يُرْجِعُ كَثيرٌ مِنَ الخُبَراءِ انْهِيارَ الأَمْنِ الغِذائِيِّ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، إلى حُزْمَةٍ مِنَ الأَسْبابِ تَتَصَدَّرُها سِلْسِلَةُ الأَزْماتِ الِاقْتِصادِيَّة، فَضْلًا عَنِ اشْتِعالِ النِّزاعاتِ في العَديدِ مِنَ المَناطِق، وَاعْتِمادِ القِلَّةِ الباقِيَةِ مِنْ دُوَلِ العالَمِ العَرَبِيِّ على الِاسْتِيرادِ المُفْرِطِ لِلسِّلَعِ الغِذائِيَّة، لِتَوْفيرِ ما يَقْرُبُ مِنْ 50% مِنْ اِحْتِياجاتِها الغِذائِيَّةِ الأَساسِيَّة، ما يَجْعَلُ هَذِهِ الدُّوَلَ عُرْضَةً لِلصَّدَماتِ وَالتَّقَلُّباتِ في الأَسْواقِ العالَمِيَّة، في ظِلِّ ما يُعانيهِ القِطاعُ الزِّراعِيِّ في العَديدِ مِنْ بُلْدانِ العالَمِ مِنْ نَكَسات.
وَهذا الواقِعٌ سَوْفَ يُلْقي بِظِلالٍ كَثيفَةٍ على الحاصِلاتِ الزِّراعِيَّةِ التي تَتَأَثَّرُ دائِمًا، حَسْبَما يَقولُ الدُّكْتور وَسيم رِزْق الله، أُسْتاذُ الِاقْتِصادِ في مَعْهَدِ طيبَةَ لِلْحاسِبِ وَالعُلومِ الإِدارِيَّة، بِالتَّغَيُّرِ الكَبيرِ في دَرَجاتِ الحَرارَة، سَواءً بِالِارْتِفاعِ أَوِ الِانْخِفاض، ما يُؤَدّي إلى انْخِفاضِ إِنْتاجِيَّةِ بَعْضِ الحاصِلات، وَسْطَ تَوَقُّعاتٍ بِأَنْ تَصِلَ نِسْبَةُ الأَضْرارِ النّاجِمَةِ عَنِ اسْتِمْرارِ تَغَيُّرِ المُناخِ في القِطاعِ الزِّراعِيّ، إلى نِسَبٍ تَفوقُ نَحْوَ 30% مِنْ جُمْلَةِ الإِنْتاجِ على المُسْتَوى العالَمِيّ، بِجُمْلَةِ خَسائِرَ قَدْ تَزيدُ على 61.2 مِلْيارَ دولار، حَسَبَ تَقْديراتِ العَديدِ مِنَ المُنَظَّماتِ الدَّوْلِيَّة.
تَتَصَدَّرُ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ قائِمَةَ المَناطِقِ الأَكْثَرَ عُرْضَةً لِلتَّأْثيراتِ المُحْتَمَلَةِ لِلتَّغَيُّراتِ المُناخِيَّة، على الرَّغْمِ مِنْ مُساهَمَتِها المُتَواضِعَةِ مُقارَنَةً بِغَيْرِها مِنَ الدُّوَلِ الصِّناعِيَّةِ الكُبْرى، بِنِسْبَةٍ قَليلَةٍ مِنِ انْبِعاثاتِ الغازاتِ المُسَبِّبَةِ لِلأَزْمَةِ المُناخِيَّةِ الحالِيَّة، إِذْ لا تَزيدُ نِسْبَةُ الِانْبِعاثاتِ فيها على نَحْوِ 5% مِنْ مَجْموعِ الِانْبِعاثاتِ العالَمِيَّة، لَكِنَّها على ذَلِكَ تُعَدُّ مِنْ أَكْثَرِ المَناطِقِ تَعَرُّضًا لِلتَّأْثيراتِ المُناخِيَّةِ الحادَّة، بَدْءًا مِنِ ازْدِيادِ حِدَّةِ الجَفافِ وَالتَّصَحُّر، فَضْلًا عَنْ شُحِّ المَوارِدِ المائِيَّةِ وَزِيادَةِ مُلوحَةِ المِياهِ الجَوْفِيَّة.

جَميعُ هذه العَوامِلِ سَوْفَ تَلْعَبُ دَوْرًا كَبيرًا في التَّأْثيرِ على مَحاوِرِ الأَمْنِ الغِذائِيِّ العَرَبِيّ، التي لَنْ تَتَوَقَّفَ فَحَسْبُ عِنْدَ حَدِّ تَوافُرِ الغِذاء، وَإِنَّما قَدْ تَمْتَدُّ أَيْضًا إلى إِمْكانِيَّةِ الحُصولِ عَلَيْهِ مُسْتَقْبَلًا، في ظِلِّ الِارْتِفاعِ المُضْطَّرِدِ في أَسْعارِ سوقِ الغِذاءِ العالَمِيّ، الذي سَوْفَ يَشْهَدُ خِلالَ الفَتْرَةِ المُقْبِلَة، حَسْبَما يَقولُ الدُّكْتورُ خالِد أَحْمَد عَبْدُه، أُسْتاذُ الِاقْتِصادِ الزِّراعِيِّ في كُلِّيَّةِ الزِّراعَةِ في جامِعَةِ القاهِرَة، مَوْجاتٍ مُتَتالِيَةً مِنَ الِارْتِفاعاتِ السِّعْرِيَّةِ لِلْعَديدِ مِنَ المَحاصيلِ الزِّراعِيَّةِ بِحُلولِ العامِ 2030، حَيْثُ سَتَزيدُ أَسْعارُ الحُبوبِ بِنِسَبٍ تَصِلُ إلى 7.06% لِلْقَمْح، وَ9.40% لِلأَرُز. كَما سَتَشْهَدُ اللُّحومُ الحَمْراءُ زِيادَةً قَدْ تَصِلُ إلى 12.90% ومَجْموعَةُ الزُّيوتِ بِنِسْبَةِ 21.10% والسُّكَّرُ بِنَحْوِ 7.69%، وَسْطَ تَوَقُّعاتٍ بِأَنْ يَمْتَدَّ الأَمْرُ إلى قِطاعِ الطّاقَةِ بِارْتِفاعاتٍ في أَسْعارِ الغازِ الطَّبيعِيِّ بِنِسْبَةِ 33.60% والبِتْرولِ بِنَحْوِ 16.32%، بَيْنَما سَيَزْدادُ سِعْرُ اليورْيا كَسِلْعَةٍ تَصْديرِيَّةٍ بِنِسْبَةٍ تَصِلُ إلى 13.58%.
تَمْتَدُّ بُلْدانُ العالَمِ العَرَبِيِّ على مِساحَةٍ تَزيدُ على 14 مِلْيونَ كيلومِتْرٍ مُرَبَّع، تَتَوَزَّعُ عَبْرَ 22 دَوْلَةً في قارَّتَيْ آسْيا وَأَفْريقْيا، مِنْ خِلالِ خَمْسَةِ أَقاليمَ بيئِيَّةٍ مُناخِيَّة، تَتَبايَنُ فيها نِسَبُ هُطولِ الأَمْطار، لَكِنَّ المُحَصِّلَةَ النِّهائِيَّةَ تَقولُ بِأَنَّ أَكْثَرَ مِنْ %80 مِنَ المِساحَةِ الإِجْمالِيَّةِ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ، تُعاني مِنْ قِلَّةِ الأَمْطارِ التي لا تَزيدُ على 100 مِلّيمِتْرٍ سَنَوِيًّا، ما يَضَعُ مُعْظَمَ بُلْدانِ العالَمِ العَرَبِيِّ على رَأْسِ قائِمَةِ المَناطِقِ القاحِلَةِ أَوْ شِبْهِ القاحِلَة، التي تُعاني مِنَ الجَفافِ المُسْتَمِرّ، وَهُوَ ما يَنْعَكِسُ بِصورَةٍ سَلْبِيَّةٍ للغايَةِ على الإِنْتاجِ الزِّراعِيِّ العَرَبِيِّ نَتيجَةً لِمَحْدودِيَّةِ المَوارِدِ المائِيَّة، حَيْثُ تَسودُ الزِّراعَةُ المَطَرِيَّةُ في أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةِ أَرْباعِ مِساحَةِ الأَراضي الزِّراعِيَّةِ العَرَبِيَّةِ التي تُقَدَّرُ بِنَحْوِ %63 مِنْ مِساحَةِ الأَراضي القابِلَةِ لِلزِّراعَة، وَهُوَ ما سَوْفَ يُلْقي بِظِلالٍ كَثيفَةٍ على المُجْتَمَعِ العَرَبِيِّ مَعَ بِداياتِ العامِ 2050، في ظِلِّ تَوَقُّعاتٍ بِانْخِفاضٍ كَبيرٍ في هُطولِ الأَمْطار، وَارْتِفاعٍ كَبيرٍ في دَرَجاتِ الحَرارَةِ خُصوصًا في مِنْطَقَةِ البَحْرِ المُتَوَسِّطِ التي تَدْعَمُ نَحْوَ %80 مِنَ الإِنْتاجِ الغِذائِيِّ العَرَبِيّ، الأَمْرُ الذي قَدْ يُؤَدّي إلى انْخِفاضٍ كَبيرٍ في إِنْتاجِيَّةِ بَعْضِ المَحاصيل، وَهُوَ ما باتَ يَفْرِضُ على العَديدِ مِنْ بُلْدانِ العالَمِ العَرَبِيّ، سُرْعَةَ العَمَلِ على التَّكَيُّفِ مَعَ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ الحاصِلَة، عَبْرَ ابْتِكارِ وَسائِلَ جَديدَةٍ لِحِمايَةِ المَوَارِدِ الطَّبيعِيَّةِ وَاسْتِخْدامِها بِكَفاءَة، بَلْ وَالعَمَلِ أَيْضًا، حَسْبَما تَقولُ الدُّكْتورَةُ رانْيا عَبْد الله السَّعيد، المُدَرِّسَةُ في قِسْمِ السِّياساتِ الزِّراعِيَّةِ وَتَقْييمِ المَشْروعات، في مَعْهَدِ بُحوثِ الِاقْتِصادِ الزِّراعِيِّ في مِصْر، مِنْ أَجْلِ تَحْقيقِ التَّوازُنِ بَيْنِ حِمايَةِ النُّظُمِ الإيكولوجِيَّةِ الزِّراعِيَّةِ العَرَبِيَّة، وَتَلْبِيَةِ احْتِياجاتِ المُجْتَمَعِ المُتَزايِدَةِ لِإِنْتاجِ الغِذاء، عَبْرَ وَضْعِ العَديدِ مِنَ النَّظَرِياتِ البيئِيَّةِ مَوْضِعَ التَّنْفيذ، في دِراسَةِ وَإِدارَةِ النُّظُمِ الزِّراعِيَّة، بُغْيَةَ تَطْويعِها لِتُصْبِحَ أَعْلى إِنْتاجِيَّةً وَأَكْثَرَ قُدْرَةً على صَوْنِ المَوارِدِ الطَّبيعِيَّةِ في ظِلِّ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّة.

يَنْظُرُ كَثيرٌ مِنَ الخُبَراءِ إلى ما يُعْرَفُ بِالزِّراعَةِ الذَّكِيَّةِ مُناخِيًّا، بِاعْتِبارِها السَّبيلَ الوَحيدَ لِمُواجَهَةِ أَشْباحِ الجوعِ التي باتَتْ تُهَدِّدُ العالَمَ العَرَبِيَّ خِلالَ العُقودِ الثَّلاثَةِ المُقْبِلَة، وَيَرى هَؤُلاءُ أَنَّهُ لا بَديلَ أَمامَ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، سِوى مَزيدٍ مِنَ الِاسْتِثْمارِ في مَجالاتِ التِّكْنولوجْيا الزِّراعِيَّة، وَسُرْعَةِ العَمَلِ على مُعالَجَةِ قَضايا نُدْرَةِ المِياهِ العَذْبَةِ وَالتَّصَحُّرِ في كَثيرٍ مِنَ الأَصْقاع، وَجَميعُها مِنْ أَبْرَزِ الأَسْبابِ التي تَلْعَبُ دَوْرًا كَبيرًا في تَدَهْوُرِ المَحاصيلِ الزِّراعِيَّةِ وَتَدْميرِ سُبُلِ الحَياة!.
(خاص "عروبة 22")

