تَتَّسِعُ فَداحَةُ هَذِهِ الإشْكاليَّةِ اليَوْمَ مع تَطَوُّرِ اسْتِخْدامِ وَسائِلِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، والاعْتِمادِ على حِساباتِها التي مِنْ شَأْنِها أنْ تُقَدِّمَ الجَديدَ في كُلِّ مَرَّةٍ تَتَلَقّى طَلَبًا أوْ تَلْقينًا (prompt) جَديدًا مِنْ مُسْتَخْدِمٍ يَبْتَغي إنْجازَ مُهِمَّةٍ. الآلاتُ يُمْكِنُها إنْتاجُ الجَديدِ بِكَثافَةٍ هائِلَة، لكنَّ السُّؤالَ الذي يَفْرِضُ نَفْسَهُ على مُسْتَوى الكَيْنونَةِ البَشَرِيَّةِ الحُضورِيَّةِ هُوَ: هَلْ هَذا الجَديدُ المُنْتَجُ يَرْقى إلى مُسْتَوى التَّجْديدِ الذي يَنْبَعِثُ اسْتِجابَةً لِتَحَدِّياتِ الاعترافِ والمَسْؤولِيَّة؟ هلْ نَجَمَ هَذا العَمَلُ الجَديدُ عنْ حِوارٍ دارَ بَيْنَ الإنْسانِ وَذاتِه، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ إنسانٍ آخَر، أو بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَوْن، أم عنْ إعْطاءِ أوامرَ لِلآلَة، خالِيَةٍ مِن تَجْريبِ الفِكْرَةِ قَبْلَ نُطْقِها؟.
إنَّ الحِوارَ الذي نَعْنيه هُوَ الذي لا يُمْكِنُ حُدوثُهُ بِلَمْحِ البَصَر، بَلْ يَحْتاجُ إلى تَدَبُّرٍ وتَبَصُّرٍ وتَرَوٍّ ومُعالَجَةٍ لِلنَّظَرِ عَيْنِه، أمّا بَثُّ المَعْلوماتِ بَعْدَ أمْرِ الآلةِ بِتَوْجيهٍ أو بِتَلْقينٍ فَيُؤَدّي إلى اسْتِعارَةِ الذِّهْنِ مِن خارِجِ العَقْل، أي إلى إخْلاءِ حَيِّزِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ مِن رِحْلَةِ التَّفْكيرِ إلى الظُّهورِ العَمَلِيِّ الواقِعِيِّ المُشاهَد.
لا يمكن ضمان استمرار سيادة الإنسان في العالم إذا ما خضع لحالة صناعة المحتوى
ولَئِنْ كانَ الفَهْمُ السّائِدُ لِلتَّجْديدِ يَبْدَأُ عِنْدَ المُتَلَقّينَ مِنَ المَشْهَدِ الجَديدِ نَفْسِهِ في الواقِع، فَإِنَّ البَحْثَ في شُروطِ تَكْوينِ هَذا المَشْهَدِ وفي مُمْكِناتِهِ التي ظَهَرَت تَأْويلًا اجْتِماعِيًّا مَعيشًا لِلأفْكارِ المُضْمَرَةِ المُوَلِّدَةِ لَه، يُفْسِحُ إمْكاناتِ اسْتِئْنافِ دَوامِيَّتِهِ أو تَجاوُزِ حُضورِهِ رَبْطًا بِفِعْلٍ إرادِيٍّ واعٍ. وَهَذا التَّمكُّنُ في تَظْهيرِ سِيادَةِ الإنْسانِ في العالَمِ هو ما لا يُمكِنُ ضَمانُ استِمرارِهِ إذا ما خَضَعَ الإنسانُ لِحالَةِ صِناعَةِ المُحتوى فَحَسْب، بِحَيْثُ يَؤولُ بِهِ الحالُ إلى أنْ يُصْبِحَ مُديرَ أعْمالِ الآلاتِ ومُنْتَجاتِها وإعادَةِ تَوْزيعِها لِفُرَصِ الهَيْمَنَةِ وَالسُّلْطَة، بِحَسَبِ البَراعَةِ في اسْتِخْدامِها وتَوْظيفِها في إقْصاءِ الإراداتِ الأُخْرى المُؤَثِّرَةِ في تَجْديدِ العالَم. وأهَمُّ هَذِهِ الإراداتِ المُؤَثِّرَةِ هي الإرادَةُ الخَيِّرَةُ في التَّفْكير، تِلْكَ الَّتي تَدْمِجُ الذّاتَ بِالحَدَث.
إنَّ الواقِعَ يَنْبَغي أن يَبْقى قَيْدَ التَّصَرُّفِ البَشَرِيِّ في تَعْديلِ حَوادِثِهِ نَحْوَ الخَيْرِيَّة، وإلّا صارَ هُوَ المُسَيْطِرَ على الإنْسان، بِما يُتيحُ سَدَّ الأُفُقِ أمامَ العَيْشِ الأخْلاقِيِّ الهَنِيءِ في العالَم.
لَقَد صارَتِ الحُروبُ غَيْرَ مُرْتَبِطَةٍ بِقِيَمِ صَوْنِ كَرامَةِ الإنْسان، بَلْ بِاسْتِخْدامِ أكْثَرِ الأسْلِحَةِ فَتْكًا وتَدْميرًا، وَذَلِكَ لإظْهارِ القُوَّةِ والهَيْمَنَةِ بِسُرْعَةٍ تَتَحَدَّدُ بِموجَبِها القُدْرَةُ على الإمْساكِ بِالأسْواقِ العالَمِيَّة، بِغَضِّ النَّظَرِ عن إنْسانِ المَكان. المَكانُ صارَ سوقًا فَقَط، وكائِناتُ السّوقِ زَبائِن!.
وبِما أَنَّ التَّجْديدَ لا يَأْتي بِالتَّقْليدِ واتِّباعِ القَديم، بَلْ بالانْخِراطِ في الحِوارِ وَتَجْريبِ الفَهْمِ لِلحَدَثِ الرّاهِن، فَإِنَّ مَظْهَرَ التَّجْديدِ الحَقيقِيِّ لا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ داخِلَ أشْكالٍ نَمَطِيَّةٍ جاهِزَة، تُحَدِّدُ مُسْبَقًا مَجالَ التَّفْكيرِ وَكَيْفِيَّةَ التَّداوُلِ بِالأفْكار. إنَّ هَذا الفِعْلَ لَيْسَ سِوى إعادَةِ إنْتاجِ عَلاقاتِ الهَيْمَنَةِ لِطَبَقَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ جَديدَة، هِيَ طَبَقَةُ التِّقنِيينَ الجُدُد. هَذِهِ الطَّبَقَةُ الَّتي تُغْري بِطَريقَةِ إدارتِها لِلأفْكارِ المُتَداوَلَةِ أصْلًا أصْحابَ رُؤوسِ الأمْوالِ والشَّرِكاتِ العِمْلاقَة، بِما يُتيحُ لَها الهَيْمَنَةَ على الاقْتِصادِ والسِّياسَة، وَهِيَ بِذَلِكَ تُقْصي طَبَقَةَ المُفَكِّرينَ الأحْرارِ غَيْرِ المُنَمَّطينَ ضِمْنَ المَدِّ الإيدْيولوجِيِّ التِّقْنِيّ، لِتُخْليَ الجَوَّ لِطَبَقَةِ صُنّاعِ المُحْتَوى في تَصَدُّرِ مَشْهَدِيَّةِ التَّأْثيرِ والتَّغْيير.
الإنسان ليس وسيطًا بين الآلة والكون بل الآلة هي الوسيط
إنَّ ما لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ صِناعَةُ المُحْتَوى هو فَتْحُ فَضاءاتِ التَّلاقي بَينَ الذَّواتِ الحُرَّةِ التي تَعْتَرِفُ بالآخَرِ شَريكًا في إنْتاجِ المَعْنى، وَلَيْسَ في تَسْويقِ المَعْنى الدّارِجِ فَحَسْب. إنَّ الآخَرَ لَيْسَ وَسيلَةَ تَجْريبِ الأفْكارِ الجاهِزَةِ النّاجِمَةِ عَنِ الإغْلاقِ القَصْدِيِّ لِمُمْكِناتِ العَلاقاتِ البَشَريَّةِ الحُرَّة، بِحُجَّةِ اسْتِخْدامِ الوَسائِلِ الأسْرَعِ الَّتي تُفيدُ نَمَطَ الإنْتاجِ الاقْتِصادِيِّ القائِم. ذَلِكَ أَنَّ التَّشْبيكَ المَعْرِفِيَّ وِفْقَ مُخْرَجاتِ وَسائِلِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ اليَوْمَ هُوَ النِّظامُ السِّياسِيُّ العالَمِيُّ الجَديد، الذي يُعَزِّزُ فُرَصَ العُزلَةِ أمامَ الفَرْد، بِحَيْثُ يَظُنُّ أَنَّ تَواصُلَهُ الافْتِراضِيَّ يَكْفيهِ حَتّى يَفْهَمَ الإنْسانَ بِما هو إنْسان. غَيْرَ أَنَّهُ في الحَقيقَةِ يُصْبِحُ كائِنًا يَسْتَهْلِكُ الفِكْرَ المَوْجودَ بِجُمودٍ يَحْفَظُ الجَرْيَ خَلْفَ المَفاهيمِ المُتَداوَلَةِ بَدَلَ التَّفْكيرِ بِتَعْديلِها، وهذا ما لا يَحْتاجُ فيهِ الفَرْدُ إلى الآخَر، لِذا يَنْفَرِدُ بِذاتِهِ وهو مَوْهومٌ بِأَنَّهُ كائِنٌ تَواصُليّ.
لِذا فَإِنَّ اسْتِعادَةَ أنْطولوجْيا الكائِنِ المُفَكِّرِ لَيْسَتْ مَسْأَلَةً بَسيطَةً في مُجْتَمَعاتِ السَّذاجَةِ التَّفاعُلِيَّةِ مع التَّطَوُّرِ العِلْمِيِّ الرّاهِن. ذَلِكَ أَنَّ الحاجَةَ اليَوْمَ إلى التَّأْسيسِ القِيَمِيِّ لِلفَهْمِ العَلائِقِيِّ تُبْنى داخِلَ حَيْثِيَّةٍ تُعيدُ الاعْتِبارَ إلى مَفاهيمِ الاعْتِرافِ والمَسْؤولِيَّة، بِحَيْثُ تَنْفَتِحُ داخِلَ الفَضاءِ التَّواصُلِيِّ النّاشِبِ بَيْنَ الإنْسانِ ومُحيطِهِ مُمْكِناتُ التَّأْويلِ الفَلْسَفِيِّ لِلتَّجْديد. فالإنْسانُ لَيْسَ وَسيطًا بَيْنَ الآلَةِ والكَوْن، بَلْ الآلَةُ هِيَ الوَسيط، لِذا مِنَ الجَدارَةِ العُبورُ قِيَمِيًّا أثْناءَ تَوْظيفِ الآلَةِ لِخِدْمَةِ الفِكْر، بِحَيْثُ يَكونُ العابِرُ إلى الجِهَةِ الأُخْرى التي ما بَعْدَ الآلَةِ هُوَ الإنْسانُ نَفْسُه. عَلَيْنا أَنْ نَرى أَثَرَ الإرادَةِ في تَعَقُّلِ كُلِّ شَيْءٍ، حَتّى يَكونَ لِلتَّفْكيرِ قيمَة.
(خاص "عروبة 22")

