صحافة

"المشهد اليوم".. الاتفاقُ اللبنانيُّ الإسرائيليُّ بَينَ "الترحيبِ" و"التحذير"!ضَرباتٌ أميرِكِيَّةٌ على إيران... والكويتُ والبحرينُ في مرمى الاعتداءاتِ الإيرانيّة


وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال مراسم توقيع "اتفاقية الإطار" بين لبنان وإسرائيل بحضور سفيرَي البلدين في واشنطن يحيئيل ليتر وندى حمادة بمقر وزارة الخارجيّة الأميركيّة (أ.ف.ب)

حفلت الساعات الماضية بالكثير من التطورات، مع عودة التوترات في مضيق هُرمز والتبادل "الناري" بين واشنطن وطهران، وما نتج عنه من ردٍّ إيرانيٍّ استهدف البحرين والكويت. وحدث ذلك على الرغم من مذكرة التفاهم المُبرمة بين الطرفين الأميركيّ والإيرانيّ، والحديث عن تحقيق "تقدّمٍ مُشجّعٍ" في المفاوضات، وصولًا إلى توقيع لبنان وإسرائيل "اتفاق إطار" برعايةٍ من الولايات المتحدة بعد جولاتٍ مكوكيّةٍ من المباحثات وما تبعه من اعتراض "حزب الله". وتمثل هذا الاعتراض في تظاهراتٍ "محدودةٍ" ومحاولاتٍ لقطع الطرقات والتجمهر أمام السراي الحكومي من دون أيّ خطواتٍ تصعيديةٍ أخرى. لكن، كما يُقال: "العبرة تبقى في التنفيذ" وقدرة هذه "التفاهمات" على الوصول إلى تسوياتٍ نهائيّةٍ، خصوصًا أن هناك الكثير من العُقد والاختلافات في الرؤى.

فالمناوشات بين واشنطن وطهران لم تتوقف، كذلك الخروقات الإسرائيليّة لاتفاق وقف النار في لبنان، ما يعني عمليًا أن هذه الاتفاقيات يمكن أن تُسهم في تخفيف حدّة التوتر، لكن من دون أن تنهي الصراع بشكلٍ كامل. واليوم تبدو المنطقة أمام مرحلةٍ جديدةٍ تُرسم فيها تحالفات وموازين جديدة بناءً على ما أفرزته الحرب على إيران وتبعاتها، بعدما حرّك "الحرس الثوري" "وكلاءه" وقرّر فتح ساحاتٍ "رديفةٍ" و"هزّ العصا" في مضيق هُرمز. وبالتالي، حدث تضرّر كبير في الأسواق العالميّة وتهديدٌ لحركة الملاحة البحرية، التي لم تستقر منذ بدء الصراع. وتحاولُ دول الخليج العربيّ مقاربة المواضيع منعًا لعودة القتال وتفاقمُ الأمور، ومن هنا، جاء تدخّلها لتسهيل شؤون الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، تمامًا كما فعلت قطر إلى جانب باكستان، من دون أن نغفل عن الدور السعوديّ المهم والمُسهل في هذا الإطار. و"المظلة" العربيّة عينها هي التي تحمي لبنان اليوم، إن صح التعبير، وذلك رفضًا للحرب الأهلية ومنعًا للفتنة التي ستزيد الأمور تعقيدًا، خصوصًا مع الهدنة الهشّة وتبعاتها الاقتصادية واستمرار الدوران في "حلقةٍ مُفرغة". ومن هنا، أسهم الاتفاق المُعلن عنه في واشنطن في انقسامٍ عموديٍ جديدٍ، بين من رأى فيه "انتصاراً للبنان الدولة ومؤسساتها الرسميّة" و"فصل الملف اللبنانيّ عن مفاوضات سويسرا وبالتالي كف يد إيران"، وبين من وصفه بـ"اتفاق العار والذّل"، واتهم الحكومة بتسليم البلاد إلى إسرائيل والقبول باستمرار الاحتلال إلى أمدٍ طويل. وهذا الجدال كان متوقعًا، خصوصًا أن "حزب الله"، منذ اليوم الأول للمفاوضات المباشرة، أعلن رفضه لها وتهجم عليها واعتبرها أشبه بتقديم "تنازلاتٍ مجانيّة".

ولكن الحزب نفسه، الرافض لهذا المسار، بارك مذكرة التفاهم الأميركيّة – الإيرانيّة، وحاول ربط الساحة الداخليّة بما ستفرزه "مفاوضات سويسرا" انطلاقًا من محاولات القادة الإيرانيين الحديث عن أولوية الملف اللبنانيّ بالنسبة إليهم وصعوبة "التفريط بالحزب وسلاحه"، على الرغم من عدم توقف القصف يومًا على البلدات والقرى الجنوبيّة وعدم تحقق الانسحاب. من هنا، فإن "حزب الله"، الذي ورّط لبنان في حربٍ دمويةٍ طاحنةٍ ثأرًا للمرشد الإيرانيّ علي خامنئي، "يُعيبُ" على الدولة محادثاتها، وهي التي تسعى إلى لملمة الوضع الذي خلّفه تمسكه بقرار الحرب والسلم من دون أي اعتبارٍ لمصلحة لبنان وشعبه. والكلام عينه كرّره الأمين العام للحزب نعيم قاسم، الذي شنّ هجومًا حادًا على الإطار المُتفق عليه، معتبرًا أنه ينطوي على "تنازلٍ عن السيادة"، مطالبًا بالعودة إلى مندرجات مذكّرة التفاهم الإيرانيّة - الأميركيّة، لا سيّما ما يتعلّق منها بوقف العمليّات العسكرية وضمان سلامة الأراضي اللبنانيّة وسيادتها. وفي بيانٍ أصدره بعد ساعاتٍ من التوقيع، أشار إلى أن ربط الانسحاب الإسرائيليّ بنزع سلاح "المقاومة" "طرحٌ خطيرٌ جدًّا، يتجاوز كل الخطوط الحمراء، ويجعل لبنان ألعوبةً بيد العدو"، مشددًا على أن السلاح "لن يُنزَعَ قطعًا وأنّه لا يحقّ لأحد حرمان اللبنانيّين من حق الدفاع عن النفس والأرض في مواجهة الاحتلال". وخرج نواب الحزب فورًا لشنّ هجومٍ على الدولة، حتى قبل قراءة البنود المنصوص عليها، ملوّحين بـ"الحرب الأهلية". أما رئيس مجلس النواب نبيه بري فاختار رفع عنوان "الفتنة"، محذرًا اللبنانيّين من الانجرار إلى مواجهةٍ داخليّة. وقال: "كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهرًا فيُركب ولا ضرعًا فيُحلب".

هذا الانقسام الحاد وإمكانية تحوله إلى "كرة نار" تتدحرجُ، يُنذر بدقة الأوضاع التي تمر بها البلاد وصعوبة تطبيق "إعلان النيّات" من دون وجود غطاءٍ دوليٍّ ورعايةٍ إقليميّةٍ وعربيّةٍ جامعة. فما جرى التوصل إليه ينصُّ علانيّةً على تسلّم الجيش اللبنانيّ تدريجيًا المسؤولية الأمنيّة في منطقتين تجريبيّتين. وتقع إحداهما شمال نهر الليطاني والأخرى جنوبه، على أن يجري التحقّق من خلوهما من أيّ وجودٍ مسلّحٍ لـ"حزب الله"، قبل السماح بعودة المدنيين وبدء إعادة الإعمار، وعلى التشدّيد على أن الحكومة اللبنانيّة هي صاحبة السلطة الحصرية في إعلان الحرب وإحلال السلام. كما لفت النص المبدئيّ، الذي لم تُعلن حتى الآن صيغته الرسميّة والنهائيّة، إلى أن الولايات المتحدة ستعمل على حشد شركائها الدوليِّين لدعم حكومة لبنان في إعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتيّة وإنعاش الاقتصاد، وتوفير مساعدات إنسانيّة وبرامج استثمارية تساعد لبنان على التعافي من سنوات الصراع. في المقابل، يلتزم لبنان رسميًا بمنع تدفق الأموال إلى أيّ كيانٍ أو منظمةٍ أو فردٍ مرتبطٍ بالجماعات المسلّحة غير الحكوميّة. وكخلاصة، يحملُ الاتفاقُ، الأول من نوعه الذي يُوَّقِعُ على ورقةٍ مشتركةٍ بين مسؤولٍ لبنانيٍ ومسؤولٍ إسرائيليٍّ، منذ 17 أيار/مايو 1983، الكثير من الكلمات "المُلتبسة والفضفاضة"، ولا يُحدّد سقفًا زمنيًا للانسحاب، بل يتحدث عن "إعادة تموضع". لكنه، في الوقت عينه، يُعتبر نجاحًا للديبلوماسيّة اللبنانيّة التي "انتزعت" اتفاقًا بمعزل عن طهران وتدخلاتها ونفوذها، وأوصلت رسالةً واضحةً بأنها هي المعنيّة بشؤون البلاد ولا أحد يتفاوض عنها ولا باسمها.

و"الخروج من عباءة إيران" لن يُرضي الحزب ولا "الحرس الثوري"، الذي سيحاول "إجهاض" جميع المحاولات الساعية إلى ذلك. ويُحسب لرئيسيّ الجمهورية والحكومة تمسكهما بقرارهما، على الرغم من الضغوط الواسعة التي مورست عليهما في الداخل، وإصرارهما على وضع مصلحة "لبنان أولًا" على حساب "شكرًا إيران". في موازاة ذلك، أكد الرئيس جوزاف عون، خلال اتصالٍ هاتفيٍّ من نظيره الأميركيّ دونالد ترامب، أن لبنان سيضطلع بمسؤولية تنفيذ الاتفاق الإطاريّ مع إسرائيل، مطالبًا الولايات المتحدة بالمساعدة في منع الانتهاكات والضغط على تلّ أبيب للانسحاب من المناطق الجنوبية، لتسهيل انتشار الجيش حتى الحدود الدوليّة. وبحسب البيان الصادر عن الرئاسة اللبنانيّة، أشار ترامب إلى لقاءٍ "قريبٍ" سيجمعه مع عون في واشنطن. كما تلقى الأخير مكالمةً من رئيس دولة الإمارات سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أكد فيها وقوف بلاده إلى جانب لبنان ودعمها للمواقف التي تتخذها الحكومة. كما أعلن استعداد بلاده للمساعدة في المجالات السياسيّة والاقتصادية والاجتماعيّة، بما يُمكّن لبنان من تجاوز الظروف الصعبة التي يمرّ بها. على المقلب الآخر، لم يتضح بعد موقف طهران، التي "التزمت الصمت" حتى الساعة، على الرغم من مرور أكثر من 24 ساعة على مراسم التوقيع. وفي انتظار موقفها "الواضح"، الذي لا يحتاج إلى أي تخمينات، قدّم رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، المأزوم سياسيًا، اتفاق الإطار مع لبنان بوصفه تحوّلًا استراتيجيًّا قد يقود إلى اتفاق سلام. واعتبره "ضربةً قويّةً لإيران وحزب الله"، لكنّه تمسّك، في الوقت عينه، ببقاء القوّات الإسرائيليّة داخل الأراضي اللبنانيّة أو ما يُعرف بـ"المنطقة الأمنيّة"، وبحرّية تنفيذ عمليّاتٍ عسكريّةٍ في لبنان، ملوّحًا بتدخّلٍ جديدٍ "متى تطلّب الأمر".

في الأثناء، أفادت هيئة البث الإسرائيليّة بأنّ الجيش يستعدّ للانسحاب، في مرحلةٍ أولى، من منطقتي زوطر الغربيّة وفرون، الواقعتين ضمن نطاق محافظة النّبطيّة، بوصفهما منطقتين تجريبيّتين. ونقلت الهيئة عن مصادر مطلّعة، قولها إنّ الانسحاب من المنطقتين قد يبدأ في إطار اختبارٍ ميدانيٍّ لبنود الاتفاق، بالتزامن مع فتح قناة اتّصالٍ مباشرةٍ بين لبنان وإسرائيل لإدارة التّرتيبات الأمنيّة. ولكن ما وصفه نتنياهو بـ"الإنجاز"، وكذلك فعل وزير الأمن الإسرائيليّ يسرائيل كاتس، لم يُعجب "اليمين المتطرف". إذ خرج وزير الأمن القوميّ إيتمار بن غفير بتصريحاتٍ ندّد فيها بالاتفاق، ووصفه بـ"الخطأ الكبير"، قائلًا إنه "لا يمكن الوثوق بلبنان في تجريد حزب الله من أسلحته. وحدهم جنود الجيش يستطيعون تدمير الحزب، ولا طرف آخر سيقوم بذلك بدلًا منا". هذه التصريحات تزامنت مع خروقاتٍ ميدانيّةٍ لوقف النار، التي كان آخرها أمس السبت، إذ شنّ العدو غارةً عند أطراف مدينة النبطية، ادعى فيها أنه استهدف "عناصر من حزب الله اقتربوا من مواقعه". كما تحدثت المعلومات عن توغل جيش الإحتلال في اتّجاه أطراف كفرشوبا وتمشيطه المنطقة هناك. وتريد تلّ أبيب عبر تلك الممارسات تأكيد احتفاظها بحرية الحركة وتربط الانسحاب بنزع سلاح "حزب الله"، ما يضع الجيش والدولة، بجميع أركانها، تحت اختبارٍ أمنيٍّ طويل. وبين احتفالٍ إسرائيليٍّ بما وُصِفَ بـ"الإنجاز الكبير" و"الضّربة القويّة لإيران"، ورفض "حزب الله" الاتّفاق، دخل لبنان مرحلةً دقيقةً وشديدة الحساسيّة، مع تحوّل الصراع إلى مساءلة مفهوم الدّولة وحدود القرار الوطنيّ وشرعيّة السّلاح، وصلاحيّات المؤسّسات الدستورية.

لكن كل تلك التطورات، بالإضافة إلى الوضع في هُرمز وحوله ومذكرة التفاهم الأميركيّة – الإيرانيّة، تبدو "في مهب الريح"، بعد شنّ الجانبين ضرباتٍ عسكريةٍ متبادلة. ففيما قالت إيران إنها هاجمت مواقع أميركيّة في الخليج ردًا على ضرباتٍ استهدفت أراضيها، اتهمت واشنطن طهران بمهاجمة إحدى سفنها التجارية في مضيق هُرمز. ويشكّل هذا "التصدّع" أول اختبارٍ حقيقيٍّ للاتفاق المُوَقَّع بين الطرفين، على الرغم من الجهود التي يبذلها الوسطاء في "مفاوضات سويسرا"، وتحديدًا الدور الباكستاني والقطري في هذا المضمار. وتحوّل مضيق هُرمز، خلال هذه الحرب، إلى صندوقٍ لتبادل الرسائل مع تخوفٍ من استمرار الوضع المُتأزم، ما أصرّ عليه وزير الخارجية المصريّ بدر عبد العاطي خلال اتصالٍ مع نظيره الإيرانيّ عباس عراقجي. وأكد خلال الاتصال "أهمية ضمان أمن الملاحة وحرية المرور في الممرات المائيّة، والالتزام بقواعد القانون الدوليّ، وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة، ويصون مصالح جميع الدول". كما تلقى عبد العاطي مكالمةً من رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطريّ الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، شدّد فيها على ضرورة تجنيب المنطقة تداعيات الهجمات غير المبرّرة، ومواصلة الجهود الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليميّ. كما بحث الأخير الأمر عينه في اتصالٍ هاتفيٍّ مُنفصلٍ مع وزير الخارجية السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركيّة عن تنفيذ ضرباتٍ ضد أهدافٍ إيرانيّةٍ في جزيرة سيريك القريبة من مضيق هُرمز، شملت مواقع لتخزين الصواريخ والمسيّرات ومواقع رادار ساحليّة. في حين أعلن "الحرس الثوري" تصدّيه لهذه الهجمات، التي قال إنها طالت برجيّ مراقبة. وتحدث ‌التلفزيون الرسميّ الإيرانيّ عن إطلاق "طلقاتٍ تحذيريةٍ" باتجاه سفنٍ لم يحدّدها، حاولت المرور ​عبر ‌مساراتٍ ⁠لم توافق عليها ​إيران. ⁠وأضاف أن هذا الأمر دفع الآن سفنًا أخرى إلى طلب تصاريح قبل محاولة العبور. وتسعى إيران إلى تكريس "سلطتها المطلقة" على المضيق، من خلال الحديث عن مساراتٍ مُعينةٍ وطلب أذوناتٍ للعبور الآمن، فضلًا عن حديثها المستمرّ عن فرض رسوم خدماتٍ في وقتٍ لاحق. وبعد الاستهداف الأميركيّ، سارع "نظام الثورة الإسلاميّة" إلى استهداف الدول المجاورة. إذ أعلن الجيش الكويتيّ، فجر اليوم، التصدي "لهجماتٍ صاروخيّةٍ وطائراتٍ مُسيرةٍ مُعاديةٍ"، بينما دوّت صفارات الإنذار في البحرين. وكانت المنامة تعرضت، أمس السبت، إلى هجومٍ بعددٍ من الطائرات المُسيّرة الإيرانيّة، اعتبرته انتهاكًا صارخًا لسيادتها، وتهديدًا سافرًا لأمن المواطنين والمقيمين. كما أدان مجلس التعاون الخليجيّ الاعتداءات "الغادرة"، مؤكدًا دعمه لجميع الإجراءات التي تتخذها البحرين لتعزيز أمنها وصون سيادتها وسلامة أراضيها. من جهته، حذّر الرئيس الأميركيّ من أن الولايات المتحدة قد تصل إلى نقطةٍ "لن تكون قادرةً فيها على التصرف بعقلانية"، مشيرًا إلى أن واشنطن قد تُجبر حينها على "إكمال المهمة عسكريًا". وأدّى الاتفاق المؤقت الذي أبرمه الأخير إلى تراجع ‌معدلات تأييده، كما أثار انتقاداتٍ واسعةٍ عبر مختلف الأطياف السياسيّة، حتى من بعض أنصاره باعتبار أن الحرب لم تحقق أهدافها وأن الهدنة الحاليّة قد لا تكون "مستدامة".

في غضون ذلك، كشفت مجلة "بوليتيكو" عن وجود حالةٍ من انعدام الثقة العميق بين حكومة نتنياهو ونائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس، الذي بات يجسّد واقعًا جديدًا في واشنطن لم تعد فيه إسرائيل تُعامل كاستثناءٍ من عقيدة "أميركا أولاً". ويتزامن هذا التباين مع تراجعٍ ملحوظٍ في التواصل بين البلدين، وسط مخاوف من اتساع هوة الخلافات خلال الأشهر المقبلة. ونقلت الصحيفة، عن سبعة مسؤولين ومصادر أميركيّة وإسرائيليّة مُطلعة، أن الأزمة الراهنة "أكبر بكثير من فانس"، لكن نائبه أصبح يمثّل تحولًا جوهريًا، فإسرائيل لم تعد تحظى بمكانةٍ استثنائيّةٍ تتفوق على "حلفاء" واشنطن الآخرين. وبدأ "عراب" اتفاق إيران يُثيرُ سخط تل أبيب، بما ينعكس على ملفاتٍ أخرى، من بينها الملف اللبنانيّ والأوضاع في قطاع غزّة والضفة الغربيّة. وتشهد مناطق شمال الضفة موجةً متسارعةً من التوسع الاستيطانيّ، عبر مخططاتٍ تشمل إنشاء وتطوير 18 مستوطنة جديدة، في إطار مساعٍ لإعادة تشكيل الواقع الجغرافيّ وفرض وقائع جديدة على الأرض. إذ يحاول نتنياهو "الهروب من مأزقه" عبر تقديم "الضفة كهدية" إلى اليمين المتطرف وسط تحذيرات العديد من المحللين والمتابعين. أما في الشأن العراقيّ، فيحاول رئيس الوزراء علي الزيدي إمساك "العصا من النصف"، فقال إن حكومته تتطلّع إلى إقامة "شراكةٍ قويةٍ" مع الولايات المتحدة. وأكد، في الوقت عينه، أن علاقة بغداد مع طهران "قائمة على حسن الجوار والاحترام والمصالح المشتركة". كما أوضح أن "دول الخليج العربي تمثّل عمقًا تاريخيًا وثقافيًا واجتماعيًا وعنصر قوة للعراق".

دوليًا، قدّرت منظمات أممية أن نحو سبعة ملايين شخص ربّما تأثروا بالزلزالين اللذين ضربا فنزويلا، وأسفرا عن أكثر من ألف قتيل، وعشرات آلاف المفقودين مع مواصلة البحث عن ناجين. إلى ذلك، سجلت دول أوروبيّة أرقامًا قياسيّةً جديدةً في درجات الحرارة، متسببةً في وفاة المئات في فرنسا وإسبانيا، ⁠بينما أعلنت دول أخرى حالة التأهب مع انتقال موجة الحر إليها.

وفي الآتي، إليكم أبرز ما ورد في الصحف العربيّة الصادرة اليوم:

تحت عنوان "الثقة المفقودة في إيران"، كتبت صحيفة "الخليج" الإماراتية أنه "في وقت تمضي فيه الجهود الإقليمية والدولية إلى تهدئة التوتر في المنطقة، تعود إيران إلى قاعدتها الأولى وهي ممارسة الهجمات العدوانيّة على جوارها الخليجي، ما يقوّض أي مسعى لإحلال الاستقرار ويعزز القناعة الدولية بأن السلوك الإيراني يستخدم تصدير أزماته كأداة رئيسية في علاقات طهران الخارجية ضمن سياسة قائمة على الابتزاز والتهديد". وقالت إن "استهداف البحرين ومواصلة تعطيل حرية الملاحة في مضيق هرمز وتناقضات المواقف في طهران، تؤكد كلها أن الاستراتيجية الإيرانيّة لا تزال محكومة بنهج ٍمزدوجٍ يقوم على توظيف الدبلوماسية كغطاء سياسي مؤقت، في حين تظل الأدوات العسكرية والتصعيدية هي الخيار الأساسي الذي ستستخدمه عند الحاجة وتحت ذرائع واهية، لفرض ما تتوهّم أنه نفوذها الإقليمي، وهو ما يضع المنطقة أمام طرف لا يمكن الاطمئنان إليه، ولا يبحث عن شراكة حقيقية، بل عن إدارة الأزمات وتأجيل المواجهات والتنصّل من أي تفاهمات جزئية أو مذكرات تفاهم".

في سياقٍ متصلٍٍ، أشارت صحيفة "الوطن" البحرينية إلى أن "مضيق هُرمز، تحوّل بالفعل بالنسبة للنظام الإيرانيّ من ممرّ دولي إلى ورقة ابتزاز استراتيجية. هو يريد أن يبقى العالم مقتنعًا بأن أمن الطاقة، واستقرار الأسواق، وحركة التجارة العالمية، كلها مرتبطة بموافقته، وأن أي خلاف سياسي بشأن المفاوضات تمنحه حق تهديد مصير هذا الشريان الحيوي، الشريان الذي ينتظر الجميع عودته لوضعه الطبيعي". وشدّدت على أن "مضيق هُرمز ليس ملكًا لأحد، كما أن أمن البحرين وشقيقاتها دول مجلس التعاون ليست ورقة تفاوض، لهذا الموقف البحريني الرافض لهذا العدوان، موقف يستند إلى الحق الأصيل في الدفاع عن السيادة الوطنية، ورفض تحويل أراضي المملكة إلى هدف لصواريخ أو مسيّرات نظام عدو، حق يرفض به أن تظل منطقتنا رهينة لهذه الفوضى، وهنا لن تهدأ المنطقة أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا إلا بزوال النظام الإيراني العدو".

أما صحيفة "الأهرام" المصرية، فرأت أن "قضية حصر السلاح في يد الدولة ليست محصورةً في لبنان. فهي موجودة في دول عربية عدة، وتؤدي إلى حروب داخلية أحيانًا كما يحدث في السودان. ولكن الاهتمام الأميركي بهذه القضية يقتصر على لبنان في الأساس، ثم العراق بدرجة أقل، لأن السلاح في هاتين الحالتين موجود لدى قوى "مقاومة" مرتبطة بإيران". وتابعت أن "الفرق في الاهتمام بين الحالتين اللبنانية والعراقية مرتبط، إذن، بالكيان الإسرائيلي في الأساس. ومع ذلك فهناك فروق موضوعية بين الحالتين. وأهمها فرقان. الأول أن السلاح في العراق موجود لدى عدد كبير من الفصائل المتفاوتة في العدد والعدة، وليس لدى فيصل واحد كما هو الحال في لبنان. أما الفرق الثاني فهو أن للفصائل العراقية وضعًا قانونيًا مشروعًا منذ إصدار قانون الحشد الشعبي عام 2016. وقد أصدر مجلس النواب العراقي هذا القانون الذي نص على دمج قوات الحشد الشعبي ضمن المنظومة الأمنية الرسمية للدولة لتصبح قوة رديفة للقوات المسلحة".

من جانبها، أوضحت صحيفة "الصباح" العراقية أن "أن أي تفاهم أميركي إيراني واسع قد يضع العراق أمام اختبار جديد يتعلق بدوره ووظيفته في المنطقة. فخلال سنوات طويلة كان العراق أشبه بجسر أو منطقة تماس بين النفوذين الأميركي والإيراني. أما إذا انخفض مستوى التوتر بينهما، فسيكون على بغداد أن تعيد تعريف موقعها الإقليمي على أسس مختلفة، أقل ارتباطًا بالصراع وأكثر ارتباطًا بالمصالح الوطنية المباشرة. وربما تكون هذه هي الفرصة الحقيقية التي لم تتح للعراق منذ عام 2003". وأكدت أن "الدول لا تستفيد من التحولات الدولية والإقليمية لمجرد حدوثها، بل تحتاج إلى نخب قادرة على استثمارها (...). لهذا فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت واشنطن وطهران ستتصالحان أم لا، بل ما إذا كان العراق مستعدًا لليوم الذي قد يحدث فيه ذلك. فإذا انتهت مرحلة الصراع المفتوح بين الطرفين، ستسقط الكثير من المبررات التي اعتادت الطبقة السياسية الاحتماء بها. وعندها سيصبح معيار النجاح أكثر بساطة ووضوحًا: ماذا قدمت الدولة للمواطن؟ وماذا فعلت القوى السياسية للعراق نفسه؟".

(رصد "عروبة 22")

يتم التصفح الآن