صحافة

متى الجولة التالية للحرب بين أمريكا وإيران؟

مصطفى السعيد

المشاركة
متى الجولة التالية للحرب بين أمريكا وإيران؟

لافتة أمام الكونغرس عن غلاء أسعار البنزين بسبب حرب إيران (أ.ف.ب)

تدرك كل من الولايات المتحدة وإيران أن مذكرة التفاهم ليست سوى هدنة قد تطول بين طرفين يصعب التوافق الطويل بينهما، والمتابع لجولات المفاوضات يسهل عليه أن يصل إلى تلك النتيجة. فالخلافات كانت تنشب حول ما ستتنازل عنه الولايات المتحدة مقابل فتح مضيق هرمز، وكان الوفد الإيراني يصر على الدفع الفوري وليس المؤجل، فالمقابل العاجل هو الموثوق في الحصول عليه، أما الوعود والدفع المؤجل فليس إلا سرابا، وفي المقابل كان يسعى وفد التفاوض الأمريكي إلى تأجيل السداد، وتمسك أكثر من مرة بربط الإفراج عن بعض الأموال الإيرانية المُجمدة بإجراءات التخلص من اليورانيوم المخصب.

أي في مرحلة تالية قد لا تأتي أبدا، وكادت المفاوضات تنهار مع تمسك إيران ببنود السداد الفوري للمستحقات، خاصة الأموال المجمدة، وهو ما يعنى أن كلا الطرفين يرى أن مذكرة التفاهم ليست سوى هدنة، وأن التوصل إلى اتفاق دائم قد لا يتحقق، وغالبا لن يتحقق، وأن جولة جديدة من الحرب ستندلع، إما بضربات عسكرية أو ضغوط اقتصادية أو عمليات مخابراتية، وربما جميعها معا.

متى تندلع الجولة الجديدة من الحرب؟ من غير المرجح أن تبدأ سريعا مهما كانت الخلافات عميقة، والسبب يعود إلى أن الولايات المتحدة ليست مستعدة لجولة عسكرية جديدة، فلم تعوض النقص الحاد في ذخيرتها الدقيقة مثل "التوماهوك" ولا صواريخ الدفاع الجوي مثل "ثاد" و"باترويت"، ولا الرادارات والطائرات التي فقدتها، واضطرت الولايات المتحدة إلى إلغاء بعض اتفاقيات تصدير الأسلحة لوجود عجز في مخزونها، خاصة أن الصين تقيد تصدير المعادن النادرة الضرورية لإنتاج الكثير من الأسلحة والذخائر الأمريكية، وتحتاج الولايات المتحدة إلى سنوات وليس شهور للتغلب على تلك المشاكل.

إيران من ناحيتها لا تتعجل الحرب أيضا، فهي بحاجة إلى ترميم جراحها من الجولة الأخيرة من الحرب، وكذلك إنتاج واستيراد المزيد من الأسلحة، وقد بدأت بالفعل في استيراد مروحيات روسية وطائرات "سو 34"، وكذلك أسلحة من الصين، بينها طائرات "جي10"، و"جي20"، ورادارات تكشف الطائرات الشبحية. إن كلا الطرفين ومعهما إسرائيل في انتظار جولة قادمة من الحرب، يصعب تحديد موعدها، لكن في حال ضغطت إيران بإغلاق المضيق، وتقدمت بمطالب يصعب تنفيذها، فإن الحرب قد تندلع حتى رغم الأزمات والمخاوف، لهذا تحرص إيران على عدم الوصول إلى تلك النقطة، فهي المستفيدة الأكبر من الهدنة الطويلة، فقد حصلت على جزء من أموالها المجمدة، وتنفرد بتصدير البترول لمدة 30 يوما، هي المهلة المحددة لفتح المضيق، وتصدر خلالها كل مخزونها النفطي، بما يضمن عائدات تصل إلى 15 مليار دولار، والتخلص من المخزونات النفطية يمكنها استخدام الخزانات الفارغة في حالة تجدد الحرب أو الحصار، لأن الآبار تتضرر بشدة إذا توقفت عن العمل، فالمسام التي يتجمع من خلالها النفط تتعرض للانسداد، ولا تعود إلى سابق تدفقها إلا بعمليات فنية معقدة، وهو ما ستعانيه دول الخليج باستثناء السعودية التي كانت تواصل التصدير عبر أنابيب تصل إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

مهلة الستين يوما المحددة للتوصل إلى اتفاق دائم لن تكون كافية لحل المعضلات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، والتي لا تقتصر على مصير اليورانيوم المخصب، فهناك مشكلة التفتيش على البرنامج النووي، وصلاحيات المفتشين في الوصول إلى كل الأماكن في أي وقت، فالطرف الأمريكي يشك دائما في وجود برنامج سري، وإمكانية التخصيب في المدن العسكرية تحت الجبال، وسيطلب تمكين المفتشين من الوصول إلى أي مكان يعتقدون أن به أجهزة تخصيب، وإيران لا يمكنها أن تمنح المفتشين حرية تفتيش المواقع العسكرية، وتعتقد أن المفتشين يمدون أمريكا وإسرائيل بالمعلومات عن تلك المواقع، بالإضافة إلى صعوبة موافقة أمريكا وإسرائيل أن تصبح إيران أكثر قوة من خلال برامجها للإنتاج العسكري والتسلح.

لهذا فالاتفاق سيكون صعب المنال، والمرجح أن يجري تمديده مرات، وهناك بند يتيح التمديد، لكنه لن يظل إلى أمد طويل، وستسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى أدوات للنيل من إيران، وأفضل الحلول أن تجد الولايات المتحدة وكيلا إقليميا يمكنه أن يشن الحرب على إيران مقابل مغريات بالمال والسلاح، ولا تبدو دول الخليج مستعدة لهذا الدور، بعد أن اكتوت بالحرب، ولا تريد تكرار المحنة، لكن ستظل الولايات المتحدة تعمل على الإيقاع بين إيران وجيرانها، حتى تجد الفرصة مواتية لإشعال حرب إقليمية بين إيران وأحد أو بعض الأطراف، فهذا هو السبيل الأقل تكلفة ومخاطرة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل للتخلص من الخطر الإيراني.

(الأهرام المصرية)

يتم التصفح الآن