صحافة

هل يعيد هرمز هندسة القوة الأميركية والنظام العالمي؟

فايز بن عبدالله الشهري

المشاركة
هل يعيد هرمز هندسة القوة الأميركية والنظام العالمي؟

سفينة تايلندية تعرضت لهجوم قرب مضيق هرمز في آذار/مارس 2026 (الفرنسية)

لم تعد المواجهة بين واشنطن وطهران مجرّد أزمةً ثنائية، بل باتت صراعًا على تعريف القوة نفسها. وهنا قد تُقاس مخرجات الأزمة بمعادلة قدرة الولايات المتحدة على تدمير الأهداف، وقدرة إيران على تعطيل النظام الدولي الذي تحرسه واشنطن. فمنذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، ثم مذكرة يونيو وهدنتها التي أعلن الرئيس ترمب انتهاءها (مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا)، يتضح أن التفوق العسكري الأميركي لم يُنتج خضوعًا سياسيًا، وأن السيطرة الإيرانية النسبية على هرمز لم تتحول إلى نصر استراتيجي.

ويفسّر هذا الحال انتقال مركز الثقل (الأمني/التفاوضي) من المنشآت النووية إلى المضيق، فهرمز هنا لم يعد ملفًا جانبيًا، بل بات آلية إيران لتحويل ضعفها التقليدي إلى ضريبة عالمية. وهنا، تكفي مسيرات عمياء أو صواريخ وزوارق وألغام محدودة لرفع تكاليف التأمين، وتعطيل سلاسل الإمداد، واستدعاء التضخم إلى الداخل الأميركي. ولهذا باتت واشنطن تطالب بإقرار إيراني علني بحرية الملاحة، لا لأن أسطولها عاجز عن الضرب، بل لأن حراسة كل سفينة إلى أجل مفتوح تعني انتصارًا إيرانيًا بالكلفة. وفي المقابل، لا تستطيع طهران إغلاق المضيق طويلًا من دون خنق صادراتها واستعداء الصين والهند وبالطبع دول الخليج.

ومع ذلك، فإن مما يزيد من هشاشة التكتيك الإيراني ذلك الغموض المريب داخل طهران، فغياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي عن المجال العام، وتصاعد وزن الحرس الثوري، يجعلان السؤال الحاسم متعلقًا بوحدة الأمر والسيطرة. فهل تُستخدم الهجمات كورقة تفاوض مركزية، أم باتت بعض مراكز القوة قادرةً على تخريب التسوية لحماية نفوذها؟ كما إن بقاء مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتعطل الرقابة الميدانية للوكالة الدولية، سيبقيان بمثابة فجوةً تسمح لكل طرف بتفسير نيات الآخر على أسوأ الاحتمالات.

أما الصين وروسيا، فقد كشفت الأزمة حدود شراكتهما مع إيران، فكلاهما قدمتا غطاءً سياسيًا ومنافع اقتصادية ومعلوماتية متفاوتة، لكنهما لم تتحولا إلى ضامن عسكري. حيث إن موسكو تريد استمرار تحويل الانتباه عن أوكرانيا واستمرار استنزاف الذخائر الأميركية ورفع قيمة الطاقة، وتريد بكين تدفق النفط واستقرار التجارة، دون أن تدفع كلفة أمن النظام البحري الذي تنتقد الهيمنة الأميركية عليه. وعلى هذا الأساس، فقد تحمل تكتيكات واشنطن العسكرية والسياسية رسالة أبعد من إيران. فواشنطن هنا، لا تريد دفع إيران للمزيد من التقارب مع بكين وموسكو، وفي الوقت ذاته تحاول إظهار القوة من خلال استعراض قدرتها على إدارة وحماية الممرات، لكن استمرار التصعيد قد يرفع الكلفة العسكرية والسياسية التي تحتاج واشنطن لخفضها لموازنة الصين.

ولهذا فمن المرجح خلال الأشهر المقبلة استمرار التفاوض تحت النار، وقد يراوح الوضع بين تهدئة بحرية مؤقتة، وضربات عقابية محدودة، وعقوبات تُرفع ثم تُعاد، ووساطات تتقدم كلما اقترب الطرفان من حافة فقدان السيطرة. وهذا المسار سيمنح واشنطن ردعًا بلا حسم، ويمنح طهران بقاءً بلا استسلام، لكنه يترك أسواق الطاقة ودول الخليج رهينة قرار متقلب.

وقد يأتي بعد هذا المسار سيناريو الانفلات غير المحسوب من خلال هجوم على ناقلة، أو ضربة من جناح إيراني متشدد، أو تصعيد مؤثر على دولة خليجية، فتنتقل الحرب من معاقبة إيران إلى اشتباك لا تخسر فيه طهران كثيرًا، ولا تكسب فيه واشنطن سوى إطالة أمد الصراع.

وعليه، يبدو أن لا حل سوى المضي نحو التسوية الدولية الشاملة ضمن صفقة متدرجة تحمل ضمانًا قابلًا للتحقق لحرية هرمز، واستعادة رقابة وكالة الطاقة الدولية، ومعالجة مخزون اليورانيوم، وقيودًا على القدرات البحرية والصاروخية، ورفعًا مرحليًا للعقوبات، بمشاركة خليجية وضمانات دولية. وهنا، ستخرج واشنطن غير رابحة كليًا؛ وستخرج إيران باقيةً، لكنها غير منتصرة. أمّا الحقيقة التي سيحملها هرمز إلى النظام الدولي فهي أن من لم يستطع منع إغلاق المضيق، قد يعجز عن إدارة العالم الذي سيتشكل بعد فتحه. 

(الرياض السعودية)
?

في ظل ما أظهرته إيران من عدوانية تجاه العرب وعدم فعالية القواعد الأميركية في حماية الخليج العربي، هل تؤيد تشكيل "ناتو" عسكري عربي؟



الإجابة على السؤال

يتم التصفح الآن