النفط ومستقبل الطاقة

الانبِعاثُ الكَرْبوني!

يُعْتَبَرُ مَوْضوعُ خَفْضِ الانْبِعاثِ الكَرْبونِيِّ مِنْ بَيْنِ القَضايا البيئِيَّةِ التي تَخَطَّتِ اهْتِمامَ العُلَماءِ وَالخُبَراءِ لِتُصْبِحَ مِنْ أَبْرَزِ القَضايا المُثارَةِ في الفَلْسَفَةِ المُعاصِرَةِ وَعِلْمِ الأَخْلاق. لَكِنَّ هَذا الاهْتِمامَ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَوْقِعًا في السُّؤالِ الفَلْسَفِيِّ وَالأَخْلاقِيِّ العَرَبِيّ. وَالحالُ أَنَّ المِنْطَقَةَ العَرَبِيَّةَ تَعيشُ تَحَدِّياتٍ بيئِيَّةً خَطيرَةً نَتيجَةً لِتَغَيُّرِ المُناخِ وَتَأَخُّرِ التَّنْمِيَةِ الاقْتِصادِيَّةِ وَالإِلِكْترونِيَّة.

الانبِعاثُ الكَرْبوني!

لَئِنْ كانَ التَّحَدّي العَرَبِيُّ اليَوْمَ يَكْمُنُ في الانْتِقالِ إِلى اقْتِصادٍ مُنْخَفِضِ الكَرْبون، فَإِنَّ الحَوْكَمَةَ التِّقْنِيَّةَ وَحْدَها لا تَكْفي لِحَلِّ إِشْكالِيّاتِ التَّنْمِيَةِ وَتَعْقيداتها وَتَحَدِّياتِ المُسْتَقْبَل.

لِذَلِكَ يُعْتَبَرُ التَّحْليلُ الفَلْسَفِيُّ وَالأَخْلاقِيُّ هُنا مَدْخَلًا مُؤَسِّسًا، مِنْ بابِ المُقارَبَةِ الشُّمولِيَّة، لإيجادِ حُلولٍ شامِلَةٍ لِأَزْماتِ انْبِعاثِ الكَرْبونِ لَدى الأَجْيالِ العَرَبِيَّةِ القادِمَة، خاصَّةً أَنَّ كُلَّ المُؤَشِّراتِ التي رَصَدَتْها التَّقاريرُ الدَّوْلِيَّةُ تَنُصُّ عَلى أَنَّ البُلْدانَ العَرَبِيَّةَ مِنْ أَكْثَرِ مَناطِقِ العالَمِ هَشاشَةً أَمامَ التَّحَوُّلاتِ المُناخِيَّة، لِأَنَّ تَزايُدَ مَوْجاتِ الحَرارَةِ وَالتَّصَحُّر، وَنُدْرَةَ المِياهِ وَارْتِفاعَ دَرَجاتِ الحَرارَة، قَدْ خَلَقَ واقِعًا بيئِيًّا تَمَّ بِموجَبِهِ تَصْنيفُ العالَمِ العَرَبِيِّ في دَرَجَةٍ عالِيَةِ الخُطورَة.

التمسّك باقتصاد النفط والبترول يُشكّل مرضًا بنيويًا في المنظومة الاجتماعية والسياسية للدول الحديثة

غَيْرَ أَنَّ الوَعْيَ بِذَلِكَ عَمَلِيًّا وَبِبَلْوَرَةِ مَنْظورٍ اسْتراتيجِيٍّ تَقومُ عَلَيْهِ السِّياساتُ العُمومِيَّة، ظَلَّ باهِتًا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَمَنِّياتٍ فَقَط، بِدَليلِ أَنَّ الاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّةَ في مُجْمَلِها تَعْتَمِدُ بِشَكْلٍ مَرْكَزِيٍّ على النَّفْطِ وَالغاز، مَعَ العِلْمِ أَنَّهُما أَساسُ الانْبِعاثاتِ الكَرْبونِيَّة. الأَمْرُ الَّذي يَطْرَحُ مِنَ النّاحِيَةِ الأَخْلاقِيَّةِ تَناقُضًا جَلِيًّا يَتَمَثَّلُ في تَصريحِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الذي يَتَراوَحُ، في سِياقِ الاتِّفاقاتِ الدَّوْلِيَّة، بَيْنَ الالْتِزامِ بِالمُساهَمَةِ في خَفْضِ الانْبِعاثاتِ العالَمِيَّة، وَبَيْنَ التَّمَسُّكِ بِما يُشَكِّلُ مَصْدَرَ دَخْلِها الاقْتِصادِيِّ وَالمالِيِّ وَبِما يَضْمَنُ لَهما الاسْتِقْرار.

هُنا يَتَدَخَّلُ البُعْدُ الفَلْسَفِيُّ وَالقِيَمِيُّ لِيُسائِلَ طَبيعَةَ العَلاقَةِ بَيْنَ الإِنْسانِ وَالبيئَةِ وَمَنْطِقَ "الاسْتِخْلافِ البَشَرِيِّ" الذي يُفْتَرَضُ فيه الحِفاظُ عَلَى مُسْتَقْبَلِ الطَّبيعَةِ وَالإِنْسان.

لَقَدْ قَلَبَتِ الأَزْماتُ المُناخِيَّةُ كُلَّ المُعادَلاتِ التي قامَتْ عَلَيْها التَّصَوُّراتُ القَديمَةُ لِلتَّنْمِيَة، لِأَنَّ هَذِهِ الأَزْماتِ أَبانَتْ أَنَّ نَوْعَ هَذِهِ الأَفْكارِ لَمْ يَصْمُدْ أَمامَ تَحَدّي التَّوازُنِ البيئِيِّ الذي يُفْتَرَضُ فيه أَنْ يَكونَ قائِمًا عَلَى تَخْطيطٍ مُسْبَقٍ واعٍ بِالمَخاطِرِ وَمُسْتَبِقٍ لِحُدوثِها، لِأَنَّ الصَّوابَ في هَذا التَّخْطيطِ أَنْ يَكونَ مُنْصَبًّا عَلَى حِمايَةِ الطَّبيعَةِ وَتَدارُكِ الدَّمارِ اللّاحِقِ بِها وَتَحْصينِ نَوْعِها.

مِنْ هُنا تَأْتي الحاجَةُ إِلى إِعادَةِ تَحْديدِ مَفْهومِ التَّقَدُّمِ وَالتَّنْمِيَة، بِحَيْثُ لا يُقاسانِ بِحَجْمِ الإِنْتاجِ وَالاسْتِهْلاكِ فَقَط، وَإِنَّما بِوَعْيِ الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ بِأَهَمِّيَّةِ حِمايَةِ الأَصْلِ في وُجودِهِما وَاسْتِمْرارِه.

على هَذا الأَساسِ نَعْتَبِرُ أَنَّ آفَةَ البُنْيَةِ الاقْتِصادِيَّةِ الرّيعِيَّةِ التي تُمَيِّزُ بَعْضَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ لا تَعي خُطورَةَ عِنادِها في التَّمَسُّكِ بِاقْتِصادِ النَّفْطِ وَالبِتْرول، لِأَنَّ هَذا العِنادَ يُشَكِّلُ مَرَضًا بُنْيَوِيًّا في المَنْظومَةِ الاجْتِماعِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ لِلدُّوَلِ الحَديثَة، يُصَعِّبُ بِتَجَذُّرِهِ قَلْبَ المُعادَلاتِ التَّقْليدِيَّةِ وَالانْتِقالَ إِلى تَنْويعِ الاقْتِصادِ وَتَجْديدِ الاسْتِثْمارِ في الطَّاقاتِ المُتَجَدِّدَةِ وَالابْتِكارِ التِّكْنولوجِيّ، بِمَعْنى أَنَّ هَذا المَرَضَ قَدْ كَبَحَ أَيَّ إِرادَةٍ سِياسِيَّةٍ في بَلْوَرَةِ رُؤْيَةٍ اسْتراتيجِيَّةٍ مُتَجَدِّدَةٍ وَبَعيدَةِ المَدى تَقومُ عَلَى أَساسِ الاجْتِهادِ في تَنْويعِ مَصادِرِ الاقتِصاد.

المستقبل لن يُقاس بحجم الثروات الطبيعية فقط بل بكفاءة المجتمعات في توظيف المعرفة والتكنولوجيا

يَتَداخَلُ هَذا المَرَضُ مَعَ آفَةٍ أُخْرى تَتَمَثَّلُ في ثَقافَةِ الاسْتِهْلاكِ الحَديثَةِ المُرْتَبِطَةِ بِارْتِفاعِ الطَّلَبِ عَلَى الطّاقَةِ وَالمِياهِ وَالمَوارِدِ الطَّبيعِيَّة، مَعَ العِلْمِ أَنَّ تَحَدِّيَ الاسْتِدامَةِ يَسْتَوْجِبُ تَرْشيدَ الاسْتِهْلاكِ وَتَغْييرَ أَنْماطِ السُّلوكِ اليَوْمِيّ.

إِنَّنا بِصَدَدِ مُواجَهَةِ مَرَضٍ ثَقافِيٍّ إِضافِيٍّ يُبْطِلُ الوَعْيَ بِالاعْتِدالِ وَبِمَبْدَأِ الاسْتِخْلافِ البَشَرِيِّ في الأَرْض. أَمَّا القَضاءُ عَلَى هَذِهِ الأَمْراضِ فَيَبْدَأُ مِنْ إِبْطالِ فِكْرَةِ خَفْضِ الكَرْبونِ بِاعْتِبارِها مُجَرَّدَ تَجاوُبٍ شَكْلِيٍّ مَعَ الضُّغوطِ الخارِجِيَّة، وَالانْتِقالِ إِلى الوَعْيِ بِأَنَّ خَفْضَ الكَرْبونِ فُرْصَةٌ مَصيرِيَّةٌ لِإِعادَةِ بِناءِ نَموذَجٍ تَنْمَوِيٍّ قادِرٍ عَلَى رَفْعِ التَّحَدِّياتِ الكَوْنِيَّةِ في المُسْتَقْبَل، لِأَنَّ المُسْتَقْبَلَ لَنْ يُقاسَ بِحَجْمِ الثَّرَواتِ الطَّبيعِيَّةِ فَقَط، بَلْ بِكَفاءَةِ المُجْتَمَعاتِ في تَوْظيفِ المَعْرِفَةِ وَالتِّكْنولوجْيا وَجَعْلِها قاعِدَةً لِتَحَدِّياتِها.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن