بصمات

المُواطَنَةُ وَالانْدِماجُ الاجتِماعِيُّ في العالَمِ العَرَبي! بَينَ التَّعَثُّرِ البُنْيَوِيِّ وَإِمكاناتِ التَّحَقُّق

أَصْبَحَ مَوْضوعُ المُواطَنَةِ وَمَسْأَلَةُ الِانْدِماجِ الِاجْتِماعِيِّ مِنْ أَكْثَرِ القَضايا الفَلْسَفِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ وَالِاجْتِماعِيَّةِ إِثارَةً لِلنِّقاشِ وَالبَحْثِ على المُسْتَوَياتِ الوَطَنِيَّةِ وَالعَرَبِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّة، وَذَلِكَ في ظِلِّ التَّحَوُّلاتِ الكُبْرى التي شَهِدَها العالَمُ خِلالَ العُقودِ الأَخيرَة، خاصَّةً مع تَنامي ظَواهِرِ الإِرْهابِ وَالهِجْرَةِ غَيْرِ النِّظامِيَّة، فَضْلًا عَنْ بُروزِ مُشْكِلاتٍ ذاتِ أَبْعادٍ عِرْقِيَّةٍ وَدينِيَّةٍ وَطائِفِيَّةٍ في العَديدِ مِنْ مَناطِقِ العالَم.

المُواطَنَةُ وَالانْدِماجُ الاجتِماعِيُّ في العالَمِ العَرَبي! 
بَينَ التَّعَثُّرِ البُنْيَوِيِّ وَإِمكاناتِ التَّحَقُّق

في السِّياقِ العَرَبِيّ، شَهِدَتْ دُوَلٌ عِدَّةٌ عَوْدَةً قَوِيَّةً لِلنَّزَعاتِ الطّائِفيةِ وَالإِثْنِيَّةِ وَالقَبَلِيَّة، في الوَقْتِ الذي تَحَوَّلَتْ فيهِ المُطالَبَةُ بِالمُواطَنَةِ إلى أَحَدِ أَبْرَزِ الشِّعاراتِ المُشْتَرَكَةِ التي رَفَعَتْها الحَرَكاتُ الِاحْتِجاجِيَّةُ وَالإِصْلاحِيَّة. تَمامًا مِثْلَما عَرَفَتْ مَنْظومَةُ الحُقوقِ السِّياسِيَّةِ وَالِاجْتِماعِيَّةِ وَالإِنْسانِيَّةِ تَوَسُّعًا مَلْحوظًا، سَواءٌ على مُسْتَوى التَّشْريعاتِ أَوِ الخِطاباتِ الرَّسْمِيَّةِ وَالمَدَنِيَّة.

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَهَمِّيَّةِ مَفْهومَيِّ المُواطَنَةِ وَالِانْدِماجِ الِاجْتِماعِيّ، فَإِنَّهُما لَمْ يَحْظَيا بِتَأْصيلٍ نَظَرِيٍّ وَتَطْبيقِيٍّ عَميقٍ في الفِكْرِ العَرَبِيِّ إِلّا بِصورَةٍ جُزْئِيَّةٍ وَمُتَأَخِّرَة. إِذْ ظَلَّتْ دَلالَةُ مَفْهومِ المُواطَنَةِ في الثَّقافَةِ العَرَبِيَّةِ مُخْتَلِفَةً تاريخِيًّا وَاجْتِماعِيًّا وَفَلسَفِيًّا عَنْ دَلالَتِهِ في الفِكْرِ الغَرْبِيِّ الحَديث. وَقَدْ أَفْضى هَذا التَّبايُنُ التّاريخِيُّ وَالفِكْرِيُّ إلى اسْتِمْرارِ الجَدَلِ حَوْلَ قابِلِيَّةِ مَفْهومِ المُواطَنَةِ في الواقِعِ العَرَبِيّ.

تعثُّر الانتقال إلى الحداثة في العالم العربي يرتبط بطبيعة النخب الحاكمة التي قاومت توسيع المجال الديموقراطي

بَرَزَتِ الحاجَةُ إلى تَرْسيخِ المُواطَنَةِ في العالَمِ العَرَبِيِّ مع حُصولِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ على اسْتِقْلالِها وَتَشَكُّلِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ الحَديثَة. غَيْرَ أَنَّ هَذا المَسارَ واجَهَ إِشْكالاتٍ عَديدَة، مِنْ بَيْنِها قَضِيَّةُ الأَقَلِّيّات، وَالنَّزَعاتُ الجِهَوِيَّةُ وَالقَبَلِيَّةُ وَالعَشائِرِيَّة، الأَمْرُ الذي جَعَلَ بَعْضَ الكِياناتِ السِّياسِيَّةِ عُرْضَةً لِلتَّفَكُّكِ أَوِ الِانْقِسام، خاصَّةً مع اسْتِفْحالِ الأَزْماتِ السِّياسِيَّةِ وَالِاقْتِصادِيَّةِ وَالِاجْتِماعِيَّةِ وَالأَمْنِيَّةِ التي ساهَمَتْ في تَعْميقِ هَذِهِ الظَّواهِر، وَأَضْعَفَتِ الشُّعورَ بِالِانْتِماءِ الوَطَنِيِّ لَدى فِئاتٍ واسِعَةٍ مِنَ السُّكّان، وَفَتَحَتِ المَجالَ أَمامَ تَزايدِ التَّدَخُّلاتِ الخارِجِيَّة. غَيْرَ أَنَّ تَعَثُّرَ الِانْتِقالِ إلى الحَداثَةِ في العالَمِ العَرَبِيِّ لا يَعود، في الواقِع، إلى عَوامِلَ ثَقافِيَّةٍ أَوِ اجْتِماعِيَّةٍ فَحَسْب، بَل يَرْتَبِطُ أَيْضًا بِطَبيعَةِ النُّخَبِ الحاكِمَةِ التي قاومَت، في كَثيرٍ مِنَ الأَحْيان، تَوْسيعَ المَجالِ الدّيموقْراطِيِّ وَتَرْسيخَ التَّداوُلِ السِّلْمِيِّ على السُّلطَة.

وَلَكِنْ إلى أَيِّ مَدًى اسْتَطاعَتِ البُنى الثَّقافِيَّةُ وَالِاجْتِماعِيَّةُ السّائِدَةُ في المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ اسْتِيعابَ مَبْدَأ المُواطَنَةِ وَالتَّفاعُلَ مَعَهُ وَتَحْويلَهُ إلى مُمارَسَةٍ اجْتِماعِيَّةٍ وَسِياسِيَّةٍ فِعْلِيَّة؟.

لَقَدِ ارْتَبَطَتِ المُواطَنَة، شَأْنُها شَأْن الدّيموقْراطِيَّة، بِأَشْكالٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الرّيبَةِ وَالِالتِباس، نَتيجَةَ التَّوَتُّرِ القائِمِ بَيْنَ المَرْجِعِيّاتِ التَّقْليدِيَّةِ وَمُتَطَلَّباتِ الدَّوْلَةِ الحَديثَة، وَيَعودُ ذَلِكَ جُزْئِيًّا إلى النَّظَرِ إِلَيْها بِاعْتِبارِها مَفاهيمَ وافِدَةً مِنَ الغَرْب، وَإلى اسْتِمْرارِ هَيْمَنَةِ المَرْجِعِيّاتِ التَّقْليدِيَّةِ وَالدّينِيَّةِ على المَجالِ السِّياسِيِّ وَالِاجْتِماعِيّ. وَقَدْ ساهَمَ هَذا الوَضْعُ في تَكْريسِ نَوْعٍ مِنَ الِازْدِواجِيَّةِ بَيْنَ فَضاءٍ تَقْليدِيٍّ مُحافِظٍ يَسْتَنِدُ إلى المَرْجِعِيَّةِ الدّينِيَّة، وَفَضاءٍ حَداثِيٍّ نُخْبَوِيٍّ ظَلَّ مَحْدودَ التَّأْثيرِ المُجْتَمَعِيّ، وَهُوَ ما مَثَّلَ أَحَدَ عَوامِلِ إِعاقَةِ تَرْسيخِ الثَّقافَةِ الدّيموقْراطِيَّةِ وَتَعْزيزِ قِيَمِ المُواطَنَة.

التجربة الأوروبية تُقدّم مثالًا على الترابط بين التحوّلات الاقتصادية الكبرى والتحوّلات الفكرية والسياسية

وَلا يَبْدو أَنَّ بِناءَ مَشْروعٍ حَداثِيٍّ قائِمٍ على المُواطَنَةِ مُمْكِنٌ مِنْ دونِ نَهْضَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ شامِلَة، وَإِصْلاحٍ ثَقافِيٍّ وَفِكْرِيٍّ عَميقٍ يُعيدُ النَّظَرَ في البُنى التَّقْليدِيَّةِ وَيُؤَسِّسُ لِقِيَمِ الحُرِّيَّةِ وَالعَقْلِ وَسِيادَةِ القانون. وَمع مُراعاةِ اخْتِلافِ السِّياقاتِ التّاريخِيَّةِ وَالحَضارِيَّة، يُمْكِنُ أَنْ تُقَدِّمَ التَّجْرِبَةُ الأوروبِّيَّةُ مِثالًا على التَّرابُطِ بَيْنَ التَّحَوُّلاتِ الِاقْتِصادِيَّةِ الكُبْرى وَالتَّحَوُّلاتِ الفِكْرِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ التي أَفْضَتْ إلى ميلادِ الحَداثَةِ وَتَرْسيخِ حُقوقِ الإِنْسانِ وَالمُواطِن.

وَفي مُوازاةِ ذَلِكَ تَظَلُّ المُجْتَمَعاتُ العَرَبِيَّةُ في حاجَةٍ إلى مَشْروعٍ تَنْويرِيٍّ شامِلٍ يَقومُ على مُراجَعَةِ التُّراث، وَبِناءِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ الحَديثَة، وَتَرْسيخِ الدّيموقْراطِيَّةِ وَسِيادَةِ القانون، وَصِياغَةِ عَقْدٍ اجْتِماعِيٍّ جَديدٍ يُؤَسِّسُ لِلمُواطَنَةِ الكامِلَة. غَيْرَ أَنَّ السُّؤالَ الجَوْهَرِيَّ يَظَلُّ قائِمًا: هَل يُمْكِنُ تَرْسيخُ فَلْسَفَةٍ لِلمُواطَنَةِ في ظِلِّ واقِعٍ عَرَبِيٍّ تَتَنازَعُهُ الِانْقِساماتُ السِّياسِيَّةُ وَالِاجْتِماعِيَّةُ وَالثَّقافِيَّةُ الحادَّة، وَتَتَداخَلُ فيهِ العَوامِلُ الدّاخِلِيَّةُ مع التَّأْثيراتِ الخارِجِيَّة؟ ذَلِكَ هُوَ التَّحَدّي الحَقيقِيُّ الذي يُواجِهُ مَشْروعَ المُواطَنَةِ في العالَمِ العَرَبِيِّ اليَوْم.

لا تَبْدو أَزْمَةُ المُواطَنَةِ مُجَرَّدَ أَزْمَةٍ قانونِيَّةٍ أَوْ دُسْتورِيَّة، بَل هِيَ أَزْمَةٌ تاريخِيَّةٌ وَبُنْيَوِيَّةٌ تَتَداخَلُ فيها العَوامِلُ السِّياسِيَّةُ وَالِاقْتِصادِيَّةُ وَالِاجْتِماعِيَّةُ وَالثَّقافِيَّة. فَالدَّوْلَةُ الوَطَنِيَّةُ العَرَبِيَّةُ لَمْ تَنْجَح، بِدَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ مِنْ بَلَدٍ إلى آخَر، في بِناءِ فَضاءٍ عُمومِيٍّ قائِمٍ على المُساواةِ الكامِلَةِ بَيْنَ المُواطِنين، كَما لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنِ اسْتيعابِ التَّعَدُّدِيَّةِ العِرْقِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ وَالدّينِيَّةِ ضِمْنَ إِطارٍ وَطَنِيٍّ جامِع. وَقَدْ ساهَمَتْ هَشاشَةُ التَّنْمِيَة، وَضَعْفُ المُشارَكَةِ السِّياسِيَّة، وَاسْتِمْرارُ أَنْماطِ الحُكْمِ السُّلطَوِيَّة، في تَعْميقِ مَشاعِرِ الإِقْصاءِ وَتَغْذِيَةِ الوَلاءاتِ التَّحْتِيَّة.

غَيْرَ أَنَّ هَذا التَّشْخيصَ لا يَقودُ بِالضَّرورَةِ إلى القَوْلِ بِاسْتِحالَةِ المُواطَنَةِ في العالَمِ العَرَبِيّ، بِقَدْرِ ما يَدْفَعُ إلى الحَديثِ عَنْ تَعَثُّرِها التّاريخِيِّ وَصُعوبَةِ تَجْسيدِها في الواقِع. فَالتَّفاوُتُ الكَبيرُ بَيْنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ مَساراتُ تَشَكُّلِ الدَّوْلَة، وَطَبيعَةُ النُّظُمِ السِّياسِيَّة، وَمُسْتَوَياتُ التَّنْمِيَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ وَالِاجْتِماعِيَّة، يَجْعَلُ مِنَ الصَّعْبِ الحَديثَ عَنْ نَموذَجٍ عَرَبِيٍّ واحِد، أَوْ عَنْ مَصيرٍ واحِدٍ لِلمُواطَنَةِ في المِنْطَقَة.

تحقيق شروط بناء المواطَنة يظلّ مرتبطًا بمدى تحرُّر القرار الوطني من مختلف أشكال التبعية والارتهان الخارجي

وَفي هَذا السِّياق، تَظَلُّ الأُطْروحَاتُ التَّنْويرِيَّةُ التي دَعَتْ إلى تَجاوُزِ الِازْدِواجِيَّةِ بَيْنَ البُنى التَّقْليدِيَّةِ وَالمُؤَسَّساتِ الحَديثَة، كَما نَجِدُها لَدى عَبْدِ اللهِ العَرَوِي، ذاتَ أَهَمِّيَّةٍ نَظَرِيَّةٍ كَبيرَة. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ التَّجارِبِ العَرَبِيَّةِ أَظْهَرَتْ أَنَّ التَّحْديثَ القانونِيَّ وَالمُؤَسَّساتِيّ، مَهْما بَلَغَتْ أَهَمِّيَّتُه، لا يَكْفي وَحْدَهُ لِتَرْسيخِ ثَقافَةِ المُواطَنَةِ ما لَمْ يُصاحِبْهُ تَحَوُّلٌ عَميقٌ في البُنى الِاجْتِماعِيَّةِ وَالثَّقافِيَّة، وَفي طَبيعَةِ العَلاقَةِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَع.

وَيَظَلُّ بِناءُ المُواطَنَةِ رَهينَ إِقامَةِ دَوْلَةِ القانون، وَتَعْزيزِ اسْتِقْلالِ المُؤَسَّسات، وَتَوْسيعِ فَضاءاتِ الحُرِّيَّةِ وَالمُشارَكَةِ السِّياسِيَّة، وَإِرْساءِ تَنْمِيَةٍ عادِلَةٍ وَشامِلَة، مع الأَخْذِ بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ أَنَّ تَحْقيقَ هَذِهِ الشُّروطِ يَظَلُّ بِدَوْرِهِ مُرْتَبِطًا بِقُدْرَةِ النُّخَبِ السِّياسِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ على تَجاوُزِ حِساباتِها الضَّيِّقَة، وَبِمَدى تَحَرُّرِ القَرارِ الوَطَنِيِّ مِنْ مُخْتَلِفِ أَشْكالِ التَّبَعِيَّةِ وَالِارْتِهانِ الخارِجِيّ.

لِذَلِكَ، فَإِنَّ السُّؤالَ المَطْروحَ اليَوْمَ لَيْسَ ما إِذا كانَتِ المُواطَنَةُ مُمْكِنَةً أَوْ مُسْتَحيلَةً في العالَمِ العَرَبِيّ، بَل ما هِيَ الشُّروطُ التّاريخِيَّةُ وَالسِّياسِيَّةُ وَالثَّقافِيَّةُ الكَفيلَةُ بِتَحْويلِها مِنْ مَبْدَأٍ دُسْتورِيٍّ مُجَرَّدٍ إلى واقِعٍ اجْتِماعِيٍّ مُعاش؟ فَبَيْنَ الِاسْتِحالَةِ النَّظَرِيَّةِ وَالإِمْكانِ التّاريخِيّ، تَظَلُّ المُواطَنَةُ مَشْروعًا مَفْتوحًا على الصِّراعِ وَالحِوارِ وَإِعادَةِ البِناء.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن