يَرى المُؤَلِّفُ في الفَصْلِ الأَوَّلِ مِنَ العَمَلِ أَنَّ التَّرْهيبَ في العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّةِ لَيْسَ أَمْرًا مُسْتَجَدًّا، لَوْلا أَنَّهُ مَعَ مَآسي الحُروبِ العالَمِيَّة، وَخاصَّةً الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَة، سَنُعايِنُ تَأْسيسَ مُنْتَظَمٍ دَوْلِيٍّ ابْتِداءً مِنْ عامِ 1945، الذي مَهَّدَ لِذَلِكَ البِناءِ التَّدْريجِيِّ لِمُجْتَمَعٍ دَوْلِيٍّ يَعْتَمِدُ عَلى آلِيّاتِ الأَمْنِ الجَماعِيِّ بِهَدَفِ تَقْويضِ سِياساتِ التَّرْهيب، لَوْلا أَنَّنا سَنُعايِنُ أَيْضًا صُعودًا في مُؤَشِّراتِ سِياساتِ التَّرْهيبِ لاحِقًا، وَفي العَديدِ مِنَ المَحَطّات.
يُؤَسِّسُ المُؤَلِّفُ تَصْنيفَهُ لِلْقاعِدَةِ عَلى ثَلاثِ فِئاتٍ بِالتَّحْديد، وَهِيَ القائِدُ القَوِيّ، وَالقائِدُ الضَّعيف، وَالقائِدُ المَجْنون. وَفي ضَوْءِ هَذِهِ الثُّلاثِيَّة، يُصَنِّفُ رُؤَساءَ وَزُعَماءَ الدُّوَل، وَواضِحٌ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ صُعوبَةً في حَصْرِ مَجْموعَةٍ مِنَ الأَمْثِلَةِ على القَوِيِّ وَالضَّعيفِ عَلى حَدٍّ سَواء، لَكِنَّ الأَمْرَ مُخْتَلِفٌ عِنْدَما شَرَعَ في ذِكْرِ أَمْثِلَةٍ لِرُؤَساءَ يُصَنَّفون، مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِه، في خانَةِ الجُنون، وَيَقْصِدُ الشَّخْصَ الذي يَجْرُؤُ وَيُثيرُ الِارْتِباك، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَجْنونًا بِمَعْنى الِاضْطِرابِ العَقْلِيّ، وَإِنَّما هُوَ كَذَلِكَ بِالمَعْنى السِّياسِيّ، حَيْثُ إِنَّ عَدَمَ قابِلِيَّتِهِ لِلتَّنَبُّؤِ جُزْءٌ مِنَ الأَساليبِ التي تُزْرَعُ لِإِثارَةِ الخَوْف، وَبِالنَّتيجَة، يُضيفُ المُؤَلِّف، تُصْبِحُ مَهَمَّةُ المَجْنونِ مُزْدَوِجَة: تَخْويفُ القُوى الخارِجِيَّةِ وَاسْتِعادَةُ الفَخْرِ الدّاخِلِيِّ مِنْ أَجْلِ جَلْبِ تَعاطُفِ وَتَأْييدِ الرَّأْيِ الوَطَنِيّ، لِيَخْلُصَ إِلى أَنَّنا إِزاءَ "مَجانينَ وَأَقْوِياءَ" في آن، وَخَصَّ بِالذِّكْرِ أَرْبَعَةَ أَسْماء، وَلَيْسَ صُدْفَةً أَنْ يَتَعَلَّقَ الأَمْرُ بِالأَسْماءِ نَفْسِها التي تَظْهَرُ في غِلافِ الكِتابِ: فْلاديمير بوتين، دونالْد ترامب، كيم جونْغ أون، وَشي جين بينْغ.
لا يتردّد ترامب في ممارسة الترهيب حتى ضدّ الحلفاء
يَرى المُؤَلِّفُ أَنَّ التَّرْهيب، الذي يَنْتَمي إِلى سِجِلِّ العَمَلِ السِّياسِيِّ الدَّوْلِيّ، هُوَ "فِعْلٌ عَقْلانِيٌّ" يَنْدَرِجُ ضِمْنَ نَهْجٍ تَوْجيهِيٍّ يَرومُ رَدْعَ فاعِلٍ مُحَدَّدٍ أَوْ فاعِلينَ عِدَّة، عَنْ أَيِّ سُلوكٍ حالِيٍّ أَوْ مُسْتَقْبَلِيٍّ يَتَعارَضُ مَعَ مَصالِحِ القُوَّةِ التي تُمارِسُ التَّرْهيب، وَمِنْ بابِ تَحْصيلِ حاصِل، يَنْتَمي التَّرْهيبُ إِلى تَصْعيدٍ بَعيدٍ عَنِ التَّعاوُن، وَبِشَكْلٍ عامٍّ عَنِ الدّيبْلوماسِيَّة.
لَيْسَ هَذا وَحَسْب، يَذْهَبُ المُؤَلِّفُ إِلى أَنَّ فِعْلَ التَّرْهيبِ لَيْسَ مِنْ خَصائِصِ القُوى العُظْمى، بَلْ مِنْ خَصائِصِ السُّلْطَةِ القَوِيَّةِ القادِرَةِ عَلى التَّصَرُّفِ مِنْ دونِ قُيودٍ كَبيرَة، طالَما أَنَّ السِّياقَ يَتَطَلَّبُ ذَلِك، وَبَيانُ ذَلِكَ بَدَهِيّ، أَقَلُّهُ أَنَّ الفاعِلَ الذي يُمارِسُ التَّرْهيب، غالِبًا ما يَمْتَلِكُ الوَسائِلَ وَالإِرادَةَ في آن، مُوازاةً مَعَ تَوْظيفِ السِّياقِ الزَّمَنِيّ، مِمّا يُخَوِّلُ لَهُ مُمارَسَةَ التَّرْهيبِ في الوَقْتِ المُناسِب.
مِنْ بَيْنِ الأَمْثِلَةِ التي تَوَقَّفَ عِنْدَها مَلِيًّا في هَذا الصَّدَد، الرَّئِيسُ الأَميرِكِيُّ دونالْد ترامب، الذي يُمارِسُ التَّرْهيبَ لِلْحُصولِ عَلى تَنازُلاتٍ مِنْ شُرَكائِه، وَالحالُ أَنَّ ما يُثيرُ القَلَقَ اليَوْمَ هُوَ أَنَّهُ يَنْتَمي أَكْثَرَ إِلى "سِجِلِّ الِافْتِراسِ بَدَلًا مِنْ سِجِلِّ المُعامَلَة"، كَما اتَّضَحَ عَلى سَبيلِ المِثالِ في أَحْداثِ السَّنَةِ الماضِيَة، وَخاصَّةً في تَدْبيرِهِ أَزْماتٍ جِيوسِياسِيَّةٍ تَهُمُّ مَلَفَّ غْرينْلانْد أَوِ العَلاقاتِ مَعَ كَنَدا وَالمَكْسيك، إِضافَةً إِلى أَنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ في مُمارَسَةِ التَّرْهيبِ حَتّى ضِدَّ الحُلَفاء، فَالأَحْرى ضِدَّ الخُصوم. وَتَتَمَيَّزُ حالَتُهُ بِخُصوصِيَّةٍ تَتَمَثَّلُ في الرِّهانِ عَلى تَخْويفِ "الرُّؤَساءِ المَجانين" لِيَظْهَرَ أَنَّهُ في مَوْقِعِ القَوِيّ، وَالمُفارَقَةُ أَنَّ هَذِهِ القِراءَةَ صَدَرَتْ قُبَيْلَ اعْتِقالِ وَخَطْفِ الرَّئيسِ الفِنِزْوِيلِيِّ السّابِقِ نيكولاس مادورو مِنْ قِبَلِ قُوّاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ أَميرْكِيَّة، وَذَلِكَ عَقِبَ دَعْوى جِنائِيَّةٍ رَفَعَتْها وِزارَةُ العَدْلِ الأَميرْكِيَّةُ في 26 مارِس/آذار 2020 ضِدَّ مادورو وَ14 مَسْؤولًا فِنِزْوِيلِيًّا.

تَوَقَّفَ المُؤَلِّفُ في الفَصْلِ الثّاني مِنَ الكِتابِ عِنْدَ العَلاقَةِ المُباشِرَةِ وَالحَتْمِيَّةِ التي توجَدُ بَيْنَ التَّرْهيبِ وَالحَرْب، خاصَّةً في سِياقٍ دَوْلِيّ، حَيْثُ يَتِمُّ اسْتِعادَةُ السَّيْطَرَةِ على مِساحَةٍ إِقْليمِيَّة، أَوِ الحِفاظُ عَلَيْها، أَوِ اكْتِسابُها لِاعْتِباراتٍ أَمْنِيَّةٍ أَوْ تاريخِيَّة، أَوْ لِأَنَّها مَصْدَرٌ مُتَوَقَّعٌ لِلثَّرَوات، وَمِنْ هُنا اللُّجوءُ إِلى التَّهْديد، لَكِنَّ هَذا الأَخيرَ الذي يُمارَسُ في سِياقِ نِزاعٍ إِقْليمِيٍّ مِنْ دونِ تَحْقيقِ نَتائِج، قَدْ يَكونُ فاشِلًا، كَما قَدْ يُكَلِّفُ غالِيًّا، خاصَّةً عَلى الصَّعيدِ الدّاخِلِيّ.
على صَعيدٍ آخَر، إِنَّ مُخْتَلِفَ الأَشْكالِ التي يُمْكِنُ أَنْ تَأْخُذَها الحَرْبُ الهَجينةُ تَسْمَحُ عَمَلِيًّا بِتَبَنّي مَواقِفَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ التَّرْهيب، قادِرَةً عَلى إِضْعافِ المُقاوَمَةِ السِّياسِيَّةِ لِلْهَدَف، وَإِذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كافِيًا، فَإِنَّ خِيارَ اللُّجوءِ إِلى القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ يَفْرِضُ نَفْسَهُ لِتَجَنُّبِ فُقْدانِ الهَيْبَةِ مِنْ خِلالِ جَعْلِ الأَفْعالِ السّابِقَةِ لِلتَّخْويفِ التي تَمَّ اللُّجوءُ إِلَيْها غَيْرَ مَوْثوقَة.
معضلة الترهيب تُشكّل تحدّيًا حقيقيًا للبقاء بالنسبة للدول الأوروبية
يَتَناوَلُ الفَصْلُ الثّالِثُ الخِياراتِ المُرْتَبِطَةَ بِمُواجَهَةِ أَوْ مُقاوَمَةِ التَّرْهيب، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الِاسْتِنْتاجاتُ التي تَوَصَّلَ إِلَيْها المُؤَلِّفُ مُتَفائِلَة، وَخاصَّةً عَلَى المَدى القَصيرِ وَالمُتَوَسِّط، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الفَصْلَ تَضَمَّنَ عَرْضًا لِأَمْثِلَةٍ عِدَّةٍ تَهُمُّ تَأْثيرَ المُنَظَّماتِ الأَهْلِيَّةِ في مُقاوَمَةِ مُخْتَلِفِ أَشْكالِ التَّرْهيب.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ نَبْرَةِ التَّشاؤُمِ في هَذا الفَصْل، وَخاصَّةً في السِّياقِ الأوروبِّيّ، إِلّا أَنَّ الأَمْرَ يَبْدو أَقْرَبَ إِلَى الواقِعِيَّة، مِنْ مُنْطَلَقِ أَنَّ مُعْضِلَةَ التَّرْهيبِ هَذِهِ تُشَكِّلُ تَحَدِّيًا حَقيقِيًّا لِلْبَقاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلدُّوَلِ الأوروبِّيَّة، بَلْ لا يَتَرَدَّدُ في اسْتِعْراضِ أَمْثِلَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُلْهِمَ القارَّةَ العَجوزَ في سِياقِ إِحْياءِ أَمَلِ مُقاوَمَةِ سِياساتِ التَّرْهيبِ التي تُمارِسُها القُوى العُظْمى. وَيَهُمُّ أَحَدُ هَذِهِ الأَمْثِلَةِ المِنْطَقَةَ العَرَبِيَّة، مِنْ خِلالِ اسْتِلْهامِ النَّتائِجِ التي تَلَتْ أَحْداثَ 2011، أَيْ أَحْداثَ "الرَّبيعِ العَرَبِيِّ" مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِه، مَعَ صَرْفِهِ النَّظَرَ عَنْ أَنَّ الأَحْداثَ نَفْسَها توصَفُ مِنْ قِبَلِ أَقْلامٍ أُخْرى، عَرَبِيَّةٍ وَغَرْبِيَّةٍ، بِأَنَّها كانَتْ "فَوْضى خَلّاقَةً"!.
(خاص "عروبة 22")

