّيَّة، وَيَنْظُرُ إلى المُجْتَمَعِ بِاعْتِبارِهِ مَنْظومَةً مِنَ المُتَغَيِّراتِ القابِلَةِ لِلقِياسِ الإِحْصائِيّ، فَإِنَّ سوسْيولوجْيا العَيْشِ تَنْطَلِقُ مِنْ هَذِهِ المُعْطَياتِ لِقِراءَةِ ما تَعْنيهِ في الواقِعِ الِاجْتِماعِيّ. إِنَّها تَكْشِفُ اللِّثامَ عَنِ الفَجْوَةِ الحاصِلَةِ بَيْنَ المُؤَشِّراتِ الِاقْتِصادِيَّةِ وَتَجْرِبَةِ المَعيشِ بِكُلِّ تَفاصيلِه.

وَعَلَيْه، نَرى أَنَّهُ لا يُمْكِنُ اخْتِزالُ القُدْرَةِ الشِّرائِيَّةِ في البِلادِ العَرَبِيَّةِ في مُجَرَّدِ مُقارَنَةٍ بَيْنَ مِقْدارِ الدَّخْلِ وَمُسْتَوى الأَسْعار، لِأَنَّ القُدْرَةَ الشِّرائِيَّةَ لَيْسَتْ ظاهِرَةً اقْتِصادِيَّةً صِرْفَة، بَل هِيَ تَعْبيرٌ مُرَكَّبٌ عَنْ مَوْقِعِ الفَرْدِ داخِلَ بُنْيَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ تُحَدِّدُ ما يَسْتَطيعُ امْتِلاكَه، وَما يُضْطَرُّ إلى التَّخَلّي عَنْه، وَما يَعْتَبِرُهُ ضَرورِيًّا أَوْ تَرَفًا. فَالدَّخْلُ لا يَكْتَسِبُ مَعْناهُ إِلّا داخِلَ مَنْظومَةِ الأَسْعار. كَما أَنَّ الأَسْعارَ لا تَكْشِفُ حَقيقَتَها إِلّا مِنْ خِلالِ عَلاقَتِها بِالأُجور، وَأَنْماطِ الِاسْتِهْلاك، وَتَوْزيعِ الثَّرْوَة، وَمُسْتَوى الحِمايَةِ الِاجْتِماعِيَّة.

المسألة لا تتعلّق بكمية المال بل بالقيمة الفعلية لهذا المال

لَقَدْ أَفْرَزَتِ التَّحَوُّلاتُ الِاقْتِصادِيَّةُ العالَمِيَّةُ خِلالَ العُقودِ الأَخيرَةِ واقِعًا عَرَبِيًّا شَديدَ التَّفاوُت. فَفي الوَقْتِ الذي يَتَمَتَّعُ فيهِ بَعْضُ دُوَلِ الخَليجِ بِمَداخِيلَ مُرْتَفِعَةٍ وَمَوارِدَ مالِيَّةٍ ضَخْمَة، تُعاني بُلْدَانٌ عَرَبِيَّةٌ أُخْرى مِنْ تَآكُلٍ مُسْتَمِرٍّ في قيمَةِ الأُجورِ بِفِعْلِ التَّضَخُّم، وَتَراجُعِ سِعْرِ العُمْلَة، وَارْتِفاعِ أَسْعارِ الغِذاءِ وَالطّاقَةِ وَالسَّكَن. وَمِنْ هُنا تَظْهَرُ مُفارَقَةٌ أَساسِيَّةٌ بَيْنَ مُواطِنٍ أَكْثَرَ دَخْلًا مِنْ غَيْرِهِ مِنَ النّاحِيَةِ الِاسْمِيَّة، وَمَعَ ذَلِكَ يَظَلُّ أَقَلَّ قُدْرَةً على العَيْشِ الكَريمِ إِذا كانَتِ الأَسْعارُ تَلْتَهِمُ الجُزْءَ الأَكْبَرَ مِنْ دَخْلِه.

إِنَّ المَسْأَلَةَ لا تَتَعَلَّقُ إِذًا بِكَمِّيَّةِ المالِ فَقَط، بَلْ بِالقيمَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ وَالِاقْتِصادِيَّةِ الفِعْلِيَّةِ لِهَذا المال. هُنا تَكْشِفُ السّوسْيولوجْيا عَنْ طَبيعَةِ التَّفاوُتِ الطَّبَقِيِّ داخِلَ المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّة. فَارْتِفاعُ الأَسْعارِ لا يُؤَثِّرُ في جَميعِ الفِئاتِ الِاجْتِماعِيَّةِ بِالدَّرَجَةِ عَيْنِها؛ إِذْ تَسْتَطيعُ الفِئاتُ المَيْسورَةُ حِمايَةَ نَفْسِها عَبْرَ تَنْويعِ مَصادِرِ الدَّخْلِ وَالِادِّخارِ وَالِاسْتِثْمار؛ بَيْنَما تُضْطَرُّ الطَّبَقاتُ الوُسْطى وَالفَقيرَةُ إلى تَقْليصِ الِاسْتِهْلاك، أَوِ الِاسْتِدانَة، أَوِ التَّخَلّي عَنْ حاجاتٍ أَساسِيَّة. وَهَكَذا يَتَحَوَّلُ التَّضَخُّمُ مِنْ ظاهِرَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ إلى تَجْرِبَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ يَوْمِيَّةٍ تُعيدُ تَشْكيلَ أَنْماطِ الحَياةِ وَالعَلاقاتِ الأُسَرِيَّةِ وَالتَّوَقُّعاتِ المُسْتَقْبَلِيَّة.

أَمّا فَلْسَفِيًّا، فَإِنَّ تَراجُعَ القُدْرَةِ الشِّرائِيَّةِ يَطْرَحُ سُؤالًا يَتَجاوَزُ الِاقْتِصاد: ما مَعْنى العَدالَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ حينَ يُصْبِحُ العَمَلُ غَيْرَ كافٍ لِتَأْمينِ شُروطِ الحَياةِ الأَساسِيَّة؟ لا تَتَحَقَّقُ العَدالَةُ بِمُجَرَّدِ تَحْقيقِ النُّمُوِّ الِاقْتِصادِيّ، بَلْ بِمَدى تَرْجَمَةِ هَذا النُّمُوِّ إلى أَمْنٍ اجْتِماعِيٍّ وَكَرامَةٍ مادِّيَّةٍ وَتَكافُؤٍ فِعْلِيٍّ في فُرَصِ العَيْش. فَالثَّرْوَةُ الوَطَنِيَّةُ لا تَكْتَسِبُ مَعْناها الإِنْسانِيَّ إِلّا عِنْدَما تَتَحَوَّلُ إلى قُدْرَةٍ جَماعِيَّةٍ على التَّعْليم، وَالصِّحَّة، وَالسَّكَن، وَالتَّنَقُّل، وَالِاسْتِهْلاكِ مِنْ دونِ خَوْفٍ دائِمٍ مِنَ المُسْتَقْبَل.

تتجسّد أزمة العدالة الاقتصادية والاجتماعية في المسافة بين ما ينتجه الإنسان وما يستطيع أن يعيشه

لِذَلِكَ فَإِنَّ مُعالَجَةَ أَزْمَةِ القُدْرَةِ الشِّرائِيَّةِ في البِلادِ العَرَبِيَّةِ تَقْتَضي الِانْتِقالَ مِنْ مَنْطِقِ التَّدْبيرِ الظَّرْفِيِّ لِلأَسْعارِ إلى بِناءِ سِياساتٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَاجْتِماعِيَّةٍ أَكْثَرَ عَدالَة، تَقومُ على رَفْعِ الأُجورِ الحَقيقِيَّة، وَمُراقَبَةِ الأَسْواق، وَتَقْوِيَةِ الخِدْماتِ العُمومِيَّة، وَمُحارَبَةِ الِاحْتِكار، وَتَقْليصِ الفَوارِقِ الطَّبَقِيَّة. فَالمُشْكِلَةُ الحَقيقِيَّةُ إِذًا لَيْسَتْ في ارْتِفاعِ الأَسْعارِ وَحَسْب، بَلْ في اتِّساعِ المَسافَةِ بَيْنَ ما يُنْتِجُهُ الإِنْسانُ وَما يَسْتَطيعُ أَنْ يَعيشَه. وَفي هَذِهِ المَسافَةِ تَحْديدًا تَتَجَسَّدُ أَزْمَةُ العَدالَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ وَالِاجْتِماعِيَّةِ في العالَمِ العَرَبِيّ.

وَعَلَيْه، فَإِنَّ الفَصْلَ بَيْنَ اقْتِصادِ الأَرْقامِ وَسوسْيولوجْيا العَيْشِ يُؤَدّي إلى فَهْمٍ مَغْلوطٍ لِلواقِع. فَإِذا كانَتْ لُغَةُ الأَرْقامِ ضَرورِيَّةً لِتَشْخيصِ الواقِعِ المادِّيِّ لِلأَفْراد، فَإِنَّ الفَهْمَ الشُّمولِيَّ لِلواقِعِ يَقْتَضي مَعْرِفَةَ ما يَحْدُثُ لِلنّاسِ بِاعْتِمادِ هَذا الِاقْتِصادِ أَوْ ذَاك. وَهَذا لَنْ يَتِمَّ إِلّا عَبْرَ سوسْيولوجْيا المَعيش.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن