بصمات

خِطاباتٌ تَنْويرِيَّةٌ بِلا عَصْرِ تَنْويرٍ عَرَبيّ!

انْشَغَلَ التَّنْويرُ الغَرْبِيُّ بِمَفْهومِ الحَقيقَة، وَتَشَكَّلَتِ التَّيّاراتُ الأَساسِيَّةُ فيهِ حَسَبَ مَواقِفِها مِنْ نَظَرِيَّةِ المَعْرِفَة، وَمُقارَباتِها المُتَبايِنَةِ لِجَدَلِ العَقْلِ والإيمان، العِلْمِ والدّين. فَثَمَّةَ تَنْويرٌ مادِّيٌّ مُعادٍ لِلدّينِ بِالضَّرورَة، وَآخَرُ نَقْدِيٌّ مُتَصالِحٌ مع فِكْرَةِ الإِلَه، لَمْ يَفْتَرِضِ الإِلْحادَ شَرْطًا ضَرورِيًّا لِلِاسْتِنارَة، وَثالِثٌ روحِيٌّ أَقامَ عَقْلانِيَّتَهُ على قاعِدَةِ الإيمان، واعْتَبَرَ مَفْهومَ الأُلوهِيَّةِ بِمَثابَةِ ضَمانَةٍ لِمَفْهومِ الحَقيقَة.


خِطاباتٌ تَنْويرِيَّةٌ بِلا عَصْرِ تَنْويرٍ عَرَبيّ!

لَمْ تَعْمَلْ تِلْكَ التَّيّاراتُ في فَراغ، بَلْ عَبَّرَتْ عَنْ نَفْسِها في تَقاليدَ جِيو-ثَقافِيَّة. فَمَثَلًا، غَلَبَتْ على التَّنْويرِ الفَرَنْسِيِّ نَزْعَةُ الشَّكّ، التي سَعَتْ إلى تَفْكيكِ صورَةِ الإِلَهِ المَسيحِيّ، والدَّعْوَةِ إلى دينٍ إِنْسانِيٍّ/مَدَنِيّ، مع التَّصْريحِ كَثيرًا بِالإِلْحاد. في المُقابِل، مالَ التَّنْوِيرُ الأَنْغْلو-ساكْسونِيُّ إلى الحِكْمَةِ والِاعْتِدال، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالإِلْحادِ إِلّا نادِرًا، حَتّى لَدى أَصْحابِ المَذاهِبِ المادِّيَّةِ سَواءُ القائِلَةِ بِالحَتْمِيَّةِ العِلْمِيَّة، أَوْ بِالحَتْمِيَّةِ البِيولوجِيَّة. وَقَريبًا مِنْه، مالَ التَّنْويرُ الأَميرْكِيُّ إلى التَّسامُحِ الدّينِيّ، والدَّمْجِ بَيْنَ النَّجاحِ الدُّنْيَوِيِّ والتَّدَيُّنِ العَمَلِيِّ تَمَثُّلًا لِلأَخْلاقِ البْروتِسْتانْتِيَّةِ حَسَبَ قِراءَةِ جونْ كالْفِن. وَأَخيرًا راوَحَ التَّنْويرُ الأَلْمانِيُّ بَيْنَ تَيّارٍ مِثالِيٍّ تَبَلْوَرَ باكِرًا، مَطْلَعَ القَرْنِ الثّامِنِ عَشَرَ، رَأى في الأُلوهِيَّةِ ضَمانَةً لِلْمَعْرِفَة. وَتَيّارٍ مادِّيٍّ لَمْ يَتَرَدَّدْ في إِنْكارِ الإِلَهِ وَتَأْليهِ الإِنْسانِ في نِهايَةِ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَر. وَفيما بَيْنَهُما هَيْمَنَ التَّيّارُ النَّقْدِيُّ الذي ارْتادَهُ إِيمانْويل كانْط في نِهايَةِ القَرْنِ الثّامِنِ عَشَر، مُنْطَلِقًا مِنْ ثُنائِيَّةِ الحَقيقَة: الدّينِيَّةِ والفَلْسَفِيَّة، فَلَمْ يَعُدِ الإِلَهُ لَدَيْهِ شَرْطًا لِلْعَقْلانِيَّة، وَلا قَيْدًا عَلَيْها.

جُلّ الخطابات التنويرية لم تتبلور في سياق الجدل مع مفهوم الحقيقة

أَمّا العَقْلُ العَرَبِيُّ الحَديث، فَلَمْ يُنْتِجْ تَصَوُّراتِهِ عَنِ الحَقيقَةِ والواقِعِ بِشَكْلٍ حُرٍّ وَعلى مَهْلٍ، بَلْ أَنْتَجَها في مُواجَهَةِ ضُغوطٍ شَديدَةٍ أَفْرَزَها تَقْليدانِ صورِيّان، كانَ كِلاهُما غَريبًا عَنِ المُجْتَمَعِ العَرَبِيِّ الحَديثِ وَمُشْكِلاتِه:

التَّقْليدُ الأَوَّلُ هُوَ المَوْروثُ الذّاتِيُّ القَديم، الذي غَذّى وَأَلْهَمَ النَّهْضَةَ العَرَبِيَّةَ الأولى، التي اسْتَمَرَّتْ قُرونًا طَويلَة، وَتَرَكَتْ فينا بَصَماتٍ نَفْسِيَّةً عَميقَةً لَيْسَ أَقَلَّها الشُّعورُ بِالمَجْدِ الغابِرِ وَما يَتَوَلَّدُ عَنْهُ مِنِ اعْتِزازٍ بِالنَّفْسِ وَتَمَسُّكٍ بِالهُوِيَّة.

والتَّقْليدُ الثّاني هُوَ الثَّقافَةُ الغَرْبِيَّةُ الحَديثَة، التي تَصَوَّرَها البَعْضُ مِنّا مَرْجِعِيَّةً ثَقافِيَّةً لِلْإِنْسانِيَّةِ كُلِّها، فَأَخَذَ يَنْقُلُ عَنْها وَيَحْتَكِمُ إِلَيْها، كَالتَّيّارِ العِلْمَوِيِّ الذي ازْدَهَرَ لَدَيْنا في النِّصْفِ الأَوَّلِ مِنَ القَرْنِ العِشْرين، وَقَدْ تَبَنّاها بِالكُلِّيَّة، إِيمانًا مِنْهُ بِجَدارَتِها المُطْلَقَة.

أَحالَتِ الضُّغوطُ القادِمَةُ مِنْ هَذَيْنِ المَصْدَرَيْن، مَشْروعَ التَّنْويرِ العَرَبِيّ، إلى خِطاباتٍ مَقْموعَةٍ وَإِشْكالِيَّة. مَقْمُوعَةٍ لِأَنَّها لَمْ تَتَجَسَّدْ في تَجارِبَ مُنْجَزَة، بَلْ فَقَطْ في سِجالاتٍ نَظَرِيَّةٍ نَهَضَ بِها بَعْضُ مُفَكِّرينا في مُواجَهَةِ البَعْضِ الآخَر، وَفي تَجارِبَ خَجولَةٍ عَبْرَ أَزْمِنَةٍ قَصيرَة، سُرْعانَ ما انْتَكَسَت، وَإِشْكالِيَّةٍ لِأَنَّ جُلَّ الخِطاباتِ التَّنْويرِيَّةِ لَمْ تَتَبَلْوَرْ في سِياقِ الجَدَلِ مع مَفْهومِ الحَقيقَةِ ذاتِه، أَيْ بِحَسَبِ مَواقِفِها مِنَ المَعْرِفَةِ وَتَصَوُّراتِها لِحُدودِها: هَلْ هِيَ مُطْلَقَةٌ أَمْ نِسْبِيَّة؟ وَما هِيَ مَصادِرُها: العِلْمُ والتَّجْرِبَةُ أَمِ النُّصوصُ المُقَدَّسَة؟ بَلْ تَبَلْوَرَ جَميعُها في سِياقِ التَّفْكيرِ في قَضِيَّةِ الهُوِيَّة، وَخُصوصًا إِشْكالِيَّةِ العَلاقَةِ مع الغَرْبِ المُتَنَوِّرِ لَكِنِ العُدْوانِيّ الحَديثِ لَكِنِ الِاسْتِعْمارِيّ. وَعلى عَكْسِ النَّهْضَةِ العَرَبِيَّةِ الأولى، حينَ كانَتِ الثَّقافَةُ الإِسْلامِيَّةُ حَيَّةً وَرائِدَة، تَطْرَحُ على نَفْسِها مُشْكِلاتِ واقِعِها، باتَتِ الثَّقافَةُ العَرَبِيَّةُ في نَهْضَتِها الثّانِيَة، تَنْظُرُ إلى نَفْسِها مِنْ خِلالِ العَدَسَةِ الغَرْبِيَّة، وَمِنْ ثَمَّ حَلَّ مَفْهومُ الحَدَاثَةِ بَديلًا مِنَ الحَقيقَة، وَباتَ يُنْظَرُ إِلَيْهِ بِاعْتِبارِهِ الغَرْب، فَباتَ المَوْقِفُ مِنَ الحَقيقَةِ هُوَ عَيْنُهُ المَوْقِفُ مِنَ الغَرْب؛ فَأَنْ تَكونَ تَنْويرِيًّا راديكالِيًّا يَعْني أَنَّكَ تَغْريبِيٌّ، تَقْبَلُ بِحُضورِ الغَرْبِ الطّاغي لَدَيْنا بِلا شُروط، والذَّوَبانِ فيهِ إِنْ أَمْكَن. وَأَنْ تَكونَ تَنْويرِيًّا مُعْتَدِلًا يَعْني أَنْ تَتَجادَلَ مع الغَرْب، أَنْ تَسْعى إلى التَّوْفيقِ بَيْنَ حَداثَتِهِ وَأَصالَتِنا. أَمّا رَفْضُ الغَرْبِ كُلِّيًّا فَيَعْني أَنَّكَ سَلَفِيٌّ تَقِفُ خارِجَ إِطارِ التَّنْوير، تَخَلَّيْتَ عَنِ الحَداثَةِ مُقابِلَ الحِفاظِ على الهُوِيَّة. وَهَكَذا دارَ جَدَلُنا الفِكْرِيُّ في فَلَكِ ثُنائِيّاتٍ مُسْتَعارَةٍ مِنْ إِشْكالِيَّةِ الهُوِيَّة، كَالأَصالَةِ والمُعاصَرَة، التُّراثِ والتَّجْديد، على عَكْسِ الجَدَلِ الثَّقافِيِّ الغَرْبِيِّ الذي دارَ في فَلَكِ ثُنائِيّاتٍ أَصْلِيَّةٍ تَدورُ حَوْلَ مَفْهومِ الحَقِيقَة، وَعلى راسِها ثُنائِيَّةُ الإِلَهِ ـ الطَّبِيعَة، العَقْلِ ـ الإِيمان.

نجح كانط في توجيه الفكر الغربي نحو عقلانية نقدية وأخفق زكي نجيب في توجيه الفكر العربي نحو حداثة ليست متغربة

وَعلى سَبِيلِ المِثال، يُمْكِنُ أَنْ نُقارِنَ هُنا بَيْنَ الثُّنائِيّاتِ التي أَسَّسَ لَها كانْط، رَمْزُ التَّنْويرِ الأوروبِّيِّ المُنْجَز، وَبَيْنَ ثُنائِيّاتِ زَكي نَجيب مَحْمود، رَمْزِ التَّنْويرِ العَرَبِيِّ الإِشْكالِيّ. لَقَدْ قارَبَ كَانْطْ مَفْهومَ الحَقيقَةِ مُباشَرَةً مِنْ خِلالِ نَزْعَتِهِ "النَّقْدِيَّةِ" عَبْرَ ثُنائِيّاتٍ: الِاسْتِدْلالِ المَنْطِقِيِّ والِاسْتِقْراءِ التَّجْريبِيّ، الشَّيْءِ في ذاتِهِ وَعالَمِ الظَّواهِر، الطَّبيعَةِ وَما بَعْدَ الطَّبيعَة. أَمّا زَكي نَجيب مَحْمود، فَقارَبَ المَوْقِفَ مِنَ الغَرْبِ وَلَيْسَ المَوْقِفَ مِنَ الحَقيقَة، مِنْ خِلالِ نَزْعَتِهِ "التَّوْفيقِيَّةِ" بَيْنَ الأَصالَةِ والمُعاصَرَة، العَرَبِ والغَرْب. وَلِهَذا نَجَحَ كانْطْ في تَجاوُزِ ثُنائِيّاتِه، والإِسْهامِ في تَوْجيهِ الفِكْرِ الغَرْبِيِّ نَحْوَ عَقْلانِيَّةٍ نَقْدِيَّة، لَيْسَتْ مادِّيَّةً بِالضَّرورَة. فيما أَخْفَقَ زَكي نَجيب مَحْمود في تَجاوُزِ ثُنائِيّاتِه، وَتَوْجيهِ الفِكْرِ العَرَبِيِّ نَحْوَ حَداثَةٍ لَيْسَتْ مُتَغَرِّبَةً بِالضَّرورَة.


(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن