تقدير موقف

بَعدَ أنْ تَسكُتَ المَدافِع: إيرانُ أمامَ امتِحانِ الدّاخِل!

"الشَّرْقُ الأَوْسَطُ" بَعْدَ الحَرْبِ عَلى إيرانَ لَنْ يَعودَ كَما أَرادَهُ التَّحالُفُ الأَميرِكِيُّ - الإِسْرائيلِيّ. هذِهِ حَقيقَة. وَالحَقيقَةُ الأُخْرى أَنَّ إيرانَ بِدَوْرِها لَنْ تَسْتَطيعَ الاسْتِمْرارَ بِأَوْضاعِها الدّاخِلِيَّةِ كَما كانَتْ قَبْلَ الحَرْب. إِنَّها لَحْظَةُ انْكِشافٍ مُزْدَوَج: مَشْروعٌ خارِجِيٌّ لَمْ يُحَقِّقْ غايَتَه، وَواقِعٌ داخِلِيٌّ لَمْ يَعُدْ قابِلًا لِلِاسْتِمْرارِ بِصيغَتِهِ القَديمَة. هَذا الانْكِشافُ المُزْدَوَجُ لا يُفْهَمُ بِوَصْفِهِ نَتيجَةً مُباشِرَةً لِلْحَرْبِ وَحْدَها، بِقَدْرِ ما هُوَ حَصيلَةُ تَفاعُلٍ طَويلٍ بَيْنَ ميزانِ القُوَّة، وَحُدودِ الفِعْلِ السِّياسيّ، وَقُدْرَةِ الأَطْرافِ عَلى تَحْويلِ المُواجَهَةِ إِلى نَتائِجَ قابِلَةٍ لِلِاسْتِمْرار.

بَعدَ أنْ تَسكُتَ المَدافِع: إيرانُ أمامَ امتِحانِ الدّاخِل!

كَيْفَ قادَتْ نَتائِجُ المُواجَهَةِ إِلى تَسْوِيَةٍ لا تَعْكِسُ تَفَوُّقَ التَّحالُفِ الأَميرِكِيِّ - الإِسْرائيلِيّ، بَلْ تَعْكِسُ تَوازُنًا مُخْتَلِفًا تَشَكَّلَ في مَيْدانَيِ القِتالِ وَالتَّفاوُض؟.

لِفَهْمِ هَذا التَّحَوُّل، لا بُدَّ أَوَّلًا مِنَ التَّمْييزِ بَيْنَ مُسْتَوَيَيْنِ مِنْ قِراءَةِ القُوَّةِ في العَلاقاتِ الدَّوْلِيَّة:

الأَوَّلُ هُوَ مُسْتَوى القُوَّةِ المادِّيَّةِ التَّقْليدِيَّة، الَّذي يُقاسُ بِحَجْمِ الاقْتِصادِ وَالتِّكْنولوجيا وَالقُدُراتِ العَسْكَرِيَّةِ وَشَبَكاتِ التَّحالُف. وَوِفْقَ هَذا المُسْتَوى، لا يوجَدُ أَصْلًا مَجالٌ لِلْمُقارَنَةِ بَيْنَ إيرانَ وَخُصومِها.

لَكِنْ هُناكَ مُسْتَوًى آخَرُ أَكْثَرُ تَعْقيدًا وَلا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً، هُوَ مُسْتَوى تَحْويلِ القُوَّةِ إِلى نَتائِجَ سِياسِيَّة. وَهُوَ المُسْتَوى الَّذي لا تُحْسَمُ فيهِ الحُروبُ بِما تَمْلِكُهُ الدُّوَلُ مِنْ أَدَوات، بَلْ بِما تَسْتَطيعُ فَرْضَهُ مِنْ وَقائِعَ نِهائِيَّةٍ على الأَرْض.

لم تُحسم الحرب وفق منطق الانتصار بل وفق منطق منع الحسم

في الحَالَةِ الإيرانِيَّة، لَمْ تَدْخُلِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ وَحُلَفاؤُها المُواجَهَةَ بِهَدَفِ إِلْحاقِ الأَذى العَسْكَرِيِّ فَقَط، بَلْ بِهَدَفِ إِعادَةِ تَشْكيلِ السُّلوكِ السِّياسيِّ لِلدَّوْلَةِ الإيرانِيَّةِ وَتَقْليصِ قُدْرَتِها على التَّأْثيرِ الإِقْليميّ.

في المُقابِل، لَمْ يَكُنِ المَطْلوبُ مِنْ إيرانَ أَنْ تُحَقِّقَ تَفَوُّقًا عَسْكَرِيًّا أَوْ مَيْدانِيًّا، بَلْ أَنْ تَمْنَعَ الخَصْمَ مِنَ الوُصولِ إِلى نُقْطَةِ الحَسْمِ الَّتي تُتيحُ لَهُ فَرْضَ شُروطِهِ النِّهائِيَّة. وَهُنا تَحْديدًا بَدَأَ يَتَشَكَّلُ نَوْعٌ مُخْتَلِفٌ مِنَ التَّوازُن، لَيْسَ قائِمًا على التَّكافُؤِ في القُوَّة، بَلْ على القُدْرَةِ على تَعْطيلِ تَحْويلِ القُوَّةِ إِلى نَتيجَةٍ سِياسِيَّةٍ مُكْتَمِلَة.

في هَذا السِّياق، لَمْ تُحْسَمِ الحَرْبُ وِفْقَ مَنْطِقِ الانْتِصارِ التَّقْليدِيّ، بَلْ وِفْقَ مَنْطِقِ مَنْعِ الحَسْم. فَالقُوَّةُ الأَكْبَرُ قَدْ تُحْدِثُ تَأْثيرًا واسِعًا، لَكِنَّها قَدْ تَعْجِزُ في الوَقْتِ نَفْسِهِ عَنْ إِنْتاجِ نَتيجَةٍ سِياسِيَّةٍ مُسْتَقِرَّةٍ تَتَناسَبُ مَعَ حَجْمِ تَدَخُّلِها.

وَعِنْدَما تَصِلُ الأَطْرافُ إِلى قَناعَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بِأَنَّ اسْتِمْرارَ المُواجَهَةِ لَنْ يُحَقِّقَ مَكاسِبَ إِضافِيَّةً حاسِمَةً لِأَيِّ طَرَف، تَبْدَأُ مَلامِحُ التَّسْوِيَةِ في التَّشَكُّل، لَيْسَ كَخِيارِ رَغْبَة، بَلْ كَخِيارِ ضَرورَة.

البقاء ليس غاية سياسية بل شرط لمرحلة لاحقة

النَّتيجَةُ الَّتي انْتَهَتْ إِلَيْها المُفاوَضاتُ تَعْني أَنَّ إيرانَ ـ عَلى الرَّغْمِ مِنْ كَوْنِها الطَّرَفَ الأَضْعَفَ ـ نَجَحَتْ في حِرْمانِ القُوَّةِ الأَكْبَرِ مِنْ تَرْجَمَةِ تَفَوُّقِها العَسْكَرِيِّ إِلى سَيْطَرَةٍ سِياسِيَّةٍ كامِلَةٍ عَلى مُخْرَجاتِ الصِّراع.

وَمِنْ هذِهِ الزّاوِيَة، لا تَبْدو التَّسْوِيَةُ نَتيجَةَ تَفَوُّقِ طَرَفٍ عَلى آخَرَ بِقَدْرِ ما تَبْدو تَعْبيرًا عَنْ حُدودِ القُوَّةِ نَفْسِها. فَالقُوَّةُ الَّتي لا تَسْتَطيعُ تَحْويلَ تَفَوُّقِها إِلى حَسْمٍ سِياسِيّ، تُجْبَرُ في النِّهايَةِ عَلى القَبولِ بِسَقْفٍ أَقَلَّ مِنْ طُموحاتِها الأَصْلِيَّة.

غَيْرَ أَنَّ أَهَمِّيَّةَ هَذا التَّحَوُّلِ لا تَكْمُنُ في الحَرْبِ وَحْدَها، فَإِذا كانَ الصِّراعُ قَدْ دارَ طَويلًا حَوْلَ قُدْرَةِ النِّظامِ الإيرانِيِّ عَلى حِمايَةِ الدَّوْلَةِ وَمَنْعِ إِخْضاعِها، فَإِنَّ نَجاحَهُ النِّسْبِيَّ في هَذا المَسارِ يَنْقُلُ مَرْكَزَ الثِّقَلِ إِلى سُؤالٍ مُخْتَلِفٍ تَمامًا: ماذا تَفْعَلُ الدَّوْلَةُ بَعْدَ نَجاحِها في مَنْعِ الهَزيمَة؟.

الدُّوَلُ لا تُخْتَبَرُ إِلى ما لا نِهايَةَ في قُدْرَتِها عَلى البَقاء، لِأَنَّ البَقاءَ لَيْسَ غايَةً سِياسِيَّة، بَلْ شَرْطٌ لِمَرْحَلَةٍ لاحِقَة. وَكُلُّ تَجْرِبَةٍ تَنْجَحُ في عُبورِ اخْتِبارِ الصُّمودِ تَضَعُ أَصْحابَها أَمامَ لَحْظَةٍ انْتِقالِيَّة، تُفْتَحُ فيها الأَسْئِلَةُ الَّتي ظَلَّتْ مُؤَجَّلَةً تَحْتَ ضَغْطِ المُواجَهَة.

لحظات ما بعد الحرب تفتح كلّ الأسئلة دفعة واحدة

لَقَدِ انْشَغَلَ المَشْروعُ الإيرانِيُّ طِوالَ عُقودٍ بِمَعْرَكَةِ الدِّفاعِ عَنِ الدَّوْلَةِ في مُواجَهَةِ الحِصارِ وَالعُقوباتِ وَالضُّغوطِ وَالتَّهْديداتِ المُباشِرَة. وَكانَتِ الأَوْلَوِيَّةُ الطَّبيعِيَّةُ هِيَ الحِفاظُ على الكِيانِ الوَطَنِيِّ وَاسْتِقْلالِ القَرارِ السِّياسِيّ. لَكِنْ حينَ يَنْجَحُ هَذا المَسارُ في تَثْبيتِ حَدٍّ أَدْنى مِنَ الاسْتِقْرار، يَتَحَوَّلُ السُّؤالُ مِنْ "كَيْفَ نَحْمي الدَّوْلَة؟" إِلى السُّؤالِ الأَهَمِّ وَهُوَ "كَيْفَ نُعيدُ بِناءَها؟".

هُنا تَبْدَأُ المَرْحَلَةُ الأَصْعَب. فَالحُروب، مَهْما كانَتْ قاسِيَة، تَفْرِضُ تَرْتيبًا واضِحًا لِلأَوْلَوِيّات، بَيْنَما تَفْتَحُ لَحَظاتُ ما بَعْدَ الحَرْبِ كُلَّ الأَسْئِلَةِ دُفْعَةً واحِدَة.

وَحينَ تَسْكُتُ المَدافِع، لا يَعودُ النّاسُ مُنْشَغِلينَ بِتَفادي الهَزيمَة، بَلْ بِما إِذا كانَتْ تَضْحِياتُهُمْ سَتَتَحَوَّلُ إِلى اقْتِصادٍ أَكْثَرَ كَفاءَة، وَمُؤَسَّساتٍ أَكْثَرَ فاعِلِيَّة، وَعَدالَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ أَوْسَع، وَمَجالٍ عامٍّ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلى اسْتيعابِ التَّعَدُّدِ داخِلَ المُجْتَمَع.

وَمِنْ هذِهِ الزّاوِيَة، يَبْدو الامْتِحانُ المُقْبِلُ لِإيرانَ أَكْثَرَ تَعْقيدًا مِنْ كُلِّ ما سَبَق. فَالدَّوْلَةُ الَّتي نَجَحَتْ في الصُّمودِ الخارِجِيِّ تُصْبِحُ مُطالَبَةً بِتَحْويلِ هَذا الصُّمودِ إِلى قُدْرَةٍ داخِلِيَّةٍ على التَّجَدُّد. وَالدَّوْلَةُ الَّتي اسْتَطاعَتْ إِدارَةَ التَّهْديداتِ تُصْبِحُ مُطالَبَةً بِإِدارَةِ الاسْتِحْقاقاتِ الدّاخِلِيَّة. وَالدَّوْلَةُ الَّتي اكْتَسَبَتْ شَرْعِيَّةَ المُقاوَمَةِ تُصْبِحُ مُطالَبَةً بِإِضافَةِ شَرْعِيَّةِ الإِنْجاز.

ذَلِكَ أَنَّ التّاريخَ لا يَمْنَحُ شَرْعِيَّةً دائِمَةً لِلصُّمودِ بِوَصْفِهِ غايَة، بَلْ بِوَصْفِهِ وَسيلَة. وَكَثيرٌ مِنَ الدُّوَلِ نَجَحَتْ في اجْتِيازِ امْتِحانِ البَقاء، لَكِنَّها تَعَثَّرَتْ حينَ واجَهَتْ لَحْظَةَ التَّحَوُّلِ مِنْ مَنْطِقِ المُواجَهَةِ إِلى مَنْطِقِ البِناء، لِأَنَّ أَدَواتِ الصِّراعِ لا تَصْلُحُ وَحْدَها لِإِدارَةِ السِّلْم، وَلِأَنَّ ما يَنْجَحُ في مَنْعِ السُّقوطِ لا يَكْفي لِصِناعَةِ التَّقَدُّم.

وَلِهَذا فَإِنَّ السُّؤالَ الأَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً في إيرانَ بَعْدَ اجْتِيازِ امْتِحانِ الصُّمود، هُوَ: هَلْ تَسْتَطيعُ أَنْ تَفْتَحَ مَسارًا جَديدًا نَحْوَ المُسْتَقْبَل؟.

بقاء الدول تصنعه القدرة على المقاومة أما نهضتها فيصنعها الانتقال من منع الهزيمة إلى صناعة المستقبل

إِذا كانَ التَّوازُنُ الَّذي صَنَعَ نَتائِجَ التَّفاوُضِ قَدْ تَشَكَّلَ في مَيْدانِ الإِرادَةِ وَالتَّحَمُّلِ وَالقُدْرَةِ عَلى مَنْعِ الحَسْم، فَإِنَّ التَّوازُنَ الَّذي سَيَحْكُمُ المَرْحَلَةَ المُقْبِلَةَ سَيَتَشَكَّلُ في مَيادينِ التَّنْمِيَةِ الاقْتِصادِيَّةِ وَالسِّياسِيَّة، وَالعَلاقَةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَع، وَقُدْرَةِ النِّظامِ عَلى تَحْويلِ مَوْقِعِهِ الخارِجِيِّ إِلى قُوَّةٍ داخِلِيَّةٍ مُنْتِجَة.

بَعْدَ أَنْ تَسْكُتَ المَدافِعُ، سَيَتَوارى فِعْلُ الصُّمودِ أَمامَ امْتِحانِ الدّاخِل، وَتَبْرُزُ أَمامَ الجَميعِ حَقيقَةُ أَنَّ بَقاءَ الدُّوَلِ تَصْنَعُهُ القُدْرَةُ على المُقاوَمَة، أَمّا نَهْضَتُها فَيَصْنَعُها الانْتِقالُ مِنْ شَرْعِيَّةِ الصُّمودِ إِلى شَرْعِيَّةِ الإِنْجاز، وَمِنْ إِدارَةِ التَّهْديداتِ إِلى إِدارَةِ الفُرَص، وَمِنْ مَنْعِ الهَزيمَةِ إِلى صِناعَةِ المُسْتَقْبَل.

وَهُناكَ، لا عَلى خُطوطِ النّار، بَلْ في مَيادينِ التَّجْديد، سَتَتَحَدَّدُ النَّتيجَةُ النِّهائِيَّةُ لِهذِهِ الحَرْب!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن