مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران المكونة من 14 بندا عاما والتي تدور أساسا حول وقف الحرب على جميع الجبهات وفتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار الأمريكي على إيران والإفراج عن بعض الأموال الإيرانية المجمدة وبدء مفاوضات لمدة 60 يوما قابلة للتمديد حول الموضوعات الخلافية وأهمها الملف النووي. وهذه المذكرة هي اقتراح إيراني في البداية أبرزته مهارة الدبلوماسية الإيرانية وفكرته تدور حول: "دعونا نؤجل قليلا أصعب الموضوعات وهو الملف النووي المليء بتفاصيل فنية كثيرة ونشرع في الأشياء العاجلة التي يعانى منها العالم بأجمعه وعلى رأسها فتح مضيق هرمز".
وقد لاقى ذلك قبولا لدى الرئيس ترامب الذي أصبح لا يستطيع الانتظار أكثر من ذلك، وخصوصا وقد حذره الخبراء أن إغلاق المضيق حتى شهر أغسطس سيسبب كوارث اقتصادية عالمية ستطال أمريكا.. ونظرا لأن غالبية الشعب الأمريكي لا تؤيد الحرب، والمواطن الأمريكي يشعر أنه يدفع تكلفتها من جيبه لارتفاع أسعار المحروقات.. فضلا عن اتساع رقعة من يعتقدون أنها حرب لصالح إسرائيل وليست لصالح أمريكا. كما كان تصويت مجلس النواب الأمريكي للحد من سلطات الرئيس في شن الحروب جرس إنذار إضافيا حيث لم يكن ليصدر لولا انضمام عدد من النواب الجمهوريين إليه.
وقد بدا تلهف ترامب على توقيع هذه الورقة واضحا في مسارعته بالتوقيع الإلكتروني عليها هو ونائبه جي دى فانس يوم الأحد 14 يونيو أي قبل أيام قليلة من الموعد المحدد للتوقيع حضوريا.. وذلك لقطع الطريق أمام محاولات إسرائيل لإفساد الصفقة.. وكان لافتا أن الذي وقع نيابة عن إيران ليس رئيس الجمهورية بل كبير المفاوضين. هذه الورقة تتضمن إشارة إلى الموضوع النووي ويباهى ترامب العالم بأن إيران تعهدت فيها بشكل قاطع عدم نيتها إنتاج أو الحصول على سلاح نووي، وهو يعلم بالتأكيد أن إيران أكدت ذلك عشرات إن لم يكن مئات المرات قبل ذلك شفاهة وكتابة وقبلت من ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية ما هو اختياري في مجال المراقبة والتفتيش وهو البروتوكول الاختياري الذي سمحت فيه لمفتشي الوكالة بالتفتيش المفاجئ Snap Inspections.
أما موضوع اليورانيوم عالى التخصيب فالسبب في وجوده هو ترامب نفسه.. حيث إن إيران كانت ملتزمة بالاتفاق النووي المبرم عام 2015 والذي كان يحدد نسبة تخصيب بما لا يتجاوز الـ 3.67% .. وعندما انسحب ترامب من هذا الاتفاق وأعاد فرض العقوبات عام 2018 بناء على ضغط من نتنياهو كان الرد الإيراني هو عدم الالتزام من جانبها بهذا الاتفاق وشرعت في رفع نسب التخصيب حتى وصلت إلى 60%، وهي نسبة عالية وإن كانت بعيدة عن نسبة 90% المطلوبة لإنتاج قنابل نووية. إن كان الخبراء يقولون إن أصعب نسب التخصيب هي الوصول إلى 20% بعدها يفتح الطريق بسهولة.. أى إن أهم مشكلتين حارب ترامب من أجلها لم يوجدا إلا بسبب ترامب وهما: مضيق هرمز الذي كان مفتوحا أمام الملاحة الحرة بدون عوائق ولا رسوم.. واليورانيوم عالي التخصيب لم يوجد إلا بسبب انسحاب ترامب من اتفاق أوباما عام 2015.
لقد مكر ترامب ونتنياهو مكرا، وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال، ولكن الله وهو خير الماكرين أراد بهم شيئا آخر. لقد وجد ترامب نفسه يوقع بل يهرول ليوقع مذكرة تفاهم مع نفس النظام الذي كان يحاول القضاء عليه، ويى مذكرة ليس فقط تخلو تماما من الإشارة إلى الصواريخ الإيرانية، وتخلو من كبح جماع أذرع إيران في المنطقة وعلى رأسها حزب الله.. بل تنص على وقف القتال فى لبنان بين حزب الله وإسرائيل، وتم ذلك دون استشارة إسرائيل وبالرغم عنها. فماذا نخرج من ذلك.. أنا أرى في ذلك انتصارا سياسيا واستراتيجيا لإيران سيخرجها من العزلة ويخفف كثيرا من الضائقة الاقتصادية مما سيعزز التأييد الشعبي لنظام الحكم.. كما أن الشعب الإيراني أثبت شعورا وطنيا قويا مستعدا للتضحية والالتفاف حول العلم. من زاوية بعيدة قد يبدو منها أن أمريكا غيرت النظام.. ولكنه تغير إلى نظام أكثر تشددا فقد تغير من نظام ديني صارم إلى نظام عسكري أكثر صرامة لا يقوده الملالي وآيات الله بل الحرس الوطني بقيادات الصف الثالث الأكثر تشددا.
أما الأثر الإقليمي لهذه التغيرات الجوهرية فهو الأهم بالنسبة للمنطقة العربية على وجه الخصوص.. وباعتقادي أن أهم التغيرات هو صمود إيران في وجه أقوى دولة فى العالم ولمدة تفوق المائة يوم ثم اضطرار أمريكا لقبول شروط إيران.. فلا حديث عن تغير النظام ولا حديث عن الصواريخ والمسيرات الإيرانية ثم الاحتفاظ بحق إيران في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية ثم اشتراط إيران وقف إطلاق النار فى لبنان. ليس هذا فقط بل النص على إنشاء صندوق للتنمية بـ 300 مليار دولار لإعادة الإعمار.. وقد أقر كل من ترامب ونائبه بوجود هذا النص مع الإشارة إلى أن أمريكا لن تساهم وأن الشركات الخليجية ستكون أبرز المشاركين. وبالنسبة للموضوع النووي الذي كان السبب الرئيسي للحرب.. فإن الشواهد تشير إلى قبول أمريكا للموقف الإيراني الذي يتمسك بحقها فى تخصيب اليورانيوم المنصوص عنه باتفاقية منع الانتشار وأن يتم تخفيف تخصيب كمية اليورانيوم عالي التخصيب البالغ قدرها 450 كيلو جراما داخل إيران. كل ذلك يشير بالتأكيد إلى النتائج التالية:
- ستخرج إيران من هذه الحرب وقد أصبحت القوة الإقليمية المهمة في المنطقة وليست إسرائيل كما كانت تحلم.
- زعزعة مكانة أمريكا وثقة الدول الخليجية في الاعتماد عليها لتوفير الحماية، وقد يؤدي ذلك إلى تقارب بين إيران ودول الخليج العربي.
- وبالتالي التشكيك في فائدة القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج بل والنظر إليها كسبب وهدف لتعرض هذه الدول للضربات.
- قيام تحالفات جديدة لتوفير الحماية والأمن قد تشمل دولا غير عربية.. ولعل التقارب المصري السعودي التركي والباكستاني الذى وضعت نواته خلال الحرب يتطور إلى ما هو أكثر، بل وقد يشمل إيران أيضا.
- وأخيرا.. فإن الخلاف العلني الذي انفجر بين الولايات المتحدة وإسرائيل والذي وصل إلى حد انتقاد أمريكا لإسرائيل لأسلوب حربها ضد حزب الله واتهامها علنا لنتنياهو بأنه حاول إفشال الاتفاق بقصفه الضاحية الجنوبية لبيروت ثم تذكير ترامب لنتنياهو بأن إسرائيل ما كانت لتوجد لولا أمريكا ولن يكتب لها الاستمرار في الوجود بدون أمريكا.. هذا الخلاف مرشح للاتساع في ضوء تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.
هناك من يقول إن شهادة ميلاد إسرائيل الحقيقية هي حرب الأيام الستة عام 1967 (النكسة) وأن شهادة وفاة القومية العربية هي غزو العراق للكويت، وشهادة ميلاد إيران كقوة إقليمية لها وزنها ستكون حرب الستة أسابيع مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وأخيرا.. أتذكر قول المرحوم الدكتور مصطفى محمود الذي قال: "إنك إذا شاهدت الفصل الأول من المسرحية فلا تحكم عليها قبل أن ينسدل الستار عن الفصل الأخير".
(الشروق المصرية)

