لَقَدْ سَمَحَ العَرَبُ لِلْغَرْب، وَلِلْمُؤَسَّساتِ الدَّوْلِيَّة، وَلِلْعَواصِمِ الفاعِلَة، بِالِانْشِغالِ بِالتَّهْديدِ النَّوَوِيِّ الإيرانِيِّ وَتَضْخيمِ أَثَرِه، وَمَلْءِ نَشَراتِ الأَخْبارِ بِالتَّصْريحاتِ المُتَعَلِّقَةِ بِه، فيما أَضاعَ العَرَبُ فُرْصَةَ جَرِّ النِّقاشِ إلى كُلِّ تَهْديدٍ نَوَوِيٍّ في المِنْطَقَة، بِما في ذَلِكَ التَّهْديدُ الإِسْرائيلِيّ.
تَحَوَّلَتْ إيرانُ إلى العُنْوانِ الأَبْرَزِ لِلْخَطَرِ النَّوَوِيِّ في المِنْطَقَة، فيما تَوارَتْ حَقيقَةٌ أَقَلُّ غُموضًا وَأَكْثَرُ وُضوحًا وَأَشَدُّ خُطورَة، وَهِيَ أَنَّ إِسْرائيلَ هِيَ الدَّوْلَةُ الوَحيدَةُ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ التي تَمْتَلِكُ أَسْلِحَةً نَوَوِيَّةً بِالفِعْل. وَكانَتْ تِلْكَ مُناسَبَةً تَكْفي لِطَرْحِ المِلَفِّ النَّوَوِيِّ الإِسْرائيلِيِّ وَتَدْشينِ حَمَلاتٍ إِعْلامِيَّةٍ وَديبْلوماسِيَّةٍ تَتَكامَلُ فيها الطّاقاتُ العَرَبِيَّة.
فوّت العرب الفرصة لوضع التهديد الإسرائيلي في عربة التهديد النووي الإيراني ذاتها
على مَدى عُقودٍ مِنَ الِاهْتِمامِ الدَّوْلِيِّ بِالمَلَفِّ النَّوَوِيِّ الإيرانِيّ، فاتَ على العَرَب، بَلْ وَعلى الإيرانِيّينَ الّذين يَقولونَ إِنَّهُمْ مَمْنوعونَ مِنْ صِناعَةِ السِّلاحِ النَّوَوِيِّ بِفَتْوى مُلْزِمَة، أَنْ يَضَعوا التَّنازُلاتِ النَّوَوِيَّةَ في مُقابِلِ مُعامَلَةٍ بِالمِثْلِ لِإِسْرائيلَ في مَلَفِّها النَّوَوِيّ. كَما فَوَّتَ العَرَبُ الفُرْصَة، بَيْنَما كانَ العالَمُ يُقَدِّمُ إيرانَ بِوَصْفِها تَهْديدًا نَوَوِيًّا لِجيرانِها، لِوَضْعِ التَّهْديدِ الإِسْرائيلِيِّ في العَرَبَةِ ذاتِها.
تُشيرُ التَّقْديراتُ الدَّوْلِيَّةُ إلى أَنَّ إِسْرائيلَ تَمْتَلِكُ ما بَيْنَ 80 وَ200 رَأْسٍ نَوَوِيّ، إلى جانِبِ وَسائِلِ إِطْلاقٍ مُتَنَوِّعَةٍ تَشْمَلُ الصَّواريخَ الباليسْتِيَّةَ والطّائِراتِ والغَوّاصات.
وَعلى الرَّغْمِ مِنْ سِياسَةِ "الغُموضِ النَّوَوِيِّ" التي تَنْتَهِجُها تَلْ أَبيب، فَإِنَّ العالَمَ بِأَسْرِهِ يُدْرِكُ امْتِلاكَها لِهَذا السِّلاح. كَما تُثْبِتُ شَهاداتُ بَعْضِ قادَتِها العَسْكَرِيّينَ وُجودَ تَهْديداتٍ بِاسْتِخْدامِ السِّلاحِ النَّوَوِيِّ خِلالَ حَرْبِ أُكْتوبَر/تِشْرينَ الأَوَّلِ 1973 لِوَقْفِ العُبورِ المِصْرِيِّ العَظيم، وَكانَ ثَمَنُ هَذَا التَّهْديدِ إِقامَةَ جِسْرٍ جَوِّيٍّ أَميرْكِيٍّ ساعَدَها على تَعْويضِ خَسائِرِها.
وَفي عامِ 1986، كَشَفَ الفَنِّيُّ الإِسْرائيلِيُّ مُرْدَخاي فَعْنونو، الَّذي كانَ يَعْمَلُ في مَفاعِلِ ديمونَة، تَفاصيلَ البَرْنامَجِ النَّوَوِيِّ الإِسْرائيلِيّ، وَنَشَرَ صُوَرًا وَمَعْلوماتٍ أَكَّدَتِ امْتِلاكَ إِسْرائيلَ لِلسِّلاحِ النَّوَوِيّ، فَاخْتَطَفَتْهُ أَجْهِزَةُ الِاسْتِخْباراتِ الإِسْرائيلِيَّة، وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِالسِّجْنِ لِسَنَواتٍ طَويلَة.
وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ إِسْرائيلَ لا تَعْتَرِفُ رَسْمِيًّا بِامْتِلاكِ القُنْبُلَةِ النَّوَوِيَّة، فَإِنَّها لا تَنْفي ذَلِكَ أَيْضًا.. وَهُنا تَكْمُنُ المُفارَقَةُ الكُبْرى.. إيرانُ عُضْوٌ في مُعاهَدَةِ مَنْعِ انْتِشارِ الأَسْلِحَةِ النَّوَوِيَّةِ مُنْذُ عامِ 1970، وَتَخْضَعُ مُنْشَآتُها النَّوَوِيَّةُ لِإِشْرافِ الوَكالَةِ الدَّوْلِيَّةِ لِلطّاقَةِ الذَّرِّيَّة، كَما تَخْضَعُ لِعَمَلِيّاتِ تَفْتيشٍ وَرِقابَةٍ مُسْتَمِرَّة. أَمّا إِسْرائيل، فَهِيَ الدَّوْلَةُ الوَحيدَةُ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ التي تَرْفُضُ الِانْضِمامَ إلى مُعاهَدَةِ مَنْعِ الِانْتِشارِ النَّوَوِيّ، وَتَرْفُضُ إِخْضاعَ مُنْشَآتِها لِأَيِّ تَفْتيشٍ دَوْلِيّ!.
وَبِالتّالِي، فَإِنَّ الدَّوْلَةَ التي تَمْلِكُ السِّلاحَ النَّوَوِيَّ بِالفِعْلِ تَقَعُ خارِجَ النِّظامِ الدَّوْلِيّ، بَيْنَما تَخْضَعُ الدَّوْلَةُ المُتَّهَمَةُ بِالسَّعْيِ إِلَيْهِ لِلرِّقابَةِ والعُقوباتِ والضُّغوط.
دَخَلَتْ مُعاهَدَةُ مَنْعِ انْتِشارِ الأَسْلِحَةِ النَّوَوِيَّةِ حَيِّزَ التَّنْفيذِ عامَ 1970، وانْضَمَّتْ إِلَيْها أَغْلَبُ دُوَلِ العالَم. وَتَقومُ المُعاهَدَةُ على ثَلاثَةِ مَبادِئَ أَساسِيَّة: مَنْعِ انْتِشارِ الأَسْلِحَةِ النَّوَوِيَّة، وَنَزْعِ السِّلاحِ النَّوَوِيِّ تَدْريجِيًّا، وَضَمانِ الِاسْتِخْدامِ السِّلْمِيِّ لِلطّاقَةِ النَّوَوِيَّة.
فشل الخطاب العربي في مقايضة دعم الجهود الغربية لإنهاء التهديد الإيراني بدعم مماثل في الملف النووي الإسرائيلي
وَقَدِ انْضَمَّتْ جَميعُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ تَقْريبًا إلى المُعاهَدَة، كَما انْضَمَّتْ إيران، بَيْنَما بَقِيَتْ إِسْرائيلُ خارِجَها. وَفي عامِ 1974، تَقَدَّمَتْ مِصْرُ بِمُبادَرَةٍ إلى الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ لِإِنْشاءِ مِنْطَقَةٍ خالِيَةٍ مِنَ الأَسْلِحَةِ النَّوَوِيَّةِ في الشَّرْقِ الأَوْسَط. وَفي عامِ 1990، طَوَّرَ الرَّئيسُ المِصْرِيُّ الأَسْبَقُ حُسْني مُبارَك المُبادَرَةَ لِتُصْبِحَ مِنْطَقَةً خالِيَةً مِنْ جَميعِ أَسْلِحَةِ الدَّمارِ الشّامِل، بِما يَشْمَلُ الأَسْلِحَةَ النَّوَوِيَّةَ والكيمْيائِيَّةَ والبِيولوجِيَّة. وَأَصْبَحَتْ هَذِهِ المُبادَرَةُ أَحَدَ الثَّوابِتِ الأَساسِيَّةِ لِلسِّياسَةِ الخارِجِيَّةِ المِصْرِيَّة.
وَعِنْدَما جَرَى تَمْديدُ مُعاهَدَةِ مَنْعِ الِانْتِشارِ النَّوَوِيِّ إلى أَجَلٍ غَيْرِ مُسَمًّى عامَ 1995، تَمَّ اعْتِمادُ قَرارٍ خاصٍّ بِالشَّرْقِ الأَوْسَطِ يَدْعو إلى إِنْشاءِ مِنْطَقَةٍ خالِيَةٍ مِنَ الأَسْلِحَةِ النَّوَوِيَّة. وَكانَ هَذَا القَرارُ جُزْءًا مِنَ التَّوافُقِ الذي وافَقَتْ بِمُوجِبِهِ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ على تَمْديدِ المُعاهَدَة.
لَكِنْ، وَبَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةِ عُقود، ما زالَ القَرارُ مُعَطَّلًا، وَما زالَتْ إِسْرائيلُ خارِجَ المُعاهَدَة، وَفَشِلَ العَرَبُ في مُمارَسَةِ أَيِّ ضَغْطٍ حَقيقِيٍّ في هَذا المِلَفِّ... بَلْ وَلَمْ يوضَعْ ضِمْنَ أَوْلَوِيّاتِ السِّياساتِ العَرَبِيَّة.
كانَ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ تَتَحَوَّلَ الأَزْمَةُ النَّوَوِيَّةُ الإيرانِيَّةُ إلى فُرْصَةٍ عَرَبِيَّةٍ تاريخِيَّة.
فَحينَ مارَسَ الغَرْبُ ضُغوطًا هائِلَةً على طَهْران، كانَ بِإِمْكانِ العَرَبِ أَنْ يَطْرَحوا على مَنْ يَطْلُبونَ دَعْمَهُمْ في تِلْكَ الضُّغوطِ سُؤالًا بَسيطًا: إِذَا كانَ الهَدَفُ مَنْعَ التَّهْديدِ النَّوَوِيّ، فَلِماذا لا يُطَبَّقُ المِعْيارُ نَفْسُهُ على إِسْرائيل؟.
لَكِنَّ الخِطابَ العَرَبِيَّ، في كَثيرٍ مِنَ الأَحْيان، انْجَرَفَ خَلْفَ السَّرْدِيَّةِ الغَرْبِيَّة، وَفَشِلَ في مُقايَضَةِ أَيِّ دَعْمٍ لِلْجُهودِ الغَرْبِيَّةِ والأَميرْكِيَّةِ لِإِنْهاءِ التَّهْديدِ النَّوَوِيِّ الإيرانِيِّ بِدَعْمٍ مُماثِلٍ فيما يَخُصُّ المِلَفَّ النَّوَوِيَّ الإِسْرائيلِيّ.
وَبَدَلًا مِنْ تَحْويلِ القَلَقِ الدَّوْلِيِّ إلى فُرْصَةٍ لِدَعْمِ وَتَعْزيزِ المُبادَرَةِ المِصْرِيَّة، أَصْبَحَ جُزْءٌ مِنَ الخِطابِ العَرَبِيِّ يَفْصِلُ بَيْنَ المِلَفِّ الإيرانِيِّ المُلْتَهِب... والمِلَفِّ الإِسْرائيلِيِّ المَسْكوتِ عَنْه.
الأمن الإقليمي لن يتحقّق بمواصلة الازدواجية والسماح لإسرائيل بالاحتفاظ بترسانتها النووية
إِنَّ امْتِلاكَ دَوْلَةٍ واحِدَةٍ لِلسِّلاحِ النَّوَوِيِّ في مِنْطَقَةٍ تُعاني الحُروبَ والصِّراعاتِ والِاحْتِلالَ يُمَثِّلُ اخْتِلالًا اسْتراتيجِيًّا هائِلًا. فَالِاحْتِكارُ النَّوَوِيُّ الإِسْرائيلِيُّ يَمْنَحُ تَلْ أَبيبَ تَفَوُّقًا مُطْلَقًا، وَيُؤَثِّرُ في مَوازينِ القُوى، وَيُضْعِفُ فُرَصَ إِقامَةِ نِظامٍ إِقْليمِيٍّ مُتَوازِن. كَما أَنَّ اسْتِمْرارَ هَذا الِاحْتِكارِ قَدْ يَدْفَعُ دُوَلًا أُخْرى في المُسْتَقْبَلِ إلى البَحْثِ عَنْ وَسائِلِ رَدْعٍ مُقابِلَة.
إِنَّ الأَمْنَ الإِقْليمِيَّ لَنْ يَتَحَقَّقَ بِمَنْعِ إيرانَ وَحْدَها مِنِ امْتِلاكِ السِّلاحِ النَّوَوِيّ، كَما لَنْ يَتَحَقَّقَ بِمُواصَلَةِ الِازْدِواجِيَّةِ والسَّماحِ لِإِسْرائيلَ بِالِاحْتِفاظِ بِتَرْسانَتِها النَّوَوِيَّةِ خارِجَ القانونِ الدَّوْلِيّ.
هَذا ما يَجِبُ أَنْ يَقولَهُ العَرَبُ لِلْعالَم، وَأَنْ يَضَعوهُ على رَأْسِ أَجنْداتِ حِواراتِهِمْ وَمَباحِثاتِهِمْ وَمُقايَضاتِهِمْ مع مُخْتَلِفِ الأَطْرافِ الفاعِلَةِ في العالَم.
لا تُضَيِّعوا المَزيدَ مِنَ الفُرَص... وَضَعوا النَّوَوِيَّ الإيرانِيَّ والإِسْرائيلِيَّ في سَلَّةٍ واحِدَة!.
(خاص "عروبة 22")

