انعقاد قمة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تركيا في السابع والثامن من هذا الشهر، وهي القمة الثانية التي تعقد في تركيا إذ عقدت المرة الأولى في العام 2004، تأتي في لحظة هامة جدا بالنسبة لتركيا بشكل خاص لموقعها ودورها في الإقليم، وذلك في خضم التطورات الجارية فى الشرق الأوسط. كما تأتي في لحظة تحظى بأهمية كبرى أيضا بالنسبة لأعضاء الحلف من حيث الانعكاسات على المصالح الاستراتيجية لهذه الدول ولو بدرجات مختلفة بسبب الموقع الجغرافي والأولويات المتغيرة وبالتالي القدرات الموظفة بالفعل، وليس بالقول والرؤيا الخاصة بذلك الدور في الاستراتيجية الوطنية للدولة العضو المعنية.
ويبرز ذلك الاختلاف بشكل خاص بين "واشنطن ــ ترامب" من جهة ودول "القارة القديمة" وبين هذه الأخيرة أيضا من جهة أخرى. حول الخلافات الأمريكية الأوروبية بشأن أوكرانيا اعتبر الأوروبيون مرارا أن "الغزل" الأمريكي مع روسيا يشجع هذه الأخيرة على التمادى في موقفها المتشدد تجاه أوكرانيا من المنظور الغربي. لكن الرئيس الأمريكى في "سياسة الصدمات" التي يجيدها اعتبر خلال القمة أن الضربات الأوكرانية في روسيا قد تعجل بإنهاء الحرب، كما أعلن أنه سيوفر لأوكرانيا "الترخيص" لإنتاج صواريخ الباتريوت؛ ذلك أيضا جاء بمثابة رسالة لروسيا لكن استراتيجية ترامب التي تقوم على نموذج التعاون بالقطعة، كما يُقال، قد تتغير دون أن يفاجئ أحد بذلك.
ورغم التقارب الأمريكي الأوروبي إذا ما وصفناه بذلك بشأن أوكرانيا، والتي كانت إحدى أهم الاختلافات الرئيسية بين الطرفين، لكن استمر النقد الأمريكي للأوروبيين، لعدم توفير الدعم المطلوب لواشنطن حتى على صعيد الموقف الحازم، حسب ترامب، فيما يتعلق بالحرب أو المواجهة مع إيران. وعاد ترامب عشية القمة ليوجه رسالة إلى حلفاؤه الأوروبيين مهمة في توقيتها، كما أشرنا، وتتعلق بإثارة موضوع السيطرة على غرينلاند التي هي جزء من الدانمارك، وذلك كما يقول تعزيزا للدور الأمريكي في ما يتعلق بالأمن في القطب الشمالي والأطلسي الذي هو مسؤولية أمريكية أساسا كما يحب دائما أن يذكر حلفاءه. رسالة مهمة أيضا في توقيتها وتدل على استمرار الخلافات في الحلف الأطلسي، رغم أن الأعضاء الكل أكدوا مجددا على التزامهم بزيادة الإنفاق الدفاعي، الذي هو في الأساس مطلب ترامب، ليصل إلى مستوى الخمسة بالمائة من الدخل الوطني العام في العام 2035، وذلك في إطار "البيت الأطلسي".
ورغم الاتفاق أيضا على إصدار أو تغيير القوانين لتسهيل التعاون عبر الأطلسي في صناعات الإنتاج الحربي، لكن ذلك سيبقى رهينة لتطور العلاقات ضمن الحلف الغربي مع ازدياد التحديات المختلفة من حيث أولوياتها الوطنية الضاغطة والتي قد تعرقل أو تبطء تنفيذ قرار من هذا النوع. ويبقى السؤال قائما، رغم ما اعتبره البعض بمثابة إنجاز من حيث البدء بردم الفجوة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، إلى أى مدى يمكن ترجمة لحظة القمة التوافقية إلى سياسات تعاونية وتكاملية عمليا في البيت الأطلسي في القضايا الاستراتيجية الأكبر أو الساخنة خاصة في ظل السياسات الأحادية بشكل عام والصدامية أحيانا التي تطبع السياسة الأمريكية في إدارة ترامب. السياسات التي تخلق حالات توتر مع الحلفاء في لحظات وفي مجالات عديدة.
كلمة أخيرة جاءت استضافة تركيا للقمة في لحظة شديدة الأهمية بالنسبة لها فيما يتعلق بالتغيرات الحاصلة في الشرق الأوسط والتي يفترض أن ينتج عنها نظام إقليمي جديد لا أحد يدرك متى ولادته. نظام لم تتضح بعد سماته ولا بالطبع لحظة قيامه كما أشرنا ويظهر بالتالي في هذا الصدد الدور التركي المبادر والناشط في مختلف قضايا الإقليم، وخاصة بعد التغيير الذي حصل في سوريا والأحزاب القائمة، وذلك بأشكال متعددة منها الأحادي ومنها التعاون مع قوى إقليمية أخرى ضمن صيغ مختلفة للتعاون لإطفاء أو احتواء الحرائق المشتعلة وهي عديدة. فتركيا الأطلسية تعزز دور أنقرة في الشرق الأوسط وتركيا الشرق أوسطية تعزز الدور ذاته على صعيد "البيت الأطلسي".
(الشروق المصرية)

